كنت أرعاها على قراريط ومعالم سيرته

حمزة بن فايع آل فتحي

2020-11-09 - 1442/03/23
التصنيفات: السيرة النبوية
عناصر الخطبة
1/بركة النبي على بيت حليمة السعدية 2/رعي النبي للغنم والدروس المستفادة 3/بعثته ودعوته وصبره -عليه الصلاة والسلام- 4/واجب المسلمين تجاه نبيهم.

اقتباس

وبسيرته معالم وصفات: أولاً: أنها سيرةٌ شاملة تفصيلية، تنقلُ كلَّ شيء، حتى دقائقَ حياتهِ, وهذا لم يحصل لمخلوق!, واستعرضِ التاريخَ الإنساني, لا تجد عظيما معظَّما كُتبت سيرتُه تامةً تامة، لا يكاد يغيبُ منها شيء؛ كما حصل لنبينا الأعظم -عليه الصلاة والسلام-...

الْخُطبَةُ الْأُولَى:

 

الحمدُ لله الذي خلقَ فسوى، والذي قدّرَ فهدى, خلقَ الخلق, وفضَّل فيهم واصطفى، وجعل محمدا خيرَ رسولٍ مقتفى, أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وحده لا شريك، وأشهدُ أن محمدا عبدُه ورسوله, صلى اللهُ عليه, وعلى آلهِ وصحبهِ أربابِ المجدِ والوفا.

 

أما بعد: فاتقوا اللهَ حقَّ التقوى, وراقبوه في السرِّ والنجوى؛ (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا)[الطلاق: 5].

 

معاشرَ المسلمين: بالله عليكم؛ فتّشوا عن أعظمِ السير، وأجملِ التواريخ، وأصدقِ القصص، وأجملِ الحِكم والتجارب؛ لا تجدوها إلا في السيرةِ الخالدة، والتاريخِ العاطر, سيرةِ نبيِّنا -صلى الله عليه وسلم-؛ (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)[الأحزاب: 21].

 

فهل كانت حليمةُ السعدية -لما ذهبت تلتمسُ الرضعاء في مكة، فلم يبق لها إلا يتيمٌ واحد بلا أب، ولا يُرى عليه أثر الغنى- تَحلمُ بغنى باذخ، أو ببركة نادرة؛ تتغازرُ معها الأملاك والطعام؛ فتحولت حياتُها من فقر وبؤس إلى غنى ورخاء؟! وكما قال زوجها: "لا عَلَيْكِ أَنْ تَفْعَلِي؛ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا فِيهِ بَرَكَةً"؛ فحلت به البركات والآيات!.

 

وَبَدا مُحَيّاكَ الَّذي قَسَماتُهُ *** حَقٌّ وَغُرَّتُهُ هُدىً وَحَياءُ

وَعَلَيهِ مِن نورِ النُبُوَّةِ رَونَقٌ *** وَمِنَ الخَليلِ وَهَديِهِ سِيماءُ

وَالآيُ تَترى وَالخَوارِقُ جَمَّةٌ *** جِبريلُ رَوّاحٌ بِها غَدّاءُ

 

وبقي -صلى الله عليه وسلم- في كفالة جدِه عبدِ المطلب, ثم عمِّه أبي طالب، ورعى الغنمَ تلك المدة, وقال في الحديث المشهور: "مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ", فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ؛ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ"؛ وهنا موعظة لكل كسولٍ أو خجول تأفف، أو زهدَ في مهنة معينة, ونقول: تعلّمْ من أنبياءِ الله -تعالى-، ولك في رسول الله أسوة حسنة؛ فقد رعى الغنم، وأعَفَّ نفسّه.

 

وداود -عليه السلام- كان حدادًا، وزكريا -عليه السلام- نجارًا، وإدريس -عليه السلام- خياطًا، ولَم يتَّكِلوا على الناس، أو أراقوا ماءَ وجوههم سؤالًا واحتياجًا!, وفِي ذلك حضٌّ على العمل, وإعفافٌ للنفس, وأن الرتبةَ الدينية لا تحولُ دون العمل، وتواضعُ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، وأن الحياة جهادٌ وكفاح، وأن الاستغناءَ عن الناس من أسبابِ النجاح والتأثير.

 

ثم اصطفى اللَّه ذلك الراعي اليتيم، الذي حُرم الأبوين وخصه بالنبوة, وأرسله للناس بشيرًا ونذيرًا, فأتاه الوحيُ في غار حراء؛ (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)[العلق: 1], وابتدأ دعوته سريةً على الأحبة والمعارف, ثم صدَع بها فضجّت قريشٌ ونالت منه ومن صحابته, وألقي عليه سَلا الجَزور وهو يصلي, وصبرَ واحتسب, وعلّم أمتَه دروسَ الصبر والصفح والحلم، حتى تكاثر أتباعُه, وتمّت الهجرة, ووقع التمكينُ العظيمُ في طيبةَ الطيبة؛ (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ)[الأنفال: 62، 63].

 

وبسيرته معالم وصفات:

أولاً: أنها سيرةٌ شاملة تفصيلية، تنقلُ كلَّ شيء، حتى دقائقَ حياتهِ, وهذا لم يحصل لمخلوق!, واستعرضِ التاريخَ الإنساني, لا تجد عظيما معظَّما كُتبت سيرتُه تامةً تامة، لا يكاد يغيبُ منها شيء؛ كما حصل لنبينا الأعظم -عليه الصلاة والسلام-.

 

ثانيًا: أنها سيرةٌ تاريخية, تسيرُ مع الإنسان والأمم والدول، ولا تفنى مع مرور الأيام؛ لأنها سيرة إنسان عايش الناس، وجاء لحلِّ همومهم، وعلاجِ مشكلاتهم.

 

ثالثًا: أنها سيرةٌ نموذجية جاذبة، سيقت لكي تحاكَى وتُحتذى؛ (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)[القلم: 4], قالت عائشة -رضي الله عنها-: "كان -صلى الله عليه وسلم- يَخيطُ ثوبَه, ويخصِفُ نعلَه, ويعمَلُ ما يعمَلُ الرِّجالُ في بيوتِهم".

 

فخذ منها صبرًا على شدائد الحياة, وتجمّل بوعيها الدقيق، وتحلَّ بحلمها اللطيف، وشجاعتها الحاضرة, ومصداقيتها الثابتة؛ "كَلا، وَاللَّهِ لا يُخْزِيكَ اللَّهُ؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ".

 

وفيها قرآنٌ عجيب، وخلقٌ جميل, وشمائل ذات بهجة, خليقٌ بمن طالعها، أو سمعها أن يحاكيها, ويربي عليها الأبناء والتلامذة؛ (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)[آل عمران: 159].

 

رابعاً: أنها كاشفةٌ لحقائق الإسلام وتطبيقاته الدعوية؛ فهي منهاج عملي, ومخزونٌ سلوكي للشخصية النبوية.

 

خامسًا: أنها سيرةٌ معجزةٌ, تأسر القراء والمطالعين, ولا يمكن لعاقل ردها أو تجاهلها؛ فقد كتب الله لها القبولَ الحَسن, والجلالةَ العالية.

 

اللهم وفقنا لاتباع سنته, والسير على منهاجه؛ إنك جواد كريم, أقول ما تسمعون, وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه غفور رحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ لله على نعمة الإسلام والسنة، وجلاءِ الطريق والمئنة، وصلّى الله وسلم على نبي الأمة, وعلى آلهِ, وصحبهِ السادة الأئمة, وسلم تسليمًا مزيدًا.

 

وبعد: فعظّموا -يا مسلمون- رسولَكم -صلى الله عليه وسلم-؛ بمحبتِه وتعظيم سنته، وغرسِها في وجدان الأجيال.

 

جاء من بيئة الفقر والتعب واللأواء؛ لهداية الناس، وليقول: كذا هي الحياة، وليقول للرجلين الخائفين وقد مكنه اللهُ: "هوّنا عليكما؛ فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القَديد بمكة"؛ أي: اللحم المجفف, وليقول للأعرابي البائل في المسجد: "لا تُزرموه؛ إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-, وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ", ويقول لصاحبِ الدين: "اعطوه؛ فإنّ خيارَ الناس أحسنُهم قضاءً".

 

أَحيوا مثلَ ذلك في بيوتِكم وقلوبكم, وجسِّدوه في المدارس والطرقات، واجعلوا من سيرته منهجَ حياة، وأسلوبَ حوارٍ وتواصل؛ (يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا)[النساء: 174].

 

وقولوا لهم: إنّ رسولَ الله قد رعى الغنمَ وما خَجل، وعاش غريبًا وما ذلّ، وكان مسكينا وما هانَ, وابتُلي وما انهزم، وعلّمنا الصبر والعزة, وحبَّ العلم, والشجاعة، وفنونَ الدعوة والحكمة، وابتغاء ما عند الله؛ "اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون", و"إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ، وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ؛ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ", فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: "فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا، وَأُمَّهَاتِنَا"؛ فقد فهم المقصد، وأنه هو المخيّر الصادق الزاهد.

 

فداه أبي وأمي -صلى الله عليه وسلم-، ما أروعَه وما أروعَ سيرته!.

 

اللهم صلِّ وسلِّمْ على عبدِكَ ورسولِكَ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-؛ (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

المرفقات

كنت أرعاها على قراريط ومعالم سيرته

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات