فيما يتهاون به بعض الناس من شؤون الصلاة

محمد بن صالح بن عثيمين

2017-08-05 - 1438/11/13
التصنيفات: الصلاة
عناصر الخطبة
1/أهمية الصلاة وبعض حكم فرضيتها 2/تهاون الناس في أداء الصلاة على وقتها 3/أوقات الصلوات الخمس المفروضة 4/خطر تأخير الصلاة عن وقتها والتحذير من ذلك 5/تهاون الناس بستر العورة في الصلاة وبعض مظاهر ذلك 6/تهاون الناس في الخشوع في الصلاة وكيفية علاج ذلك 7/حكم الحركة في الصلاة لمصلحتها

اقتباس

تصوروا لو أن شخصا من بيننا كان له أموال وأهل، وكان مسرورا في ماله وبين أهله، ثم أصيب بجائحة أتلفت أمواله، وأهلكت أهله، فماذا تكون حالة الناس بالنسبة له؟ إنهم لا بد أن يرحموه، ولا بد أن يواسوه في هذه المصيبة، ويقدمون له أنواع العزاء، ومع ذلك -وللأسف الشديد- نرى كثيرا من الناس تـ...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي أحكم ما شرعه، وأتقن ما صنعه، حد لعباده الحدود، وشرع لهم الشرائع، وبين لهم كل ما يحتاجون إليه من أمر الدين والدنيا، فسبحانه  من رب رحيم وإله حكيم.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، البشير النذير، والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما.

 

أما بعد:

 

أيها الناس: اتقوا الله -تعالى-، واعلموا أن الله فرض عليكم فرائض، فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها.

 

فرض عليكم الفرائض لتصلوا بها إلى أسمى الغايات، وأعلى الدرجات في روضات الجنات، ولتنجوا بها من عذاب النار، والهلكات.

 

فرض عليكم الصلوات الخمس، وأمركم بإقامتها، والمحافظة عليها، فأدوها كما أمرتم أدوها بشروطها وأركانها وواجباتها وأكملوها بمستحباتها، ولا تتهاونوا بها، فتكونوا من الخاسرين.

 

أيها الناس: إن كثيرا من المسلمين يتهاونون في صلاتهم، فلا يؤدونها في الوقت المحدد لها.

 

فوقت الظهر من زوال الشمس، وهو تجاوزها لوسط السماء، وعلامته ابتداء زيادة الظل بعد انتهاء قصره يمتد وقتها من الزوال إلى دخول وقت العصر، وذلك بأن يكون ظل الشيء مساويا له من ابتداء ظل الزوال، وينتهي وقت العصر باصفرار الشمس في حال الاختيار وبغروب الشمس في حال الضرورة، ثم يدخل وقت المغرب من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر حوالي ساعة ونصف من الغروب، ثم يدخل وقت العشاء إلى نصف الليل. أربع صلوات أوقاتها متوالية لا فصل بينها كلما خرج وقت صلاة دخل وقت أخرى.

 

ووقت الفجر من طلوع الفجر الصادق، وهو البياض المعترض في الأفق على طلوع الشمس، وهي منفصلة عن بقية الصلوات بينها وبين العشـاء من نصـف الليل إلى طلـوع الفجـر، وبينها وبين الظهر من طلوع الشمس إلى زوالهـا، قـال الله -تعالى-: (أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ)[الإسراء: 78].

 

وهذه تستوعب أوقات الصلوات الأربع: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، ثم فصل، وقال: (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ)[الإسراء: 78].

 

يعني صلاة الفجر، سماها الله قرآنا لطول القراءة فيها: (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا)[الإسراء: 78].

 

فلا يحل للمسلم: أن يقدم من صلاته جزءا قبل الوقت، ولا أن يؤخر منها جزءا بعده، فكيف بمن يؤخرون جميع الصلاة عن وقتها كسلا وتهاونا وإيثارا للدنيا على الآخرة، ويتنعمون بنومهم على فراشهم، ويتمتعون بلهوهم، ومكاسبهم كأنما خلقوا للدنيا، كأنهم لا يقرءون القرآن، كأنهم لا يقرءون قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ)[الماعون: 4 - 5].

 

وكأنهم لا يقرءون: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا)[مريم: 59 - 60].

 

كأني بهم لم تبلغهم أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- في وعيد من أضاع الصلاة، أو لم يبالوا بذلك؟

 

لقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله"[البخاري (527) مسلم (626) الترمذي (175) النسائي (478) أبو داود (414) ابن ماجة (685) أحمد (2/13) مالك (21) الدارمي (1230)].

 

أي: كأنما أصيب بفقد أهله وماله.

 

فسبحان الله! ما أعظم الأمر؟! وما أفدح الخسارة الذي تفوته صلاة العصر؟! "كأنما فقد أهله وماله" فأصبح أعزب بعد التأهل، وفقيرا بعد الغنى، هكذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- وما ينطق عن الهوى.

 

تصوروا لو أن شخصا من بيننا كان له أموال وأهل، وكان مسرورا في ماله وبين أهله، ثم أصيب بجائحة أتلفت أمواله، وأهلكت أهله، فماذا تكون حالة الناس بالنسبة له؟

 

إنهم لا بد أن يرحموه، ولا بد أن يواسوه في هذه المصيبة، ويقدمون له أنواع العزاء ومع ذلك -وللأسف الشديد- نرى كثيرا من الناس تفوتهم صلاة العصر، وصلوات أخرى كثيرة، ولا يحزنون لذلك، ولا يبالون بما حدث، وإخوانهم المسلمون يشاهدونهم على ذلك، فلا يرحمونهم، ولا يخوفونهم من عذاب الله وعقابه الذي يعمهم جميعا إذا لم يقوموا بما أوجب الله عليهم.

 

وكثير من المصلين يتهاونون بستر العورة، وقد قال الله -تعالى-: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ)[الأعراف: 31].

 

قال العلماء محددين للعورة: "عورة الرجل كل ما بين السرة والركبة، وعورة المرأة البالغة جميع بدنها ما عدا الوجه، فإنه عورة في النظر، وليس عورة في الصلاة، فلا يجب عليها أن تستره في الصلاة إلا أن يراها رجل غير زوج، ولا محرم، فيجب عليها ستره حينئذ من أجل أن لا ينظر إليها لا من أجل الصلاة.

 

فاتقوا الله -عباد الله- وتستروا في الصلاة بثوب مباح، طاهر، لا يصف لون الجلد من ورائه.

 

واحذروا التهاون في ذلك، فإن كثيرا من المترفين: يلبسون ثيابا ناعمة رهيفة، أو صافية لا تستر؛ لأن لون الجلد يبين من ورائها، وليس عليهم إلا سراويل قصيرة لا تصل إلى الركبة، فيبين لون الفخذ من تحت الثوب، وهؤلاء لم يأتوا بواجب الستر الذي هو من شروط الصلاة، فعليهم أن يطولوا السراويل من السرة إلى الركبة ليستروا بذلك عورتهم.

 

وإن مما يتهاون به بعض الناس: الخشوع في الصلاة، وهو حضور القلب، وسكون الأعضاء.

 

فأما حضور القلب، فكثير من الناس من حين ما يدخل في الصلاة يبدأ قلبه يتجول يمينا وشمالا، في التفكير والهواجيس.

 

ومن عجب أنه كان لا يفكر في هذه الأمور قبل أن يدخل في الصلاة.

 

وأعجب من ذلك أنها أمور لا فائدة منها غالبا، فهي لا تهمه في شؤون دينه ولا دنياه، ولكن الشيطان يجلبها إليه ليفسد عليه صلاته، ولهذا تجده يخرج من صلاته، وما استنار بها قلبه، ولا قرت بها عينه، ولا انشرح بها صدره، ولا قوي بها إيمانه؛ لأنها صارت عبارة عن حركات كحركات الآلة الأتوماتيكية.

 

وإن هذه الداء أعني الهواجيس في الصلاة لداء مستفحل، ومرض منتشر، ليس بين عامة الناس ولكن بين عامة الناس وخواصهم، حتى ذوي العلم والعبادة، إلا من شاء الله -تعالى-.

 

ولكن لكل داء دواء -ولله الحمد-، فإذا أحس الإنسان بذلك، فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وليستحضر أنه بين يدي الله -عز وجل- الذي يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور.

 

وليتدبر ما يقول في صلاته، وما يفعل، فلعل الله أن يذهب عنه ما يجد.

 

وأما سكون الجوارح، فكثير من المصلين لا تسكن جوارحه، تجده يعبث بيديه أو رجليه أو عينيه أو رأسه، يحرك يده ينظر إلى ساعته يعبث في لحيته يقدم رجله، ويردها يرفع بصره إلى السماء، ورفع البصر إلى السماء في الصلاة ينافي الآدب مع الله، ولذلك كان حراما، وحذر منه النبي -صلى الله عليه وسلم- تحذيرا بالغا، وقال فيه قولا شديد، فقال صلى الله عليه وسلم: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم"[البخاري (717) النسائي (1193) أبو داود (913) ابن ماجة (1044) أحمد (3/140) الدارمي (1302)].

 

فاشتد قوله في ذلك، حتى قال: "لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم"[البخاري (717) النسائي (1193) أبو داود (913) ابن ماجة (1044) أحمد (3/140) الدارمي (1302)].

 

فاتقوا الله -عباد الله- واحذروا أن تتعرضوا لعقوبة الله.

 

أما الحركة التي لمصلحة الصلاة، فهذه لا بأس بها بل هي مطلوبة، ولذلك أخر النبي -صلى الله عليه وسلم- ابن عباس -رضي الله عنهما- حينما صلى معه، فوقف على يساره، فأخذ برأسه من ورائه، فجعله عن يمينه. فإذا تحرك المصلي لتعديل الصف أو للقرب منه أو للدخول في الصف المقابل له، أو جر أخاه لسد الخلل بينهما، فكل ذلك جائز بل مطلوب؛ لأنه من تكميل الصلاة.

 

فاتق الله -أيها المسلم- في صلاتك اتخذها عبادة لا عادة.

 

اخشع فيها لربك، وأحضر قلبك وأسكن جوارحك، فإن الله يقول: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ)[المؤمنون: 1 – 2].

 

وفقني الله وإياكم للقيام بعبادته، والإخلاص له، والمتابعة لرسوله، ووقانا من الزيغ والفتن، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم.

 

المرفقات

فيما يتهاون به بعض الناس من شؤون الصلاة

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات