فضائل وأحكام البلد الحرام

صالح بن محمد آل طالب

2011-10-17 - 1432/11/19
التصنيفات: الحج
عناصر الخطبة
1/ استقبال موسم الحج 2/ وجوب المبادرة بالحج 3/ فضل المسجد الحرام والأشهر الحرم 4/ انتهاك حرمة الدماء في الأشهر الحرم 5/ حفظ أمن الأوطان فطرة بشرية
اهداف الخطبة

اقتباس

الحديثُ عن الحجِّ وفضله يحدُو الأرواحَ، ويبعثُ الأشواقَ لإجابة نداء الرحمن لحجِّ بيت الله الحرام، فيا خسارةَ من قعدَت به همَّتُه واستولَى عليه كسلُه، فلم يلحَق بركبِ الإيمان، قال -عليه الصلاة والسلام-: "تعجَّلوا إلى الحجِّ؛ فإن أحدَكم لا يدري ما يعرِضُ له". أخرجه الإمام أحمد. وعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: "لقد هممتُ أن أبعثَ إلى الأنصار فينظرُوا من كانت له جِدَةٌ فلم يحُجَّ فليضرِبوا عليهم الجِزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين" ..

 

 

 

 

الحمد لله جعل بيتَه الحرامَ مثابةً للناس وأمنًا، هدانا لأقوم السُّبُل وشرعَ لنا أفضلَ الشرائِعَ فضلاً منه ومنًّا، أحمده تعالى وأشكرُه، وأُثنِي عليه وأستغفرُه، حرَّم الحُرُمات أنفسًا وأشهرًا وبقاعًا، وتابعَ مواسمَ الخيرات علينا تِباعًا، وجعلَ خيرَ الناسِ أخلَصَهم لله وأشدَّهم لنبيِّه تأسيًّا واتباعًا، وجعل أبعدَهم عنه أجفاهم لهديِه وأكثرُهم ابتداعًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمدُ كل الحمدِ ربٌّ علا ذاتًا وقهرًا وقدرًا، وله الشكرُ إعلانًا وإسرارًا وجهرًا، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسولُه علَّم أمَّتَه العبادات وأوضحَ لهم المناسِك، ودلَّهم على طُرق الخير وأبانَ لهم المسالِك، له حُجَّةٌ لا يزيغُ عنها إلا هالِك، بشَّر به الأنبياءُ قبلَه، وهداه ربُّه لخير قِبلة، فقال سبحانه: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) [البقرة: 144]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغُرِّ الميامين، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله تعالى حقَّ تقواه، وسارِعوا إلى مرضاته واستعِدُّوا ليوم لِقاه؛ فإن اليومَ عملٌ ومُهلة، وغدًا حسابٌ وجزاء، وسيلقَى كلُ عاملٍ ما عمِلَ، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) [لقمان: 33].

أيها المؤمنون: تستقبِلُ الأمةُ موسمًا عظيمًا من أيام الله تعالى، وركنًا من أركان الإسلام العِظام، موسمٌ تُغفَرُ فيه الذنوبُ والخطايا، وتُقالُ فيه العثَرات وتُقبَلُ الدعوات، موسمُ الحجِّ إلى بيت الله العتيق، شِعارُ الوحدة والتوحيد، وموسمُ إعلان العهود والمواثيق وحفظِ الحقوق والكرامات، وحقنِ الدماء وعصمةِ النفوسِ والأموال، وما فاضَت به الوصايا في خُطبة الوداع.

وها هي طلائعُ الحُجَّاج تُضيءُ مُحيَّاهم أباريقُ الحرم، وينتظِمُ عِقدُهم في رِحابِه الطاهرة، آمِّين البيتَ الحرام يبتغون فضلاً من ربهم ورِضوانًا، يحطُّون رِحالَهم عند بيت الله العتيق، (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً) [آل عمران: 96، 97]، مُلبِّين النداءَ القديمَ المُتجدِّد: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) [الحج: 27، 28]، ويُؤدُّون ركنَ الإسلام الخامسَ: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) [آل عمران: 97]، ويُلبُّون بالتوحيد: لبَّيكَ اللهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمدَ والنعمةَ لك والمُلك، لا شريكَ لك، يأمَلون من الله القَبول، ويرجُون رحمتَه ويخافُون عذابَه.

يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "العُمرة إلى العمرة كفَّارةٌ لما بينهما، والحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلا الجنة". متفق عليه.

وفي الصحيحين أيضًا يقول الصادقُ المصدوق -صلى الله عليه وسلم-: "من حجَّ هذا البيتَ فلم يرفُث ولم يفسُق رجعَ كيوم ولدَتْ أمُّه" أي: نقيًّا من الذنوب والخطايا.

وأخرج ابن حبان في صحيحه عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الغازي في سبيل الله، والحاجُّ إلى بيت الله، والمُعتمِر وفدُ الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم".

وفي رحلة الإيمان الخالدة مُضاعفةُ الصلوات، وتكثير الحسنات، وإجابةُ الدعوات، ومواقفُ الرحمات في مِنَى ومُزدلِفة وعرفات.

وإذا ذكرتَ تلك الصعُودات فاذكُر حين يُباهِي اللهُ بحُجَاج بيته ملائكةَ السماوات، ويقول سبحانه: "هؤلاء عبادي جاؤوني شُعثًا غُبرًا، أُشهِدكم أني قد غفرتُ لهم". فيُعتِقُهم من النار، ويكتبُ لهم السعادةَ الأبديَّة.

أيها المسلمون: الحديثُ عن الحجِّ وفضله يحدُو الأرواحَ، ويبعثُ الأشواقَ لإجابة نداء الرحمن لحجِّ بيت الله الحرام، فيا خسارةَ من قعدَت به همَّتُه واستولَى عليه كسلُه، فلم يلحَق بركبِ الإيمان، قال -عليه الصلاة والسلام-: "تعجَّلوا إلى الحجِّ؛ فإن أحدَكم لا يدري ما يعرِضُ له". أخرجه الإمام أحمد.

وعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: "لقد هممتُ أن أبعثَ إلى الأنصار فينظرُوا من كانت له جِدَةٌ فلم يحُجَّ فليضرِبوا عليهم الجِزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين". قال المُنذري: إسناده حسن.

فبادِروا بالحجِّ -أيها المسلمون-، واغتنِموا أعمارَكم قبل أن يُحالَ بينكم وبين ما تشتَهون فتعجَزون أو تموتون.

عباد الله: وفي الحجِّ شرفُ الزمان والمكان؛ فالمكان: بلدُ الله الحرام، والزمان: عشرٌ مُعظَّمةٌ في أشهرٍ مُحرَّمة: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) [البقرة: 197]، وهذه البُقعة عظَّم الله حُمرتها غايةَ التعظيم، وجعل إجلالَها من التقوى وسببًا للتقوى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمْ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ * ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج: 30-32]، وحرَّم تنفيرَ صيدِها وعضدَ شوكِها فضلاً عن قطع شجرها وقتل صيدِها؛ فكيف بحُمرة المُسلم فيها؟! حتى إن مجرد إرادة الشر في الحرَم مُوجِبٌ للعذاب؛ قال الله -عز وجل-: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) [الحج: 25].

وفي وصف أشهُركم هذه يقول الله -عز وجل-: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) [التوبة: 36].

قال ابن كثيرٍ -رحمه الله-: "كان الرجلُ يلقَى قاتلَ أبيه في الأشهُر الحرم فلا يمُدُّ إليه يدَه". وقال أيضًا: "إن الظلمَ في الأشهُر الحُرم أعظمُ خطيئةً ووِزرًا من الظلم فيما سواها".

إذا كان الأمرُ كذلك؛ فإنه لا ذنبَ بعد الشرك أعظمُ من قتل النفس المؤمنة، وسفك الدم الحرام في الشهر الحرام ظلمًا وعُدوانًا.

لقد سبقَ الإسلامُ كل المُحاولات البشرية لإيجاد منطقةٍ آمنةٍ وزمنٍ آمِن، وإن شئتَ فقل: زمانًا ومكانًا مُحرَّمًا منزوعَ السلاح يأمَنُ الناسُ فيه وينعَمون بالسلام، وهذا من أعظم مقاصِد الإسلام الذي قصدَ إلى إشاعة الأمن والسلام، فالواجبُ على المسلمين أن يستشعِروا هذه الحُرمة، ويُعظِّموا الأشهُر الحُرم، خصوصًا بعد عامٍ عصَفَت فيه الفتنُ واضطرَبَت الأحوالُ، وأُزهِقَت أنفسٌ واختلطَت أمور.

ومن الناس من تشابَهت عليهم الأزمِنة، واختلفَت في أفهامهم الأمكِنة؛ فكأنما الأشهُر الحُرُم حِلٌّ لأشدِّ المُحرَّمات -وهي الدماء-، وكأنما البلادُ في بعث الفتنةِ بها سواء، وكأننا نعيشُ زمنَ الخبر النبوي المُتحقِّق في آخر الزمان: "يكثُر الهَرج -وهو القتل-، ولا يدري القاتلُ فيمَ قتَل، ولا المقتولُ فيمَ قُتِل، وهي فتنٌ الراقِدُ فيها خيرٌ من القاعِد، والقاعِدُ خيرٌ من الماشي".

وغفلَ المخذولُ عن قول الله -عز وجل-: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) [النساء: 93].

أيها الناس: لقد حانَ الوقتُ لإلقاء السلاح، وحقنِ الدماء، والاستجابةِ لأصول الحقوق التي وصَّى النبي -صلى الله عليه وسلم- بها في حجَّة الوداع، وأرسَى قواعدَها بقوله: "إن دماءَكم وأموالكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ، كحُرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهرِكم هذا".

آنَ الأوان لأَن يُراجِعَ المعنيُّون واقِعَهم، وأن يحترِموا الأشهُر الحُرم، وأن تتغلَّب المصالحُ على المفاسِد، ومكاسِبُ الأمة على مصالح الأفراد؛ صيانةً للنفوس والحقوق، وحال العباد والبلاد، والله لا يحبُّ الفساد.

الواجبُ على القادة والعلماء القيامُ بما يستطيعون لوقفِ النزيفِ الهادِر من دماء المسلمين وأرواحهم؛ فهي من أولَى مُقتَضَيات الأُخوَّة والمُوالاة، والتناصُر واجبٌ بين المسلمين: (وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ) [الأنفال: 72].

وفي الحديث المتفق عليه: "انصر أخاكَ ظالمًا أو مظلومًا". فقال رجلٌ: أنصرُه مظلومًا، أفرأيتَ إذا كان ظالمًا كيف أنصرُه؟! قال: "تحجُزُه أو تمنعُه عن الظلم؛ فإن ذلك نصره".

إن النزاعات قطَعَت أوصالَ المسلمين، وجعلَت الأمةَ الواحدَة أممًا مُتناكِرة، ولن نستعيدَ مكانتنا ونصونَ رسالتَنا إلا إذا صحَّحنا انتماءَنا، وأصغَينا إلى قول الله تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 92].

واليوم نرى في أنحاء بلادنا الإسلامية لعبة العدو القديمة المُتجدِّدة: فرِّق تسُد، وأشغِلهم بأنفسهم كي لا يشغَلوك، وليس هناك وتَرٌ أكثر حساسيةً لبدءِ العزفِ عليه من وتَرِ الطائفية؛ كوتَر الطائفية والمذهبيَّة والحِزبيَّة، وما أكثر المُتسارِعين فيها، والمُتساقطين.

ولو سألتَ أشدَّ الخائضين فيها: كيف بدأَت تلك الفتنة؟! ولمصلحة من؟! لم تجِد جوابًا، وقديمًا قيل: إن أنجحَ المؤامرات هي التي لا يعلمُ الساعُونَ فيها أنها مُؤامرَة.

لقد تعايَشَت الطوائِفُ قرونًا في ظلِّ الإسلام، يُولَد أحدُهم في بلاد المسلمين على ملَّته ويموتُ عليها، لم يُجبِره أحدٌ أن يُغيِّر دينَه ومُعتقَدَه؛ فلماذا ثارَت هذه النَّعَراتُ في هذا التوقيت بالذات؟! ولماذا يخدِمُ دهماءُ الناس وبُسطاؤُهم تجَّار الفتنِ من حيث لا يشعُرون؟!

اللهم جنِّبنا والمسلمين شرَّ الفتن ما ظهرَ منها وما بطَن.

اللهم بارِك لنا في الكتاب والسنة، وانفَعنا بما فيهما من الآيات والحِكمة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وأبانَ طريقَ الإيمان، وأشهد أن إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وصحبه ومن تبِعَهم بإحسانٍ.

أما بعد:

أيها المسلمون: الاعتزازُ بالوطن وحِفظُ أمنه والحرصُ على تماسُكه ومكاسِبِه هو أمرٌ تنساقُ له الفِطَرُ السليمة، وتُوجِبُه العقولُ الراشِدة؛ فضلاً عما هو مُتقرِّرٌ في أحكام الشريعةِ وأول الدين، خصوصًا في أوقات الفتن والأزمات، ويشتدُّ العَتَبُ ويستوجِبُ العقوبةَ من أخلَّ بأمن الوطن إذا كان باعِثُه على ذلك نُشدانُ المصلحةِ الذاتية وطلبُ الكسب الشخصي.

أما إذا كان الباعِثُ مصحةً مُصدَّرةً من الخارج، ورغبةً من الرغبات العابِرة للحدود؛ فإنه يجتمعُ في المُنساقِ لها -إضافةً لما سبق- خيانةٌ للوطن، ونُكرانٌ للأهل، فهو بمثابةِ من يقطَعُ الشجرةَ التي أظلَّته، ويُعكِّرُ الماءَ الذي سقاه.

فكيف إذا عُلم أن المحرِّك لتلك الفتنة قومٌ تميَّز تاريخُهم في الفتن بأن وقودَ فتنتهم رجالٌ من أرضٍ غير أرضِهم، ومن جنسٍ سوى جِنسِهم، وعِرقٍ لا ينتمِي لعِرقِهم، ثم سُرعان ما يتخلَّون عمَّن غرَّروا بهم، ليُواجِهوا مصيرَهم بمُفردِهم، وربما واسَوهم باللسان، وليس وراء اللسان شيءٌ.

فيا أيها الإخوة، ويا مُواطنينا في المملكة وفي بلاد العرب والمسلمين: أسوقُ إليكم نداءً تغلِبُ الشفقةُ فيه العَتَب، وتُغالِبُ الرحمةُ فيه الغضَب، إنه لم يعُد من الخافِي أن مُوقِدي تلك الفتن هم قومٌ يُؤمِنون بعُنصرهم أكثر من إيمانهم بالدين، وأن نُصرتَهم وجهادَهم هو لجِنسهم وشعبِهم وتاريخهم الذاهِب، لا لله ولا لفلسطين.

وتاريخُهم في السنوات الأخيرة شاهدٌ على مواقفِهم المشِينة في إيقاد الفتن في بلاد العرب وشقِّ الصفوف، وما أمرُ العراقِ عنا ببعيد.

فيا مُواطنينا: إن كان من ثورةٍ فلتكُن على المُعتقَدات التي تُصنَع وتُعلَّبُ خارجَ الحُدود ليتشرَّبَ بها أناسٌ تُسلَبَ بها أديانُهم وأموالُهم وولاؤهم، ليكونوا أدواتٍ في أيدي أعدائهم، إن كان من انتفاضَة فلتكُن للعقل ليتحرَّر من رِقِّ التبَعيَّة وإسَار الشعوبية، ويرى نورَ الله الذي يملأ الكونَ، نورُ الله الذي انبَثَقَ من الحجاز، وأشرقَ به محمدٌ -صلى الله عليه وسلم-، وحملَ مشاعِلَه الصحابةُ الأخيارُ، والتابعون لهم بإحسان.

وأنعمَ الله على المملكة العربية السعودية فورِثَت ذلك النور، وحمَلَت تلك المَشاعِل، مُقتفيةً أثرَ الكاب والسنة، راعيةً للحرمين الشريفين، جامعةً لرابطة المسلمين، ساعيةً للسِّلم والوحدة، نابِذةً للشِّقاقِ والفُرقة، مُحترمةً الحقوق مهما اختلفَت المشارِب؛ فلا طائفيةَ ولا عُنصريَّة، وكلٌّ له حقوقٌ وعليه واجِبات.

ويا أيها المُغرَّر بهم: إنه ما فتِئَ الأغرابُ يُحاوِلونَ قطعَ صِلَتكم بسلفِ الأمة، ويُنحُّونهم من أن يكونوا مصدرًا لتلقِّي الهداية؛ ليملؤوا ذلك الفراغ بما يُوغِرُ صدورَكم على سلَفكم وأهلِكم وبلدِكم، وبما يُشعِركم بالغُربة في ديارِكم وما أنتم بالغُرباء، وبما يُشعِركم بالبُعد عن مُواطنيكم وما أنتم بالبعيدين، وثمرةُ ذلك كلِّه تُقطَفُ من وراء الحُدود، وليس لكم من ذلك كلِّه شيء.

إن الرائدَ لا يكذِبُ أهلَه؛ فكيف يبيعُهم ويبيعُ وطنَه، ويُدمِّر خيراتِه ومُمتلكاتِه، وينشُر الفوضَى بين أهلِه، وهو الخاسِرُ الأولُ والأخير؟!

إن الإصلاحَ لا يكون بالفساد، والبناءُ لا يستقيمُ بالهَدم، والرَّغَدُ لا يأتي بإخلال الأمن.

إن أهواءً وأوهامًا تملأ الجوَّ بالشحناء، ولو صدَقَت النياتُ، وأُغلِقَت الأفواهُ التي تستمرِئُ الوقيعةَ والإفك؛ لتلاشَت أنواعٌ من الفُرقة لا مساغًا لوجودها.

نُناشِدُ العُقلاء أن يقطَعوا الطريقَ على تجَّار الفتن ولُصوص الإثارة ومُصطادي المصالِح في المذابِح، وإن ظهَروا بلَبُوسِ المُشفِقِ ومُسُوحِ الناصِح! فكم من فتنٍ لم يتبيَّن خائِضُها إلا عند إدبارِها وقد نالَه منها ما نالَه؟! ولنا في مُبادَرة العُقلاء من الناس أمل، ولدينا في حَزم رجال الأمن عند الحاجةِ ثقة، والله مولانا وعليه توكُّلُنا، فنِعمَ المولَى ونعمَ النصير.

ومن الله أمنُنا، وعليه اعتمادُنا، (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يوسف: 64].

اللهم جنِّبنا الفتن ما ظهر منها وما بطَن.

هذا، وصلُّوا وسلِّموا على خير البرية، وأزكى البشرية: محمد بن عبد الله، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغُرِّ الميامين، اللهم ارضَ عن الأئمة المهديين، والخلفاء الراشدين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر صحابة نبيك أجمعين، ومن سار على نهجهم واتبع سنَّتهم يا رب العالمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين.

اللهم من أرادنا وأرادَ بلادنا بسوءٍ أو فُرقة فرُدَّ كيدَه في نحره، واجعل تدبيرَه دمارًا عليه.

 

 

 

 

 

المرفقات

فضائل وأحكام البلد الحرام1.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات