قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا

محمد البدر

2014-06-26 - 1435/08/28
التصنيفات: الإيمان
عناصر الخطبة
1/ سمات المؤمن القوي المتوكل 2/ حماية النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لجناب التوحيد 3/ حقيقة العدوى 4/ هلع الناس وخوفهم من فيروس كورونا 5/ الثقة واليقين برب العالمين 6/ واجب العباد عند الأخطار

اقتباس

هلع وفزع وخوف ووجل أصاب الكثير من الناس، وأحاديث الناس هذه الأيام في الإعلام وفي المجالس، لا تخرج عن خطر وباء "كورونا"؛ ذلك الفيروس الذي فاجأ الناس، وهجم على المجتمع، فتسبب في وفاة البعض، ولزوم الأَسِرّة البيضاء لآخرين، وحصول الخوف والذعر عند الكثيرين، مما حدا بالقائمين على شئون البيئة والصحة للتحذير منه، وبيان خطره، وأسباب ظهوره، وكيفية العلاج والوقاية منه، وبين أحاديث الناس وجهود الجهات، تظهر حكم وأحكام!!!

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

أما بعد:

 

عباد الله: قالَ تعالَى: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ) [آل عمران: 51]، والمؤمنُ القوِيُّ المتوكِّلُ هوَ مَنْ يرضَى بِمَا قدَّرَ اللهُ سبحانَهُ لهُ وقَسَمَ، ولاَ يُكثِرُ الشكايةَ والحسرةَ والندمَ، وقَدْ أمرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بذلكَ فقالَ: "فَإِنْ غَلَبَكَ شَيْءٌ فَقُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ، وَإِيَّاكَ وَاللَّوَّ، فَإِنَّ اللَّوَ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ" رواه ابن ماجه وصححه الألباني.

 

 

قالَ تعالَى: (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [العنكبوت: 58- 59]، وحَقِّقُوا عبادَ اللهِ معنَى التوكلِ علَى اللهِ تعالَى بعدَمِ التطلُّعِ لِمَا فِي أيدِي النَّاسِ، فمَنْ توكَّلَ علَى مولاَهُ، حفظَهُ اللهُ جلَّ فِي عُلاهُ، ومنَعَهُ مِنَ الشَّيطانِ فِي دُنياهُ، ووَسَّعَ عليهِ فِي الرِّزْقِ وساقَ لهُ مَا يرجُوهُ ويتمنَّاهُ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصاً وَتَرُوحُ بِطَاناً» رواه الترمذي وصححه الألباني.

 

عباد الله: اتقوا الله تعالى, واعلموا أن النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -, ما ترك شيئًا مما يعلمه خيرًا لأمته إلا بيَّنه لهم, وما ترك شيئًا مما يعلمه شرًّا لأمته إلا حذَّرهم منه.

 

ومما ورد في ذلك: حماية النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لجناب التوحيد وسدّه لجميع الطرق والوسائل الموصلة إليه.

 

فمن ذلك ما رواه البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَن النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لاَ عَدْوَى، وَلاَ طِيَرَةَ، وَلاَ هَامَةَ، وَلاَ صَفَرَ»، فهذا نفي من النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لهذه الأمور الأربعة حماية للتوحيد مما يشوبه، ويؤثر فيه, والنفي أبلغ من النهي؛ لأن النفي يدل على بطلان ذلك وعدم تأثيره، والنهي إنما يدل على المنع.

 

والمراد بالعدوى يا عباد الله: هي ما يعتقده أهل الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى، وأن هذه الأمور تُعْدِي بطبعها، وإلا فقد يجعل الله بمشيئته مخالطة الصحيح من به شيء من الأمراض سببًا لحدوث ذلك.

 

وقال بعض أهل العلم: الحديث يدل على نفي العدوى مطلقًا, وأنه لا عدوى أصلاً بذاتها؛ إذ لو كان هناك أمراض مُعدية بسبب المخالطة ما بقي على ظهر الأرض أحد.

 

وأما ما يحصل من انتشار بعض الأمراض, فإنما هو أمرٌ يُقدّره الله على بعض خلقه ثم يرفعه إذا شاء وكأنه لم يكن، وهذا أمر مدرَك ومشاهَد.

 

فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -فَقَالَ «لاَ يُعْدِي شَيْءٌ شَيْئاً». فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ النُّقْبَةُ مِنَ الْجَرَبِ تَكُونُ بِمِشْفَرِ الْبَعِيرِ أَوْ بِذَنَبِهِ فِي الإِبِلِ الْعَظِيمَةِ، فَتَجْرَب كُلُّهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَمَا أَجْرَبَ الأَوَّلَ! لاَ عَدْوَى وَلاَ هَامَةَ وَلاَ صَفَرَ، خَلَقَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ فَكَتَبَ حَيَاتَهَا وَمُصِيبَاتِهَا وَرِزْقَهَا» رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني.

 

فأخبر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن ذلك كله قضاء الله وقدره. وأنه لو كان هناك عدوى كما تزعمون, فمن أعدى البعير الأول؟! ومن أين انتقلت إليه؟!

 

وأما قول النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لاَ يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» رواه البخاري؛ حتى لا يتوهم الشخص حين يمرض أن مرضه كان بسبب مخالطته لذلك المريض.

 

وذلك حماية لعقيدته من النقص؛ لأن الله لو أراد سلامة ذلك الشخص لسَلَّمه حتى ولو خالطه, ولو أراد إصابته بذلك المرض لحصل له ذلك ولو لم يخالطه.

 

وهذا أيضاً هو المراد بقول النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الطاعون: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ. وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ » متفق عَلَيْهِ .

 

لأن النفوس ضعيفة, فلو أن رجلاً دخل هذه الأرض ثم أصابه الطاعون, لقال: لو لم أقدم عليها ما أصابني، مع العلم أن هذا المرض مقدَّر عليه حتى ولو لم يقدم هذه الأرض.

 

وكذلك لو أن رجلاً خرج من هذه الأرض، ثم سلم من هذا المرض لقال: سلمت من هذا المرض؛ لأني خرجت من هذه الأرض مع العلم, أن الله سينجيه حتى لو بقي.

 

وهذا هو سبب منع النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من القدوم على أرض الطاعون لمن كان خارجها, أو الخروج منها لمن هو بها.

 

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخُطْبَةُ الثَّانية:

 

عباد الله: قال تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [الحديد: 11]، هلع وفزع وخوف ووجل أصاب الكثير من الناس وأحاديث الناس هذه الأيام، في الإعلام وفي المجالس، لا تخرج عن خطر وباء "كورونا"؛ ذلك الفيروس الذي فاجأ الناس، وهجم على المجتمع، فتسبب في وفاة البعض، ولزوم الأَسِرّة البيضاء لآخرين، وحصول الخوف والذعر عند الكثيرين، مما حدا بالقائمين على شئون البيئة والصحة للتحذير منه، وبيان خطره، وأسباب ظهوره، وكيفية العلاج والوقاية منه، وبين أحاديث الناس وجهود الجهات، تظهر حكم وأحكام!!!

 

لا بد للعاقل من النظر فيها بعين البصيرة، ليزداد إيمان بالله، وتعظيمًا لقضائه وقدره، وأن الأمر كله بيده سبحانه وتعالى، وأن ما شاء كان، وما لم يشاء لم يكن، وأن قدرة البشر وما يملكون من وسائل لا تقدم سببًا، ولا تؤخر أجلاً، وأن قدرة جميع الخلائق لو اجتمعوا محدودة، ووسائلهم قاصرة، لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا.

 

عباد الله: هذه الأحداث للشرع فيها أوامر يجب أن نعمل بها، وأن نتعامل معها، وأعظم ذلك مضاعفة العمل الصالح، واجتناب الذنوب والقبائح، والتوكل الصادق على الله، والرضا بالقضاء والقدر، والحذر من الشائعات، والتثبت في الأخبار، ودوام شكر المولى في السراء والضراء واليقين بما قال صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً» رواه ابن ماجه وصححه الألباني.

 

ألا وصلوا عباد الله ...

 

 

 

 

المرفقات

لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات