في رحلاتهم عابدون

أحمد بن عبد العزيز الشاوي

2022-01-28 - 1443/06/25 2022-02-08 - 1443/07/07
عناصر الخطبة
1/أحوال الناس بين القحط ونزول الغيث 2/الرحلات للبراري والصحاري بعد نزول الأمطار 3/آداب وسلوكيات الأسر المسلمة في الرحلات 4/من صور إيجابية الأسرة المسلمة في رحلاتها 5/أهمية شكر النعم وعدم كفرها.

اقتباس

أنزل الله علينا رزقًا من السماء ليبلونا أنشكر أم نكفر، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، وإن البساط الإلهي الأخضر ليوشك أن يهيج فنراه مصفرًا. وإن هذه الأرض التي يوشك أن تأخذ زخرفها وتتزين لروادها ليخشى أن يأتيها أمر الله ليلًا أو نهارًا فيجعلَها حصيدًا كأن لم تغن بالأمس. وإن...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

الحمد لله الذي جعل الأرض فراشًا والسماء بناءً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أنزل لكم من السماء ماءً. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أتقى البرية وأكثرهم لربه شكرًا وثناءً صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعد: فاتق الله يا مَن تتشرف بالإسلام، واعلم أن الله بكل شيء عليم، وأنه بكل شيء محيط، واعلم أن ما بك من نعمة فمن الله.

 

مرت على الناس أيام كانوا يتلهفون فيها إلى غيث السماء، لكنهم يصبحون ويمسون على سماء صحو ليس فيها قزعة من سحاب، وخرجوا يستسقون مرتين والسماء ممسكة ماءها حتى كادوا يقنطوا..

 

فإذا الكريم الذي سبقت رحمته غضبه يَمُنّ ويتكرم فيرسل الرياح فتثير سحابًا فيبسطه في السماء كيف يشاء، ويجعله كسفًا فترى الودق يخرج من خلاله؛ فإذا القانطون يستبشرون وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين؛ فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين.

 

(اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ * فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[الروم: 48-50].

 

(أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا)[الرعد: 17]، وبعد أن كانت الأرض هامدة اهتزت وربت، وبعد أن كانت خاشعة أوشكت أن تأخذ زخرفها وتتزين وتنبت من كل زوج بهيج؛ (فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[الروم: 50].

 

ينزل من السماء ماء بقدر فتصبح الأرض مخضرة والأشجار مثمرة والمراعي مزهرة. وينزله على قوم فيزبد ويرعد لا تمنعه السدود ولا ترده الحدود، فيكسر الجسور ويقتلع الصخور ويدمر البيوت، ولا عاصم من أمر الله إلا من رحم، (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ)[الأعراف:84].

 

ومع نزول الأمطار وظهور البشائر باخضرار الأرض وإخراج زينتها، ومع اعتدال الأجواء وصفاء السماء يخرج الناس إلى البراري والقفار رجالاً ونساءً، وهناك على ضفاف الأودية والشعاب، وبين السهول المزدانة بغيث السماء  ينتشر الناس، فتظهر الطبائع على سجيتها، وتبرز أخلاق الأمة، وتتجلى مبادئ وسلوكيات الأسر.

 

هناك ستجد مَن لا يستحون من الله ولا من الناس، وستجد مَن يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول والفعل، في مظاهر من التفلُّت الممقوت من الآداب والقيم.. وهناك مسلمون ومسلمات يرسمون معالم الإيجابية مسترشدين بشرع الله مهتدين بهدي رسول الله.

 

إيجابية تجعل الشريعة منطلقًا، والآداب والأعراف الجميلة مستندًا، إيجابية تنبثق من الشعور بمراقبة الله والاستحياء من الله، وتدرك أنها مسؤولة أمام الله عن عمرها فيم تُفنيه وعن شبابها فيم تبليه، (وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)[الأنبياء: 47].

 

أُسَر إيجابية تستشعر قول الخالق: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، ويرسم أفرادها الصورة المُثْلَى للمسلم الذي يتّقي الله حيثما كان، ويراقبه ويستحيي منه في كل زمان ومكان.

 

أُسَر إيجابية خرجت لتتفكَّر في آلاء الله، ولتمارس الترويح المباح دون تَعَدٍّ للحدود أو انتهاك للآداب، ودون مزاحمة للشباب ولا تهاون بالحجاب.

 

أُسَرٌ تراقب الله وتغار على محارم الله ومحارمها في أفراحها وأتراحها، في لَهْوها وجدّها تستشعر إسلامها واستسلامها لخالقها في كل أحوالها معلنة (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الأنعام:162].

 

أُسَرٌ تُؤمن بقول ربها: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا)[النمل:69]؛ فتجعل من تنزهها فرصة للتفكر والتذكر والاعتبار، ولشكر الواحد القهار. وللتأمل في ملكوت الله، تنظر إلى بديع خلق الله (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[الذاريات: 49]؛ تتأمل غرائب الأشجار وبدائع الثمار وروائع الأزهار، وتردد: سبحان الخالق وتعالى وتقدس.

 

تأمل في رياض الأرض وانظر *** إلى آثار ما صنع المليك

عيون من لُجَين شاخصات *** بأهداب هي الذهب السبيك

على قضب الزبرجد شاهدات *** بأن الله ليس له شريك

 

أُسَر إيجابية تجعل من تنزهها فرصة لزيادة الإيمان بعد أن تشاهد روائع من خلق الرحمن، وتُردِّد:

فيا عجبًا كيف يُعْصَى الإله *** أم كيف يجحده الجاحد؟!

ولله في كل تحريكة *** وتسكينة أبدًا شاهد

وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه الواحد

 

أُسَر إيجابية تتنزه وفق هدي الإسلام، فلا أَشَر ولا بطر، ولا انتهاك لحدود الله، ولا تَحَلُّل من آداب الإسلام. بل عبادة وشكر، ومحافظة على الصلاة، والتزام بالحشمة والحياء لا سُكْر ولا غناء، لا استهتار ولا قلة حياء.

 

أُسَر يقودها رجال لا أشباه رجال. أسر إيجابية رجالها يؤمنون أن الله يغار.. يُدْخِلُون السرور على قلوب أهلهم وذريتهم، لكنهم يغارون فلا يرضون بما يخرم المروءة أو يهز القوامة أو يخدش في الحياء، أُسُر قدوتها محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يمازح عائشة -رضي الله عنها- ويسابقها، ولكن بعد أن يأمر الجيش بالتقدم.

 

إنها الغيرة التي تدفع الراعي القوام إلى حماية نسائه من نظرات اللئام، وتدفعهن إلى الستر والاحتشام والالتزام بآداب الإسلام، وإن أرض الله واسعة، ومن رام الحياة الجميلة فهي في ظلال الفضيلة.

 

أُسَر ترفع نساؤها شعار "خير للمرأة ألَّا ترى الرجال ولا يروها"، وتتمسك بمبدأ (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى)[الأحزاب:33]، وتخضع للأمر النبوي: "اتق الله حيثما كنت".

 

وعلى ضفاف المياه ووسط المروج الخضراء ينتشر شباب يصنعون لوحة الأدب والخلق الرفيع؛ غض للأبصار، واحترام للآخرين، مع رقي في التعامل، ورفعة في الذوق، لا إسفاف ولا سفه ولا إخلال بالأدب، ولا انتهاك للحدود، شعارهم في تنزههم "ولْيَأْتِ إلى الناس الذي يُحِب أَنْ يُؤْتَى إليه".

 

أُسَر إيجابية تؤمن بحديث "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، وتستشعر أن إماطة الأذى عن الطريق صدقة، وأن رجلاً دخل الجنة بغصنٍ أزاله عن طريق المسلمين؛ فإذا ما تنزهت في مكان تركته أحسن مما كان حسب الإمكان، وعبَّرت عن ذوقها الرفيع وخُلُقها الجميل، مدركةً أن غيرها سيحل فيه، ويحب أن يراه جميلاً، فلا أثر لمُخلَّفات، ولا وجود لبقايا مأكولات.. ولا إفساد لجمال الأرض وزخرفها.. وما أجمل الإيثار! وما أقبح الأثرة!

 

أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم...

 

 

الخطبة الثانية:

 

أما بعد: ففي برارينا ومتنزهاتنا وعلى السهول وفوق الرمال سترى أُسَرًا إيجابية تدرك أن الترويح لا يعني الترويع، فلا تغامر في أودية، ولا تخاطر في الذهاب لأماكن نائية، ولا تمارس السخف بارتكاب المخاطر، وإبراز البطولات المزيفة والشجاعة المتهورة.

 

أُسَر إيجابية تستشعر قول بارئها: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا)[الأحزاب:58]، وقول قدوتها -صلى الله عليه وسلم-: "مَن آذَى مسلمًا فقد آذاني"؛ متذكرة أن إخوانهم إنما خرجوا ليستمتعوا بجمال الأجواء في جوّ من الخصوصية والمحافظة على القِيَم، فلا يُكَدِّرُون عليهم مُتْعَتهم بمضايقتهم أو كثرة المرور من عندهم أو إزعاجهم بالدَّرَّاجات أو برفع الأصوات، مدركة أن مراعاتها لإخوانها دليل على صلاح قلوبها وصدق أُخُوتها وعنوان لذوقها الرفيع وخُلقها الجميل ووطنيتها الصادقة.

 

أُسَر إيجابية تُوقن أن للبيئة حقوقًا.. فالتبذير والإسراف ليست من صفات عباد الرحمن، ومن التبذير أن تستخدم شيئًا لست بحاجته، فقطع الأشجار من غير حاجة تبذير وإسراف، فدعِ الأشجار تُضْفِي على البراري جمالاً وحسنًا، واستمتع بدفئها حينما تحتاج إليها، ودع ما لا تحتاجه ليستفيد منه غيرك، وبهذا تجسّد صورة المسلم المتحضر.

 

أُسَر يُدْرك رجالها قول حبيبهم: "وابدأ بمن تعول"، فلا يستأثرون بالترويح ولا ينشغلون بأصحابهم عن أهليهم وزوجاتهم، وما فسدت الأسر وتشتّت الأولاد وضاعت الذرية إلا يوم أن انشغل الآباء بالأصدقاء سهرًا معهم وسمرًا، وما أحوجنا لتوجيه المصطفى -صلى الله عليه وسلم- حينما قال: "وإن لأهلك عليك حقًّا".

 

وعلى ضفاف المياه ووسط المروج الخضراء سترى مؤمنين يرفعون صوت الأذان، ويُقيمون الصلاة، ويغارون على الحرمات، فيَدْعُون إلى الله بحكمة، ويوجهون المخالفين بالموعظة الحسنة.. بمثل هذه الأُسَر، وبمثل هذه النماذج تفخر البلاد، ويُقْضَى على بذور الفساد ويقهر أهل النفاق والعلمنة والعناد.

 

ما أبدع صنع الله الذي أتقن كل شيء!، وما أجمل الأرض تكسوها الخضرة والجمال!، وتحيط بها المياه.. ما أجملها حينما يؤُمّها قوم تلهج ألسنتهم بذِكْر الخالق وشكر المنعم المتفضل، وتُعبّر جوارحهم عن الشكر أداءً للفروض واجتنابًا للحرام.

 

ما أجمل الأرض المخضرة إذا لم تُدنّس بالحرام!، ولم تعزف فوقها المزامير والأنغام!، ما أجمل الأرض إذا أخذت زخرفها وازينت واهتزت وربت إذا لم يُجْهَر فيها بالفسوق والعصيان، وترفع فيها راية الشيطان.

 

ما أجمل البراري والمتنزهات إذا أمَّها الصلحاء والعقلاء، وتعانق فيها جمال الأرض، مع أداء الفرض وحفظ العِرْض، وارتفعت فيها راية الشكر لرب العالمين، (وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)[النمل:40].

 

وختامًا يا مسلمون: قد أنزل الله علينا رزقًا من السماء ليبلونا أنشكر أم نكفر، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، وإن البساط الإلهي الأخضر ليوشك أن يهيج فنراه مصفرًا.

 

وإن هذه الأرض التي يوشك أن تأخذ زخرفها وتتزين لروادها ليخشى أن يأتيها أمر الله ليلًا أو نهارًا فيجعلَها حصيدًا كأن لم تغن بالأمس.

 

وإن الأمة التي تُبدِّل نعمة الله كفرًا، وتقابل آلاءه بالجحود ليُخْشَى أن يخسف بها جانب البر أو يرسل عليها حاصبًا.

 

فنسأل الله أن يجعلنا من الشاكرين الذاكرين، وأن يهدي كلّ ضالّ من المسلمين، وأن يحفظ علينا الأمن والإيمان واليقين.

 

اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. 

 

 

المرفقات

في رحلاتهم عابدون.pdf

في رحلاتهم عابدون.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات
kakrot-o
11-02-2022

بارك الله فيك