قصةُ فقدِ عائشة -رضي الله عنها- لعقدها في السفر, ووجوبُ دعم اللاجئين السوريين

أحمد بن ناصر الطيار

2013-04-04 - 1434/05/23
عناصر الخطبة
1/ قصة فقد عائشة رضي الله عنها لعقدها في السفر 2/ دروس مستفادة من القصة 3/ ملمح من الثورة السورية 4/ وجوب دعم اللاجئين السوريين
اهداف الخطبة

اقتباس

واعلموا أنَّ في قصَصِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مع أصحابه عِبراً, وتعامُلِه مع زوجاته دُرُوساً ودُرَرًا. ومن ذلك ما جاء في الصحيحين, عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ, حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ, وهي ذو الحُليفة, انْقَطَعَ...

 

 

 

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله, صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله, واعلموا أنَّ في قصَصِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مع أصحابه عِبراً, وتعامُلِه مع زوجاته دُرُوساً ودُرَرًا.

 

ومن ذلك ما جاء في الصحيحين, عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ, حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ, وهي ذو الحُليفة, انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي, فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى الْتِمَاسِهِ, أي: طلبه, وَأَقَامَ النَّاسُ كلُّهم مَعَهُ, وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ, وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ.

 

فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِى بَكْرٍ -رضي الله عنه- فَقَالُوا: أَلاَ تَرَى إِلَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَبِالنَّاسِ, وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ, وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ.

 

جاؤوا إليه يشكون حَبْس الناسِ كلِّهم, وهم في سفرٍ وتعب, ولا ماء للوضوء والغُسل, يا لها من حالةٍ عصيبةٍ عليهم! ولماذا حبسهمُ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-؟ لأجل عِقْدٍ قيمتُه زهيدةٌ قليلة!.

 

 قالت: فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه, وَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ, صلى الله وسلم على نبيِّ الرحمة, وقائدِ الأُمَّة, ورأسِ الأخلاق, الداعي إلى الإرْفاق.

 

لو أنَّ أحدنا مكانه وفي موقفه, هل ينام على فخذ زوجته, التي سبَّبتْ لهم كلَّ هذا؟ لمْ يَلُمْها ويُعاتبها, لمْ يقُلْ نذهب ونُعوِّضكِ غيرها, بل راعى مشاعرها وأُنوثتها, وعقدها وحقَّها, فأين الرجال الغلاظ الشداد, أصْحابُ اللوم والتعنيف, الذين لا يَعْذرون ولا يتسامحون؟!.

 

قالت -رضي الله عنها-: فَقَالَ لي أبو بكر: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَالنَّاسَ, وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ؟ كأنه يقول لها: لِمَ لَمْ تقولي لا حاجةَ لي به, حتى لا يَحْبِسنَا النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- لأجلك.

 

قَالَتْ: فَعَاتَبَني أَبُو بَكْرٍ, وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ, أي: شدَّ عليها وعاتبها؛ لِما رأى بالناس مِن الكرب والضَّنك.

 

قالت: وَجَعَلَ يَطْعنُ بِيَدِهِ فِى خَاصِرَتِي, أي يَطعنها في جنبها وهو يلومها, فيا له من موقفٍ عصيبٍ عليها! أبوها يلومها ويطعنها في خصرها, وزوجُها وخليلها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-, نائمٌ على فخذها, لا تريد أنْ يقوم من نومه ويسمع ويُشاهد عتاب أبيها لها.

 

 ولذا قالت: فَلاَ يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلاَّ مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى فَخِذِي, أي أنها مع طعن أبيها لها لا تتحرك أبداً, شفقةً وإجلالاً واحْتراماً, لزوجها رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

قالت: فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-, حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ, فكيف لهم الوضوء للصلاة, والتيمّمُ لَمْ يُشْرع بعدُ؟.

 

قالت: فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا, وهي قولُه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة:6].

 

فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ، رضي الله عنه: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ.

 

فَقَالَتْ عَائِشَةُ -رضي الله عنها-: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ, فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ.

 

وفي قول عائشة -رضي الله عنها-: "وليس معهم ماء": دليلٌ على أنه لا يجب حمل الماء للوضوء في السفر, فإذا حضرت الصلاة وعُدِم الماء: تيمُّموا ولا حرج في ذلك.

 

وخروجُ عائشةَ مع النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في سفره, دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ واسْتحباب سَفَرِ الرَّجُلِ بِأَهْلِهِ, وإذا كان له أكثر من زوجة فالواجب العدل بينهنّ في السفر, وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يضعُ القُرْعةَ بَيْنَ نِسَائِهِ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا.

 

وفيه أيضاً أنَّ من أضاع أو أفسد شيئاً بلا قصدٍ منه فلا ينبغي أنْ يُلام على ذلك, بل ينبغي الاشتغالُ بالبحثِ عما فَقَد, وإصلاحِ ما أفسدَ، ونحوِ ذلك.

 

وفي إقَامَةِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-, للبحث عن العقدِ وإرجاعه لصاحبته, وتعطيلِ الجيش بأكمله لأجل فردٍ من أفراد الرعيَّة، دليلٌ على وجوبِ الاعتناءِ بحفظ حقوق المسلمين وأموالِهِم ومُمْتلكاتهم وإن قلَّت، وأنّه لا يجوز لِلْحُكَّاِم والمسؤولين أنْ يستهينوا بحقوق الْمواطنين وأموالهِم.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) [النساء:58]. 

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم, ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, أقول قولي هذا, وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين, ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله, صلى الله عليه, وعلى آله وأصحابه, وسلم تسليمًا كثيراً إلى يوم الدين.

 

 أما بعد: أيها المسلمون: ها هي أحداث سوريا الجريحة, تَسْتكمل عامها الثاني, وتدخل عامها الثالث، والشعبُ الْمُسلمُ المظلوم يُناضل لأجل كرامته وحرِّيَّته وعرضه, فما إنْ طلب ذلك من وليِّ أمره وحاكمه, الذي أحسن أكثرُ شعبِه الظنّ به خلال خمسين سنةً من حكمه, فإذا به يُواجه طلبهم بالحديد والنار, ويتوعدهم إنْ كرَّروا ذلك بالهلاك والبوار.

 

فأصرَّ الشعب على طلبه, فازداد النظام في طُغيانه, فرماهم بأقسى الأسلحة والعتاد, رماهم بصواريخ سكود, والقنابلِ العنقودية، والأسلحةِ الكيماويةِ المحرمةِ دُوليًّا.

 

فانكشف للشعب السوريِّ ولشعوب العالم أجمع, مدى وَحْشِيَّةِ وَدَمَوِيَّةِ هذا النظام الظالم, الذي أبان عن الحقد المذهبي والعقدي الدفين, لدى الْمعتدين من النُّصَيْرِيِّيْن والرافضة.

 

ومِن ثمَّ سارعت دُولُ الرافضة وأحزابُها, من العراق ولبنان وإيران, إلى دعمه والوقوفِ بجانبه, في وجه الشعب الْمُطالِبِ بحقوقه وكرامته.

 

وإنَّ الواجب على الأمَّة ألا تقف مُتفرِّجة, بل الواجب على كلِّ مَنْ يُؤمن بالله واليومِ الآخر أنْ يُقدِّم لهمُ المساعدة حَسَبَ اسْتطاعته.

 

وإنه لا أقلَّ من مُساعدتهم بصادقِ دُعائه, وتخفيفِ مُصابهم بأمواله.

 

وإنَّ رابطة العالمِ الإسلامي في هذه الْمُحافظة, بجوار البنكِ الأهليّ, وهيئةَ الإغاثة العالمية, تستقبل التبرعات العينيَّةَ, مَن فُرُشٍ وملابسَ وأطعمة, وهي جهةٌ مُخوَّلةٌ مُصرَّحٌ لها.

 

واحذروا من التبرعاتِ لجهاتٍ مشبوهة, وجمعيَّاتٍ لا تعلمون مِصْداقيَّتَها وحقيقتَها.

 

فبادروا يا مَنْ تتقلَّبون بنعم الله, وتعيشون برغد العيشِ ولذة الأمن والعافية, بادروا إلى دعم إخوانكم بما فَضل عندكم, واعلموا أنَّكم إنْ خذلتموهم خذلكم الله, وإنْ منعتموهم ما عندكم منعكم الله ما عنده.

 

وتأمَّل يا مَنْ بَخَلْتَ على إخوانك, وحرمتهم ما زاد عن حاجتك، تأمَّل قولَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"، وذكر منهم: "وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ", أي: ما زاد عن حاجته من الماء، "فَيَقُولُ اللَّهُ يوم القيامة: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي, كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ" متفق عليه.

 

اذهب إلى بيتك, وفتِّش في مخازنك وثلاجاتك: كم ستجد مِن طعامٍ وكساءٍ وفُرُش, هي زائدة عن حاجتك, لا يضرُّك لو خرجَتْ من يدك, وإخوانك من اللاجئين يتضوَّرون جوعاً, ويفترشون الأرضَ، ويلتحفون السماء, ألا تخشى أنْ يقول الله لك يوم القيامة, وقد زيَّن جنَّته للمؤمنين: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي, كَمَا مَنَعْتَ عبادي فَضْلَ مَا عندك؟.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المنافقون:9-11].

 

اللهم اربط على قلوب الموحدين في سوريا, اللهم ثبِّت أقدامهم، وانصرهم على من عاداهم, اللهم آمِنْ رَوعاتهم، واربط على قلوبهم، واحفظ أعراضهم، ووحِّدْ صفهم، وسدد رميهم, واجمع كلمتهم يا رب العالمين.

 

اللهم إنَّ أهل الشامِ قد عادوا إليك, وجاهدوا في سبيلك, وقاتلوا أعداءك, فاللهم إنك وعدت -وأنت لا تُخلف الميعاد- بأنْ تنصُرَ مَن نصر دينك, فاللهم انصرهم نصراً مُؤزَّراً, اللهم عجِّل فرجهم وخلاصَهم, اللهم كن للأرامل واليتامى والمساكين والمحصورين والمأسورين.

 

اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزم الطاغيةَ بشاراً وجُنْدَه، اللهم اشدد وطأتك عليهم، واجعلها عليهم سنين كسنيِّ يوسف, يا حيُّ يا قيُّوم.

 

 

 

 

المرفقات

قصةُ فقدِ عائشة -رضي الله عنها- لعقدها في السفر, ووجوبُ دعم اللاجئين السوريين.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات