قصة لوط عليه السلام

فواز بن خلف الثبيتي

2013-07-19 - 1434/09/11
عناصر الخطبة
1/من صفات قوم لوط القبيحة 2/دعوة لوط عليه السلام قومه وعنادهم له 3/تفاصيل قصة قوم لوط وكيف كانت نهايتهم 4/الآثار السلبية لجريمة اللواط 5/أبرز أسباب انتشار فاحشة اللواط 6/علاج جريمة اللواط

اقتباس

أيها الإخوة في الله: إنها قصة قوم لعنهم الله، وأبغضهم ومقتهم، وعذبهم نذرها؛ لأن في أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- من يفعل فعلتهم، ويقارف ذنبهم. إنهم لعظم جرمهم وشناعة منكرهم، ثنّى الله بذكرهم في سور تتلى؛ كالأعراف وهود، والحجر والشعراء، والنمل والعنكبوت، والصافات والذاريات، والقمر، وغيرها. أما ديارهم: فالمؤتفكات -أي المنقلبات- قلبها الله بأهلها. وأما مدائنهم...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي أجزل لنا من المنن، ودمر ديار أهل الفواحش ومقتهم ولعن، وأدخلهم نار الهوان، واحتقرهم وأماتهم وتوعد من تعدى حدوده بنار الجحيم، فسحقاً لمن بها سكن، ووعد أهل طاعته بجنة النعيم ونجاهم من المحن، وامتدحهم بقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ)[المعارج: 29- 31].

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي حذر أمته من الخبائث، ما ظهر منها وما بطن، فقال فيما ثبت عنه: "إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط".

صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى اله وصحابته أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

 

فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله في السر والعلن، ومراقبته في الظاهر والخافي، فكم من مبدٍ للناس حسناً وفعلاً جميلاً، فإذا ما خلا بمحارم الله انتهكها واقترفها، وكأنه نسي أن الله جعل عليه من جوارحه شهيداً، ومن الملائكة المقربين رقيباً: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)[يــس: 65].

 

أيها الإخوة في الله: إنها قصة قوم لعنهم الله، وأبغضهم ومقتهم، وعذبهم نذرها؛ لأن في أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- من يفعل فعلتهم، ويقارف ذنبهم.

 

إنهم لعظم جرمهم وشناعة منكرهم، ثنّى الله بذكرهم في سور تتلى؛ كالأعراف وهود، والحجر والشعراء، والنمل والعنكبوت، والصافات والذاريات، والقمر، وغيرها.

 

أما ديارهم: فالمؤتفكات -أي المنقلبات- قلبها الله بأهلها.

 

وأما مدائنهم: فقيل: خمس قرى، وقيل: سبع، وقيل: تسع.

 

وأما عبادتهم: فالأصنام اتخذوها من دون الله.

 

وأما قبيح صفاتهم: فأولها وأشنعها: إتيان الذكور، واللعب بالحمام، والحذف بالحصى، والحق في المجالس "أي المباغضة ومهارشة الكلاب" -أي قاموا بتربيتها وإقامة المسابقات الرياضية والمصارعات بينهما-.

 

ومن أفعالهم: مناقرة الديوك؛ وتصفيف الشعر -أي جعله على هيئة تنافى الرجولة- والتصغير وحل الإزار -مما عليه عادة أهل الفسق في هذا الزمان- وشرب الخمر، هذه عشر صفات لقوم لوط، وبقى سبع صفات منع ذكرها مراعاة مشاعركم، علما أنها ذكرت في مثل كتاب: قرعُ السياط في قمع أهل اللواط للعلامة السفاريني -رحمه الله-.

 

أما أمامهم: فإبليس اللعين، فقد أورد ابن عباس -رضي الله عنهما- أن الذي حملهم على إتيان الرجال دون النساء أنهم كانت لهم ثمار في منازلهم وحوائطهم، وثمار خارجة في ظهر الطريق، وأنهم أصابهم قحط، وقلة في الثمار، فقال بعضهم لبعض: إنكم إن منعتم ثماركم هذه الظاهرة من أبناء السبيل كان لكم فيها عيش، قالوا: بأي شيء نمنعها؟ قالوا: اجعلوا سنتكم من أخذتم في بلادكم غريباً سننتم فيه إن تنكحوه، وأغرموه أربعة دراهم، فإن الناس إذا فعلتم هذا لا يظهرون ببلادكم، فذلك الذي حملهم على ما ارتكبوا من الأمر العظيم الذي لم يسبقهم إليه أحد من العاملين.

 

أما نبيهم: فلوط -عليه الصلاة والسلام-: (إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ)[العنكبوت:28- 29].

 

قالت أم هاني: سألت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن قوله: (وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ) فقال: "كانوا يخذفون الناس في الطريق".

 

وقيل: كانوا يناطحون بين الكباش ويناقرون بين الديكة.

 

وقيل: كانوا يتضارطون في مجالسهم ونواديهم، ويتضاحكون دون حياء.

 

وكان لوط -عليه السلام- ممن آمن برسالة عمه إبراهيم -عليه السلام- فهاجر لوط من محلة عمه بأمره وإذنه إلى سدوم، إحدى مدن قومه، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن ارتكاب ما هم فيه من الفواحش والمنكرات: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ)[النمل: 56].

 

وهذا هو شأن أهل الفسق والفجور في تعاملهم على مر الأزمان، وتعاقب الدهور مع الأنبياء -عليهم السلام-، ومع العلماء والدعاة والمصلحين: (إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ)؛ لأنهم صالحون مصلحون.

 

فأصبح الطهر تهمة، يتهم بها أهل الاستقامة والصلاح، تهمة تصدر من أهل العفن والفواحش والآثام أهل الفسق والنجاسة والدناءة: (أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ)[النمل: 56].

 

وجاءت ملائكة الرحمن لإبراهيم -عليه السلام– بالبشرى: (وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى)[العنكبوت: 31].

 

بشروه بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، وعلم إبراهيم من مجيئهم إليه أنهم قد أمروا بهلاك قوم لوط، فأخذ يجادلهم في ذلك: (قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ)[العنكبوت: 32].

 

إنها آصرة الإخاء والإيمان، إنها رابطة الجسد التي تجعل المؤمن يألم لألم أخيه، ويحزن لحزنه، ويفرح لفرحه.

 

ومر الأضياف الكرام من الملائكة بلوط -عليه السلام- فسيئ بهم: (وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا)[العنكبوت: 33] لا بخلاً فحاشا، ولكن لعلمه بما علمه قومه، وهو يخشى أن يفتضح في ضيفه، وخاصة أنهم جاؤوه على صورة غلمان حسان الوجوه، لم ير في الحسن مثلهم، فأوصد عليهم بابه، ولكنهم كسروه واقتحموه بعد أن أعملتهم زوجة لوط الهالكة بمقدم ضيوف حسان الوجوه، فلما رائهم لوط بالباب أخذ يدافعهم، ويجادلهم، ويذكرهم بالله -تعالى- والخوف منه: (فَاتَّقُواْ اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي)[هود: 78].

 

ويلتمس نخوتهم، ورجولتهم، ويثير فيهم التقاليد الحميدة والمرؤة، ومكارم الأخلاق، ولكنهم ومن شاكلهم آنذاك أهل خسة ودناءة، لا يعرفون الكرم، ولا الرجولة الحقة، ولا يعرفون للمرؤة قدراً، هم السفهاء، لا رشد ولا دين ولا خلق: (أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ)[هود: 78].

 

بل أخذ لوط -عليه السلام- يعرض عليهم بناته بالحلال بالزواج المشروع: (قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ)[هود: 78].

 

وبالفعل في الزواج المشروع الطهر والنقاء، وفي خلافه النجاسة والفحشاء، ولكن أنى للفطر المنكوسة القذرة أن تعرف الطهر، وأن ترضى به؟: (قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ)[هود: 79].

 

الله أكبر ما أقبحهم من قوم؟ وما أشنعها من فعلة؟!

 

ولوط يجادلهم ويحذرهم وينهاهم، ولكن دون جدوى، وبحزن ملؤه الأسى تمنى لوط -عليه السلام-: (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ)[هود: 80].

 

لو أن لي بكم عشرة وأقارباً يمنعون لاستنصرت، ونسي لوط أنه كان يأوي إلى ركن شديد عظيم، هو الله -تعالى-، ولذا قال رسولنا -صلى الله عليه وسلم-: "يرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد".

 

إنه الركن والملجأ الذي يحتمي به كل ضعيف ومحتاج ومغلوب، والله لا يتخلى عن أوليائه في هذا الظروف العصيبة، يكشف الرسل الكرام للوط حقيقتهم: (قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ)[هود: 81].

 

إننا ملائكة الله فلا تخف علينا، ولا تحزن من أجلنا ولا تهتم وتغتم لنا: (إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ)[هود: 81].

 

لقد كانت خبيثة كافرة، لا تعرف الإيمان، ولا عبادة الله، وليس أنها زانية، فنساء الأنبياء معصومات من الخيانة لحرمة الأنبياء -عليهم السلام-، ثم يطمئنون لوطا - عليه السلام -: (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ)[هود: 81].

 

كل هذا الحوار وقوم لوط واقفين عند الباب.

 

قد جاءوا يهرعون إليه من كل جانب، ولوط على الباب يدافعهم وينهاهم، وهم لا يقبلون منه، بل يتوعدونه ويتهددونه.

 

عند ذلك خرج عليهم جبريل -عليه السلام- فضرب وجوههم بطرف جناحه، فطمس أعينهم، وأعمى أبصارهم، فرجعوا وهم لا يهتدون الطريق، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ) [القمر: 37].

 

ويأتي العذاب، وتتنوع في كتاب ربنا سياقات العذاب الذي حل بهم، ليورث النفوس اشمئزازاً لعفلتهم واستنكاراً لها؛ فقال سبحانه: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ)[الأعراف: 84].

 

وقال تعالى: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ* فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤمِنِينَ)[الحجر: 72-77].

 

وقال سبحانه: (فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ)[هود: 82] أي الشديد الصلب المتتابع: (مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) [هود: 83].

 

ويقتلع جبريل -عليه السلام- بطرف جناح من أجنحته الستمائة؛ قرى الفاحشة واللواط، والشذوذ الجنسي، فيعلوا بها إلى السماء حتى تسمع ملائكتها نباح كلابهم، ومواء قططهم، ثم يهوي بهم منكسين، ثم يتبعوا الحجارة، عذاب لم يسبق لأمة من قبل مثل عذابهم.

 

عباد الله: هكذا عذب الله قوم لوط في قراهم، وهو العذاب اللائق بالفطر المنتكسة المرتكسة في حماة الرذيلة الهابطة من رحمة الإنسان إلى درك الحيوان، بل أحط من الحيوان: (وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ)[هود: 83].

 

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من مات من أمتي يعمل عمل قوم لوط نقله الله إليهم حتى يحشره معهم".

 

تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها *** من الحرام ويبقى الإثم والعار

تبقى عواقب سوء من مغبتها *** لا خير في لذة من بعدها النار

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ)[الأنبياء: 74].

 

بارك الله لي ولكم في القران العظيم...

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعاملين، وحجة على الخلق أجمعين، ما من خير إلا ودلنا عليه، وما من شر إلا وحذرنا منه، صلوات ربي وسلامة عليه وعلى آله الطيبين، وصحابته الميامين، وعلى من اقتفى أثرهم، وسار على هديهم إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

 

فيقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "قال بعض العلماء: إذا علا الذكرُ الذكر هربت الملائكة إلى أقطار السموات والأرض، خشية نزول العذاب على أهلها، وتعج الأرض إلى ربها، وتستأذن أن تخسف بهم، وتكاد الجبال أن تزول عن أماكنها، ويثقل العرش على حملته، وتكبر الملائكة، وتستعر الجحيم من جرم هذا الفعل وشناعته.

 

فما أفظع الجريمة؟ وما أشد العقوبة لو كانوا يعقلون؟!

 

عباد الله: كيف لا يتعظ بعد هذا عاصٍ؟! وكيف لا يتوب مذنب؟! وكيف لا تملأ الندامة قلوب أناس ارتكبوا من هذا القبائح ما ارتبكوا؟!

 

فيا أيها المذنب العاصي ويا أيها الشاب الغاوي: تْب إلى ربك توبة نصوحا، واستر نفسك، فالفضيحة ملازمة، وارتحل من مكانك الذي اشتهرت فيه بالذنب، واعلم أن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل.

 

وتذكر:

 

وإذا ما خلوت بريبة في ظلمة *** والنفس داعية إلى الطغيان

فاستحيي من نظر الإله وقل لها *** إن الذي خلق الظلام يراني

 

أخي المبارك، يا من استعفت بالحلال عن الحرام: إن الآثار بالناجمة عن فعل هذه الجريمة النكراء وما شابهها كثيرة جداً؛ من الإصابة بمرض الإيدز، ومرض الزهري والسيلان، وغيرها من الأمراض الجنسية، أمراض الشذوذ والرذيلة التي تفتك بالمجتمعات، مصداقاً لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ولم تظهر الفاحشة في قوم قط إلا فشا فيهم الطاعون والأمراض التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا".

 

وفي رواية: "إلا سلط الله عليهم الموت".

 

بأي طريق كان الموت، والموت في الشباب وأهل المنكرات منهم أكثر بكثير.

 

ومن أعظم آثار هذه الجريمة: زيادة على ضيق المصدر، وخفقان القلب، والعجز عن إتيان الزوجة، والإصابة بضعف في البصر، وتقوس في الظهر، وآلام في الفقرات، وبطء الحفظ، وشرود الذهن، إلى غيرها من الآثار الصحية السيئة.

 

أما نفسياً واجتماعيا: فإن المقارف لهذا الذنب يعاني من فساد الطبع، وتغير المزاج، والشعور دائماً بالانزواء، وشرود الذهن، وعدم التركيز، والفشل دراسياً، وغيرها من الآثار والنتائج والعقوبات العاجلة من الله لهؤلاء الشاذين المنحرفين.

 

نسأل الله لنا لكم ولأبنائنا جميعاً السلامة والعافية.

 

أيها الإخوة في الله: ولا بد منا من استعراض أهم وأبرز الأسباب التي من شأنها ومن ورائها وقوع وانتشار مثل هذه الفاحشة المقيتة في مجتمعنا، وأي مجتمع من المجتمعات.

 

فمن ذلك: ضعف خوف الله ومراقبته وخشيته في السر والعلن، فاستهان كثير من الشباب بنظر الله إليهم، واطلاعه عليهم.

 

ومن الأسباب: وفرة المال بأيدي الأبناء، وإعطاءهم السيارات التي يذهبون بها حيث لا يراهم أحد من الناس.

 

ومن الأسباب: تدليل الأبناء تدليلاً يفقدهم رجولتهم وشهامتهم، فيتعود الابن علي شيء من الميوعة في شخصيته، وفي كلامه ولباسه وحركاته، وقصات شعره، وغيرها من أفعال الساقطين المنحرفين الشاذين المائعين.

 

ومن الأسباب: توافر وسائل هدم البيوت، ومفسدات الأخلاق؛ كرؤية الأفلام الساقطة، والقنوات الهابطة، والصور العارية، والأغاني الماجنة، وكرؤية المصارعة الحرة التي يركب فيها الرجال دون لباس يسترهم.

 

زد على ذلك: إهمال الأب في متابعة أبنائه وتربيتهم، فيسهرون كما يشاءون، ويصاحبون من شاءوا، ويشاهدون ما يرغبون، وعيون أولياء الأمور عن أبنائهم ساهية، قد شغلت بمتاع الدنيا الزائل، ثم يستغرب الأب أن ابنه وقع فريسة اللواط، أو شارك هو في جريمة تشبهها مع أصحاب وزملاء، أو مع جيران وأصدقاء.

 

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** فكل قرين بالمقارن يقتدي

 

فأحذر -أيها الأب الكريم- من الغفلة عن أبنائك ذكوراً وإناثا عند زيارتك للأقارب وعند لعبهم في الشارع وفي الملاعب والحدائق، واحذر من إطلاق الحبل لهم علي الغارب في الإذن لأحدهم بالمذاكرة مع زميلة والدراسة مع صاحبة، وإن كان ولا بد ففي مكان واضح، وأمام مرأى ومسمع، ومراقب من أهل الدار.

 

والأهم من هذا الإذن للفتاة بالمذاكرة مع زميلاتها.

 

ومن الأسباب: مصاحبة الصغار للكبار، وهذه ظاهرة خطيرة لها آثارها ونتائجها، وعواقبها الوخيمة، وكم جرت من مصائب وقضايا أخلاقية سيئة؟!

 

ومن الأسباب: عدم التفريق في المضاجع بين الأبناء، وقد جاء النهي من النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، فقال: "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد، ولا المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد".

 

عباد الله: ثم إن على المدرسة واجب عظيم، وأمانة كبرى، في مراقبة مدرسيها ومشرفيها على دورات المياه، وكذا في الفسح، وعند المقصف أثناء تزاحم الطلاب للشراء، وعند الدخول والانصراف.

 

وعلى مدرس التربية البدنية أن يحرص هو وولي الأمر على أن يكون لباس الطلاب للرياضة واسعاً فضفاضاً، ساتراً غير قصير، ولا ضيق، بعيداً عن صور اللاعبين، وغيرهم، خالياً من العبارات السيئة، والشعارات، ونحوها.

 

كما يتوجب على إدارة كل مدرسة الاهتمام ومتابعة الطلاب الذين لديهم سلوكيات خاطئة، وغياب متكرر وعلاقات مريبة، ومشاكل مع طلاب آخرين، وما هي أسبابها، ولا تكتفي بالتعهد، أو استدعاء ولي الأمر، أو التهديد به، وإنما لابد من صرامة في القضايا الأخلاقية السيئة، وإحالتها للجهات المختصة إن لم تستطيع إيقاع العقوبة الرادعة المؤدية.

 

فالولاية على أبناء المسلمين ليست مناط تشريف ومفاخرة للمدراء والوكلاء والمشرفين، ولكنها أمانة وتكليف، وسيحاسب كل راع عما استرعاه الله، أحفظ أم ضيع؟

 

اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، واحفظ أبناءنا من كل سوء ومنكر.

 

اللهم أمنا في أوطاننا، اللهم أبرم لأمتنا أمراً رشداً.

 

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، اللهم ادفع عنا الغلاء والربا والزنا، والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين.

 

 

 

المرفقات

لوط عليه السلام

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات