فضائل مصر

محمد بن عبدالرحمن العريفي

2012-12-26 - 1434/02/13
التصنيفات: التربية
عناصر الخطبة
1/ اعتناء المصريين بالكعبة وزوار بيت الله 2/ مصر في القرآن الكريم 3/ وصية النبي الكريم بمصر وأهلها 4/كِبر مساحتها وطيب أرضها 5/ معالمها ورموزها الدينية 6/ قيادتها للأمة الإسلامية 7/ حسن أخلاق أهلها 8/ طائفة من أعلامها في مختلف المجالات 9/ دورها الريادي في الحاضر

اقتباس

لن أشهد اليوم لمصر، فما مثلي يشهد لمثلها، بل سأقول عن كوكبة العصر، وكتيبة النصر، وإيوان القصر؛ سأتكلم عن أم الحضارة، ورائدة المهارة، ومنطلق الجدارة؛ نعم! سأقول عن أرض العز، وعن بلاد العلم والقطن والبَز ..

 

 

 

 

إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله -تعالى- من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له. 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جلّ عن الشبيه والمثيل والكفء والنظير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وخِيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، أرسله ربه رحمة للعالمين، وحجة على العباد أجمعين، فهدى الله -تعالى- به من الضلالة، وبصَّر به من الجهالة، وكثَّر به بعد القلة، وأغنى به بعد العيلة.

فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين، وأصحابه الغر الميامين، ما ذكره الذاكرون، وما تعاقب الليل والنهار. ونسأل الله -تعالى- أن يجعلنا جميعًا من صالح أمته، وأن يحشرنا يوم القيامة في زمرته.

أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون: إنها اليوم شهادة، إنها شهادة لبلد الأنبياء، إنها شهادة لمسكن العلماء، إنها رسالة إلى بلد العلم والجهاد، إنني أتحدث اليوم عن أم الدنيا، دعوني اليوم أتحدث عن مصر.

مَن شاهَدَ الأرْضَ وأَقْطَارَها *** والنَّاسَ أنـواعًا وأجناسًا
ولا رأى مصْـرًا ولا أهلها *** فما رأى الدنيا ولا الناسَ

هي أم البلاد، وهي موطن المجاهدين والعُباد، قهرت قاهرتها الأمم، ووصلت بركاتها إلى العرب والعجم.

هي بلاد كريمة التربة، مؤنسة لذوي الغربة، فكم لمصر وأهلها من فضائل ومزايا! وكم لها من تاريخ في الإسلام وخفايا! منذ أن وطئتها أقدام الأنبياء الطاهرين، ومشت عليها أقدام المرسلين المكرمين، والصحابة المجاهدين.

إذا ذكرت المصريين ذكرت الكعبة والبيت الحرام، فإن عمر -رضي الله عنه- أرسل إلى عامله في مصر أن يصنع كسوة للكعبة المشرفة، فصُنعت الكسوة في عهد عمر -رضي الله تعالى عنه- وظلت كسوة الكعبة تصنع هناك، ولم يتوقف ذلك إلا قبل قرابة المائة سنة.

إذا ذكرت المصريين ذكرت الحجاج والمعتمرين، فإن البعثة الطبية المصرية كانت في الحج لسنوات طويلة هي أبرز ما ينفع الحجاج في علاجهم، يأتون من أقطار الدنيا لأجل أن يلتقوا بهذه البعثة المصرية.

إذا ذكرت المصريين ذكرت الدفاع عن فلسطين، وذكرت الجهاد والمجاهدين، فصلاح الدين أقام بمصر، وكثير من قواده منها، وأبرز المعارك مع اليهود قادها مصريون.

إذا ذكرت المصريين ذكرت أمَّنا هاجر زوجة ابراهيم -عليه السلام- وهي أم إسماعيل جدّ رسولنا -عليه الصلاة والسلام-، هي مصرية من القبط، ومارية القبطية زوجة رسولنا الكريم وأم ولده إبراهيم مصرية أيضًا، فإذا ذكرت المصريين ذكرت أخوال رسولنا، وأصهار نبينا.

لا؛ لن أشهد اليوم لمصر، فما مثلي يشهد لمثلها، بل سأقول عن كوكبة العصر، وكتيبة النصر، وإيوان القصر؛ سأتكلم عن أم الحضارة، ورائدة المهارة، ومنطلق الجدارة؛ نعم! سأقول عن أرض العز، وعن بلاد العلم والقطن والبَز.

أيها المسلمون: ذكر الله -تعالى- مصر في القرآن، وبيّن الله -جل وعلا- اسمها صريحة في أربعة مواضع في كتابه تشريفًا لها وتكريمًا، فقال الله -جل وعلا-: (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ) [يوسف:21]، وقال -سبحانه-: (ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ) [يوسف:99]، وقال -جل وعلا-: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا) [يونس:87]، وحكى -جل وعلا- قول فرعون: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ) [الزخرف:51].

ليس هذا فقط؛ بل أشار الله -تعالى- إلى مصر ولم يصرّح باسمها في ثلاثين موضعًا من القرآن، كقوله -جل وعلا-: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا) [القصص:15]، يعني مصر، وقوله -جل وعلا-: (وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ) [الأعراف:127]، يعنون مصر، إلى آخر هذه المواضع.

إن مصر -أيها الكرام- هي الأرض الطيبة التي قال الله -تعالى- عنها لما طهرها الله من فرعون وقومه: (كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ) [الدخان:25-28].

إن مصر فيها خزائن الأرض، بشهادة ربنا –جل وعلا- لما قال عن يوسف -عليه السلام-: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) [يوسف:55].

ولم يذكر الله -تعالى- قصة نهر في القرآن إلا نهر النيل، قال -جل وعلا-: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ) [القصص:7]. قال الكندي: "لا يُعلم بلد في أقطار الأرض أثنى الله عليه في القرآن بمثل هذا الثناء، ولا وصَفَه الله بمثل هذا الوصف، ولا شهد له بالكرم، غير مصر".

نعم؛ إنني أتكلم عن مصر، وصّى النبي -صلى الله عليه وسلم- الأمة كلها بمصر وبأهلها، فقال -بأبي هو وأمي-: "إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرًا؛ فإن لهم ذمة ورحمًا"، وفي لفظ:
"فإن لهم ذمة وصهرًا". رواه مسلم.

هاجر، زوجة إبراهيم -عليه السلام-، وهي أم إسماعيل جدّ نبينا -عليه الصلاة والسلام-، مصرية من القبط، ومارية أم ولده إبراهيم مصرية أيضًا؛ ولذلك قال عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنهما-: "قبط مصر هم أخوال قريش مرتين".

وقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: "إنكم ستفتحون مصر، أحسِنوا إلى أهلها؛ فإن لهم ذمة ورحِمًا". رواه مسلم.

فهي وصية للأمة كلها، فعلى كل من تعامل مع المصريين أن يُحسن إليهم، وأن يكرمهم، وأن يعرف قدرهم، وأن يقف معهم عند حاجتهم، وأن ينصرهم عندما يؤذون؛ الهدية إليهم من أفضل الهدايا.

ولم يكتفِ الرسول -صلى الله عليه وسلم- بمدح مصر وأهلها؛ بل أمر بالإحسان حتى إلى أقباطها، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "اللهَ اللهَ في قبطِ مصرَ! فإنكم ستظهرون عليهم، ويكونون لكم عُدة وعونًا في سبيل الله". رواه الطبراني وصححه الألباني.

نعم! وكم يسرنا -والله- أن نرى من تآلفٍ بين مسلمي مصر وبين أقباطها، ونسأل الله -جل وعلا- أن يجمعهم جميعًا على العقيدة الصحيحة التي بعث الله بها عيسى، وبعث بها محمدًا، وبعث بها جميع الأنبياء -عليهم السلام-، وهي أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا.

يا أهل مصر، يا أهلي، ويا مشايخي، ويا مَن أخذنا عنهم الأسانيد في قراءة القرآن، يا أصحابي: إن في أرضكم الوادي المقدّس طُوى، وفيها الجبل الذي كلّم الله -تعالى- فيه موسى -عليه السلام-، وفيها الجبل الذي تجلّى الله -جل وعلا- له فانْهَدَّ دَكًّا؛ وهي مُبَوَّأُ الصدق الذي قال الله -تعالى- عنه: (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ) [يونس:93].

وفي أرضكم يجري نهر النيل المبارك الذي ينبع من أصله من الجنة، قال النبي –عليه الصلاة والسلام-: "سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ، كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ". رواه مسلم.

وفي أرض مصر الربوة التي أوى إليها عيسى -عليه السلام- وأمه، قال -جل وعلا-: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) [المؤمنون:50].

وعلى أرض مصر ضرب موسى بعصاه الحجر فانفجر الماء منه، وانشق البحر له، فكان كل فرق كالطود العظيم.

نعم، إنها مصر، إذا أردت القرآن وتجويده فالتفت إلى مصر، إذا أردت اللغة والفصاحة فإنك ستنتهي إلى مصر، إذا أردت الأخلاق الحسنة وحلاوة اللسان وحلاوة التلاوة والقرآن فالتفت لزامًا إلى مصر.

إننا لا نتحدث عن بلد عادي، إننا نتحدث عن بلد عظيم القدر، أشار الله -تعالى- لكبر مصر وأشار لعظم مساحتها فقال -جل وعلا-: (فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ) [الشعراء: 53]، وهذا يدل على كثرة مدنها.

ولعظم قدر مصر منذ القديم افتخر الهالك فرعون بأنه يملكها دون غيرها، فقال كما حكى الله -جل وعلا- عنه: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ)؟! قال عمرو بن العاص -رحمه الله ورضي عنه-: "ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة"، يعني: ولاية كل بلاد الإسلام في كفة، وولاية مصر في كفة.

وقال سعيد بن هلال: "إن مصر أم البلاد، وغوث العباد، إن مصر مصورة في كتب الأوائل، وقد مدّت إليها سائر المدن يدها تستطعمها؛ وذلك لأن خيراتها كانت تفيض على تلك البلدان".

وقال الجاحظ: "إن أهل مصر يستغنون بما فيها من خيرات عن كل بلد، حتى لو ضرب بينها وبين بلاد الدنيا بسور ما ضرها".

وفي مصر رباط الإسكندرية الذي رابط فيه العلماء والزهاد والعباد والمجاهدون والأبطال والشجعان، قال أبو الزناد صاحب أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-: "خير سواحلكم رباطا الإسكندرية".

وقال سفيان بن عيينة يومًا لأحمد بن صالح: "يا مصري: أين تسكن؟!"، قال: "الفسطاط"، قال: "فائتِ الإسكندريةَ؛ فإنها كنانة الله، يجعل فيها خير سهامه".

وعند المصريين جامع عمرو بن العاص صاحب رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، وهو أول جامع بني في قارة إفريقيا، وقد ضبط قبلته جماعة من الصحابة قدروا بثمانين صحابي اجتمعوا عنده وقت بنائه وقدروا القبلة فوجهوه إليها.

وعند المصريين جامع الأزهر الذي له الفضل المشهور، والعلم المنثور، والتقدم الكاسر، والارتفاع القاهر، العلماء فيه متكاثرون، والعُباد فيه قائمون، والزوار إليه متوافدون.

مصر قادت الأمة الإسلامية أكثر من خمس وستين ومائتي سنة، ظلّت الخلافة في مصر منذ انقطاع الخلافة من بغداد في سنة ست وخمسين وستمائة للهجرة إلى انتقال الخلافة إلى العثمانيين بتركيا سنة أربع وعشرين وتسعمائة للهجرة.

أما أهل مصر فيكفيهم شرفًا وفخرًا أن الله -تعالى- اختار منهم الأنبياء، وجعل الله -تعالى- الأنبياء يسكنون بين ظهرانيهم، فهذا الخليل إبراهيم -شيخ الموحدين وأفضل المرسلين وجدّ خاتم النبيين- أتى مصر مع زوجه سارة، وتزوّج هاجر المصرية.

وهذا يعقوب -عليه السلام- دخلها مع أبنائه الأنبياء، وفيها توفوا ودفنوا، وهذا يوسف -عليه السلام- سكن مصر وحكمها وتوفي ودفن فيها، وهذان موسى وهارون -عليهما السلام- ولدا في مصر وعاشا فيها، وهذا يوشع بن نون ولد في مصر وعاش فيها، وهذا الخضر، وهذا أيوب -عليهم أفضل الصلاة والسلام- كلهم دخلوا مصر، ومنهم من مات فيها.

ولقد ضرب الله -تعالى- بأبطال مصر أمثلة في كتابه، فمن المصريين مؤمن آل فرعون البطل الثابت على الحق الذي قال الله -جل وعلا- عنه: (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ) [غافر:28].

ومن المصريين الرجل المؤمن الذي حذّر موسى -عليه السلام-: (وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) [القصص: 20].

ومن المصريين السحَرة الذين ذكر الله -تعالى- قصتهم لما آمنوا وصدقوا، وكانوا في أول النهار سحرة فجرة، وصاروا في آخر النهار شهداء بررة، إنها بلاد الأبطال!

قَارَنْتُ مِصْـرَ بِغَيْـرِهَا فَتَـدَلَّلَتْ *** وَعَجَزْتُ أَنْ أَحْظَـىَ لَهَـا بِمَثِيْلِ
هَذِيْ الْحَضَارَةُ مُعْجِزَاتٌ فيِ الوَرَىَ *** عَقِمَ الزَّمَـانُ بِمِثْلِهَـا كَبَدِيْـلِ
رَفَعَ الإِلَـهُ مَقَـامَهـَا وَأَجَـلَّـهُ *** فِيْ الذِّكْرِ وَالتَّـوْرَاةِ وَالإِنْجِـيْلِ
جَاؤوا بِيُوْسُفَ مِنْ غَيَـاهِبِ ظُلْمَةٍ *** أَرْضَ العَزِيْزِ فَكَانَ خَيْـرَ نَزِيْـلِ
والنِّيلُ يَتْبَـعُ وَحْـيَ مُنْشِئِ قَطْـرِهِ *** كَالطَّيْرِ حِيْنَ الوَحْيِ عَامَ الفِيْـلِ
فـيِ طُـوْرِ سَيْنَاءٍ تَجَلَّـىَ رَبّـُنَا *** فـوْقَ الكَلِيْـمِ بِـأَوَّلِ التَّنْزِيـلِ
وَكَذَا البَتُـولُ أَتَـتْ لِمِصْرٍ بِابْنِهَا *** تَبْغِي الأَمَـانَ وَتَحْتَـمِي بِمَقِـيلِ
يَكْفِيْكِ يَـا أَرْضَ الـكِنَانةِ هَاجَرٌ *** مِيلِى بِتـِيهٍ يَــا كِنَانَـةُ مِيلـِي
يا (أُمَّ إِسْمَاعِيْلَ) وَصْلُـكِ وَاجِبٌ *** مَنْ عَقَّ مِصْـرَ فَقَـدْ أَتَـىَ بِجَلِيلِ
هَـذِيْ عِنَايَةُ قَـادِرٍ خُصَّـتْ بِهَا *** مِصْرٌ لِتَبْقَـى مَوْضِـعَ التَّفْضِـيلِ
بُـوْرِكْـتِ مِصْـرُ فَلاَ أَرَانِيَ بَالِغًا *** حَقَّ الْمَدِيحِ وَإِنْ جَهَدْتُ سَبِيلِي
يَا مِصْرُ يَرْعَاكِ الإِلَـهُ كَمـَا رَعَىَ *** تَنْـزِيلَهُ مِـنْ عَـابِثٍ وَدَخِـيْلِ

أما نساء مصر فيكفي المصريات فخرًا وعزًّا وشرفًا أن سيد الأنبياء محمدًا -عليه الصلاة والسلام- كانت جدته هاجر مصرية، وأم ولده مارية مصرية؛ ويكفي المصريات فخرًا أن ماء زمزم تفجّر إكرامًا لامرأة مصرية، لهاجر ولابنها إسماعيل؛ ويكفي المصريات فخرًا أن هاجر المصرية لما سعت بين الصفا والمروة خلد الله فعلها، وأمر الله -تعالى- الأنبياء وسائر الأولياء والحجاج والمعتمرين أن يسعوا كسعيها.

ويكفي المصريات فخرًا أن أم موسى -عليه السلام- مصرية، وأن آسيا امرأة فرعون مصرية، وهي التي قال الله -جل وعلا- عنها: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ) [التحريم:11].

ويكفي المصريات فخرًا أن المرأة الصالحة التي كانت ماشطة لبنت فرعون كانت مصرية، وقد قال نبينا -عليه الصلاة والسلام-: "لما كانت الليلة التي أسري بي فيها وجدت رائحة طيبة، فقلت: ما هذه الرائحة الطيبة يا جبريل؟! قال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها".

إن أهل مصر هم من ألين الناس تعاملاً، وأحسنهم أخلاقًا وأدبًا، قال تاج الدين الفزاري: "من أقام في مصر سنة واحدة وجد في أخلاقه رقة وحسنًا".

وقال ابن ظهيرة عن أهل مصر: "حلاوة لسانهم، وكثرة ملقهم، ومودتهم للناس، ومحبتهم للغرباء، ولين كلامهم، وحسن فهمهم للشريعة، مع حسن أصواتهم، وطيب نغماتهم وشجاها، وطول أنفاسهم وعلاها؛ فمؤذنوهم إليهم الغاية في الطيب، ووعاظهم ومغنوهم إليهم المنتهى في الإجادة والتطريب؛ ونساؤها أرق نساء الدنيا طبعًا، وأحلاهن صورة ومنطقًا، وأحسنهن شمائل، وأجملهن ذاتًا؛ وما زلت أسمع قديمًا عن الإمام الشافعي -رضي الله تعالى عنه-، ولم أره منقولاً، أنه قال: من لم يتزوج بمصرية لم يكمل إحصانه".

أيها المسلمون: ولقد سكن مصر بعد فتحها جماعة من أصحاب سيدي رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، حتى إنه لما أحصي عدد الصحابة الذين دخلوا مصر أو سكنوا فيها أو زاروها أو حكموها أو دفنوا في ترابها تعدوا خمسين وثلاثمائة صحابيًا كلهم دخلوا مصر، منهم من جاء رسولاً إليها أو حاكمًا أو مجاهدًا أو معلمًا، منهم: عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي السرح، وعبد الله بن عمرو، وكلهم ولي إمارة مصر.

ومنهم: جابر بن عبد الله بن حرام، والزبير بن العوام، وعبد الله بن الزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن عباس، وعمار بن ياسر، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو ذر الغفاري، وأبو الدرداء، وأبو هريرة، وعبد الله بن الحارث الزبيدي، وهو آخر صحابي مات بمصر. ثلاثمائة وخمسون صحابيًّا تخيَّرْتُ أبرزهم؛ لكن، كلهم قد سكنوا مصر أو زاروها.

وفي مصر ولد خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى-.

أيها الإخوة المسلمون: إذا تكلّمنا عن مصر فإننا نتكلم عن بلاد العلماء الذين وصل أثرهم إلى كل الدنيا، منهم صحابة كرام، وتابعون أعلام، منهم الليث بن سعد وهو إمام المصريين، الذي قيل عنه: إنه كان أعلم رجال عصره، ومهم القارئ "ورش"، فإذا سمعت مَن يقول: "على قراءة ورش" فاعلم أنه المصري. اليوم؛ أكثر أهل إفريقيا والمغرب يقرؤون بقراءة هذا المصري.

ومنهم الإمام المحدث عبد الله بن لهيعة، ومنهم الإمام الشافعي، وله طلاب مصريون كثيرون، ومنهم سعيد بن كثير وكان إمامًا عالمًا، قال عنه يحيى بن معيض إمام الجرح والتعديل لما سئل عن مصر، قال: "رأيت في مصر ثلاث عجائب: النيل، والأهرام، وسعيد بن كثير".

ومنهم عبد الملك بن هشام صاحب السيرة النبوية المشهورة، ومنهم الإمام الطحاوي الذي ألّف العقيدة الطحاوية التي تدرس اليوم في كل الدنيا، وتدرسها الجامعات هنا في المملكة العربية السعودية، ومنهم الإمام ابن النحاس، ومنهم القاضي عبد الوهاب المالكي، ومنهم شيخ الحنابلة الحافظ عبد الغني المقدسي، فإذا ذكرت الحنابلة وذكرت الفقه الحنبلي رجعت لزامًا إلى عبد الغني المقدسي، وكان قد خرج من الشام وسكن مصر.

ومنهم الإمام البطل العز بن عبد السلام، ومنهم "ابن خلكان" صاحب وفيات الأعيان، ومنهم القارئ العظيم الإمام "الشاطبي" الذي ألف منظومة في ألف بيت في تلاوة القرآن وقراءته، ثم أخذ المنظومة وطاف حول الكعبة مئات المرات، ثم جعل يدعو الله -تعالى- أثناء طوافه أن يبارك في تلك المنظومة، وقد انتشرت انتشارًا عظيمًا، وكان مما قال فيها:

وبعدُ فحـبلُ الله فينـا كتابـُهُ *** فجاهِدْ به حـبْلَ العدا متحبِّلاً
وأخلِقْ بِهِ إذ ليـس يخلـق جدّةً *** جديدًا مُوالِيهِ على الجدّ مقبلاً
وإن كتـابَ الله أوثـقُ شافـعٍ *** وأغنى غناءً واهـبًا متـفضّلاً
وخيرُ جلـيسٍ لا يُمَـلّ حـديثُهُ *** وترداده يزداد فيـه تجـمّلاً
وحيـث الفتى يرتـاع في ظُلُمَاته *** من القبر يلقاه سنًا متـهلّلاً
هنالك يهنـيه مقـيلاً وروضـة *** ومن أجله في ذروة العزّ يجتلى
فيا أيّها القـاري بـه متمـسِّكًا *** مجلاًّ له في كـلّ حال مبجّلاً
هنيئًا مـريئًا والـداك عليـهما *** ملابسُ أنـوارٍ من التّاج والحلَى
فمـا ظنّكـم بالنّجْلِ عند جزائه *** أولئـك أهلُ اللهِ والصّفوة الملا
أولو البرّ والإحسان والصّبر والتّقى *** حلاهم بها جاء القُرَانُ مفصّلاً
عليك بها ما عشت فيها منافـسًا *** وبع نفسك الدّنيا بأنفاسها العلا
جـزى الله بالخيـرات عنـّا أئمّةً *** لنا نقلوا القرآن عذبًا وسلسلاً

ومن المصريين مؤلف كتاب الترغيب والترهيب عبد العظيم المنذري، ومن المصريين الإمام القرافي، وهو من أذكياء العالم، ومن أئمة الدنيا، ومن أعيان المذهب المالكي، ومن المصريين ابن دقيق العيد، ومنهم خليل المالكي صاحب مختصر خليل الذي يعول عليه المالكية اليوم في دروسهم وجامعاتهم، ومنهم ابن هشام النحوي، ومنهم الإمام الهيثمي صاحب كتاب مجمع الزوائد، ومنهم ابن حجر العسقلاني الذي ألّف فتح الباري في شرح صحيح البخاري، ومنهم محمود العيني الذي ألف عمدة القاري في شرح صحيح البخاري، ومنهم المقريزي، ومنهم صاحب كتاب تفسير الجلالين الإمام جلال الدين المحلي الذي أتمه بعد ذلك الإمام السيوطي وكلاهما مصري، ومنهم شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، ومنهم الإمام الشيخ علي بن أحمد الصعيدي العدوي من سلالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه-.

ومنهم الشيخ أحمد الدردير وكان عابدًا عالمًا صالحًا جلس بالأزهر يومًا يعلم طلابه، فلما دخل أحد الولاة، وكان يريد أن يستميل المشايخ لبعض الفتاوى التي يريدها، فقام الطلاب خائفين لكثرة الجند ومبجلين لهذا الوالي، فأخذ مصحفًا وجعله في حجره، وأخذ يقرأ القرآن وقد مد رجليه، فمر به الوالي فقال: من هذا؟! قالوا: هذا الشيخ أحمد الدردير، قال: فلماذا لم يقم لما رآني؟! فحاولوا أن يعتذروا له، فحنق عليه هذا الوالي، ثم ذهب الوالي إلى قصره وأخذ صرة أرسلها مع أحد العبيد قال: أعطها ذاك الشيخ الذي كان مادًّا رجليه لما مررنا به، فلمّا أقبل إليه ذلك العبد وناوله الصرة علم الشيخ أن ذلك الرجل أراد أن يذله بقبول المال، فنظر إلى هذا الرسول وقال له: "ارجع إلى من أرسلك وقل له: إن الذي يمد رجليه لا يمد يديه".

أما أبطال مصر ومجاهدوها فالكلام عنهم يطول، فكثير من القادة الذين كانوا مع صلاح الدين الأيوبي كانوا مصريين، منهم حسام الدين قائد الأسطول البحري المصري الذي كان شوكة في حلق الفرنجة.

أيها الناس؛ بل أيتها الدنيا كلها: لن ينسى التاريخ أبدًا أبطال مصر الذين ردوا الحملة الصليبية التي قادها ملك فرنسا واستولى على دمياط، فكمن له الأبطال في مصر وأذاقوه سوء العذاب، وأبادوا جيشه المقدر بعشرات الآلاف، ثم حبسوه في دار ابن لقمان في مدينة المنصورة مقيدًا، ووكلوا لحراسته حارسًا اسمه صبيح، ثم فدا نفسه بأموال عظيمة كثيرة، ثم لما وصل بلده حدثته نفسه أن يعود لغزو مصر، وجعل يجند الجند، فأرسل إليه جمال الدين بن مطروح قصيدة يقول فيها:

قل للفـرنسيسِ إذا جئتَهُ *** مقال صدقٍ من قَؤولٍ فصـيحْ
أتيـتَ مصر تبتغي مُلْكَهَا *** تحسِبُ أن الزمر يا طـبل ريح
وكلّ أصحابك أودعْتَهُمْ *** بحسن تدبيـرك بطْـنَ الضريح
وفـقـك الله لأمثالـها *** لعلَّ عيسـى منكمُ يسـتريح
آجرَكَ اللّهُ على ما جرى *** من قتل عُبَّادِ يسـوع المسـيح
فساقك الحَيْنُ إلى أدهـمٍ *** ضاق به عـن ناظريك الفسيح
خمسون ألفًا لا يُرى منهمُ *** إلا قتـيلٌ أو أسـيرٌ جريـح
وقل لهم إن أزمعوا عودةً *** لأخـذ ثـأرٍ أو لفعـلٍ قبيح
دارُ ابْنِ لقمانَ على حالِها *** والقيدُ باقٍ والطواشي صبيح

فلمّا وصلت القصيدة إليه فزع واضطرب وعدل عن غزو مصر.

ومن المصريين الأبطال سلطان المماليك قطز، وهو الذي قاد معركة عين جالوت، ومن المصريين الأبطال ضباط وجنود شاركوا في حروب فلسطين وفي غيرها من مواقع الجهاد في سبيل الله.

وإذا ذكرت مصر وتاريخها ذكرت العُباد والزهاد، ذكرتَ حيوة بن شريح، وذكرت أبا محمد بن سهل، وكان عابدًا صالحًا آمرًا بالمعروف، داعيًا إلى العقيدة الصحيحة، وكان يذمّ العبيديين الشيعة الذين حكموا مصر فترة.

وفي مصر -أيها المسلمون- من الأدباء والكتاب والشعراء أعداد لا يستهان بها ممن زاروها أو كانوا من أهلها، فإذا ذكرت وقرأت الشعر الرائد لجميل بثينة، وهو من أفصح الشعراء، فاعلم أنه مصري، وإذا قرأت الشعر الرائد لكثير عزة فاعلم أنه مصري، وإذا قرأت شعرًا لأبي نواس فاعلم أنه مصري، وإذا قرأت للشاعر الشهير المتنبي أحمد بن الحسين فاعلم أنه مكث في مصر أربع سنوات.

إنك تتكلم عن بلد عظيم لا يزال فيه أمل لقيادة الأمة، والسير على منهاج أجداده من صحابة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-.

لا تكاد تجد قارئًا اليوم معه إجازة وسند إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا وكان للمصريين عليه يد، فستجده قرأ أو حفظ أو ضبط قراءته أو أخذ السند على يد مصري.

ولا ينكر فضل هؤلاء العلماء أحد، فمدرسوها وأساتذتها لهم فضل كبير على العرب وعلى المسلمين؛ بل على جميع العالم في مساجدهم وجامعاتهم ومدارسهم، ولمصر من العلماء في الطب وفي الذرة وفي الهندسة وفي الدعوة وفي الأدب وفي غير ذلك أمر لا يجارَى أبدًا.

أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يحفظ جميع بلدان المسلمين عامة، وأن يحفظ مصر خاصة، وأسأل الله -تعالى- أن يجمع شملهم.

اللهم وَلِّ عليهم خيارهم، اللهم اجعل ولايتهم فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه.

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وإخوانه وخلانه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره واستن بسنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون: فإن الله -جل وعلا- أمر بالإحسان والتقوى، ونهى الله -تعالى- عن الفرقة والشتات، ونسأل الله -جل وعلا- لإخواننا في مصر وفي غيرها أن يجمع الله -تعالى- شملهم، أسأل الله أن يجمع شملهم، وأن يصب عليهم الخير صبًّا، ولا يجعل عيشهم كدًّا.

اللهم إنا نسألك لكل بلداننا يا حي يا قيوم، في سوريا وفي فلسطين وفي اليمن وفي كل أرض من أرضك يا ذا الجلال والإكرام، أن تولي عليهم خيارهم، وأن تصرف عنهم شرارهم.
 

 

 

 

المرفقات

مصر

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات
عضو نشط
زائر
02-01-2021

جميل جدا بارك الله فيك وفي امثالك