فضائل التطبيق العملي لمقاصد الصوم وغاياته

حسين بن عبدالعزيز آل الشيخ

2024-03-15 - 1445/09/05 2024-03-16 - 1445/09/06
التصنيفات: رمضان
عناصر الخطبة
1/بعض غايات العبادات في الإسلام 2/من مقاصد فريضة الصيام العظيمة 3/وجوب التطبيق العملي لغايات العبادة ومقاصدها 4/الوصية بالإحسان في رمضان

اقتباس

كُنْ -أيها المسلمُ- في صومك متصفًا بجميل الأفعال والتصرفات، متزيِّنًا بأفضل الأخلاق في السلوك والتعاملات، واستقِمْ على ذلك في جميع حياتِكَ، وفي شتَّى تصرفاتِكَ، تَنَلِ الفوزَ الأعظمَ والفلَاحَ الأتمَّ...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله على نعمه العظمى، وأشهد ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، العليُّ الأعلى، وأشهدُ أنَّ نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه النبيُّ المصطفى، والرسولُ المجتبى، اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِكْ عليه وعلى آله وأصحابه الأتقياء.

 

أما بعد، فيا عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله -جل وعلا-، فاتقوه وأطيعوه في السراء والضراء، تنالوا الخير والعاقبة الحسنى؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 70-71].

 

معاشرَ المسلمينَ: إنَّ الهدفَ الأسمى والغاية العليا من شعائرِ العباداتِ هو تحقيقُ التوحيدِ الخالصِ للخالقِ -جل وعلا-، والوصولُ إلى الغاية الكاملة في حُبِّهِ عزَّ شأنه، والتذللِ التامِّ له جلَّ جلالُه، والاتصافِ بالاستسلامِ والانقيادِ له وحدَه، والتخلصِ مِنَ التعلق بمَنْ سواهُ في التألُّه والتعبُّد؛ بحيث لا تُصرَف جميعُ العباداتِ إلا للهِ الأحدِ، خالصةً لوجهِه دونَ مَنْ سِوَاهُ؛ فالألوهيةُ حقٌّ له وحدَه؛ فهو الذي يُطاع فلا يُعصى؛ هيبةً له وإجلالًا، محبةً وخوفًا، رجاءً وتوكُّلًا، سؤالًا ودعاءً؛ فهو -جل جلاله- الذي لا يخاف إلا منه، ولا يرجى إله هو، وهو الذي تنيب إليه القلوب والجوارح في شدائدها، وتدعوه وحده في ضروراتها، وتتوكل عليه في مصالحها، وتلجأ إليه في سرائها وضرائها، وتطمئن بذكره، وتسكن إلى قربه -عز شأنه-، وليس ذلك لأحد إلا لله -جل وعلا-.

 

وإنَّ فريضةَ صومِ رمضانَ تَبرُزُ فيها هذه المقاصدُ العقديَّةُ العظيمةُ؛ فهو السرُّ بينَ العبد وربِّه، يصومه العبد إخلاصًا لله واحتسابًا، ومحبةً وتعظيمًا، وهذا ما تُشِير إليه النصوصُ القرآنيَّةُ والأحاديثُ النبويةُ؛ ففي التذكير بغاية الصوم، وأن المراد به تحقيق التقوى الذي رأسُها التوحيدُ وحقوقُه، يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[الْبَقَرَةِ: 183]، وفي ثنايا آياتِ الصومِ يقول سبحانه: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)[الْبَقَرَةِ: 185]، وفي الحديث القدسي يقول الله -جل وعلا-: "كلُّ عملِ ابنِ آدمَ يُضاعَفُ، الحسنةُ بعشرِ أمثالِها، إلى سبعِ مئة ضِعْف، إلا الصومَ؛ فإنَّه لي، وأنا أجزي به، يدعُ شهوتَه وطعامه من أجلي"(متفق عليه)، وفي التنبيه لهذا الهدف الأعظم، يقول -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم مِنْ ذنبِه"(متفق عليه).

 

عبادَ اللهِ: من أعظم الغايات التبعيَّة للتعبُّد تربيةُ الإنسان على السلوك الأحسن، والتصرفِ الأجملِ، للعيش الإنسانيّ الكريم، فتلكم مقاصدُ تشريعيَّةٌ خاصَّةٌ لتعليم الإنسان على أجمل الأحوال وأكمل السلوكيَّات القوليَّة والفعلية، فيكون العبد زاكيًا في تصرفاته مع بني مجتمعه ومع الخَلْق كلهم؛ إذ تُرَبِّيهِ العباداتُ على زكاة النفس وتهذيبها، وطهارة الأفعال والأقوال وجَمالها؛ فشعائر الدين تربي الإنسانَ على أجمل القيم، وأطهر التصرفات، وأزكى التعاملات، وأحسن الأخلاق وأجملها، وبهذا تتحققُ للمجتمعات الحياةُ الفاضلةُ والعيشةُ الرضيةُ.

 

وإنَّ للصوم الحظَّ الأوفرَ من هذه المنظومة؛ وهذا ما يتجلَّى بالتوجُّهات النبويَّة؛ بحثّ الصائم على أفضل الأخلاق وأزكاها، والبُعْد عن سيء الأخلاق وأرذلها، بل إنَّ من الحِكَم الظاهرة والعِلَل البارزة لفريضة الصوم تربيةَ الصائمينَ على عبادة السلامة من أذى الخلق والإضرار بهم، بأي تصرُّف قوليّ أو فعليّ، وتلكم مقاصدُ كليةٌ تعود بالخير الكُلِّيّ على مصلحةِ الفردِ والمجتمعِ والعالَمِ ككُلٍّ، فليكن صومُنا باعثًا على أجمل الأخلاق، وأزكى الأعمال، عاصمًا لنا من سيء الخصال، ولنحرص على اكتساب مقاصد فريضة هذا الشهر العالية، والتحلي بفضائله الطاهرة، يقول -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ لم يَدَعْ قولَ الزورِ والعملَ به والجهلَ، فليس للهِ حاجةٌ في أَنْ يدعَ طعامَه وشرابه"(رواه البخاري).

 

وقولُ الزورِ كلُّ قولٍ محرمٌ، والعملُ به يشمل كلَّ فعل محرَّم، والجهل السفه والاستعلاء على الخلق بكل أذًى يَصدُر عليهم؛ كظلمهم، والكذب عليهم، والغيبة لهم، والنميمة بينهم.

 

ألَا فليكن لنا من عباداتنا ما يبعَثُنا على عمل تطبيقيّ للمقاصد المرجُوَّة من تلك العبادات، لنعيشَها واقعًا ملموسًا في ظواهرنا وبواطننا، ولتُشَكِّلَ في وجداننا قيمةً حقيقيَّةً نعيش بها في هذه الحياة لنسعدَ دُنيا وأخرى؛ فالشريعة كلها تخلُّقٌ بمكارم الأخلاق، فهي مقاصد كلية للدين، كما ذكره العلماء، قال بعضهم: "حُسْنُ الخُلُق هو الدِّينُ كلُّه؛ فمَنْ زادَ عليكَ في الخُلُقِ زادَ عليكَ في الدِّينِ"، وقال ابن تيمية -رحمه الله-: "الجمال الأفضل هو كمال الخلق وأحسنه".

 

فكُنْ -أيها المسلمُ- في صومك متصفًا بجميل الأفعال والتصرفات، متزيِّنًا بأفضل الأخلاق في السلوك والتعاملات، واستقِمْ على ذلك في جميع حياتِكَ، وفي شتَّى تصرفاتِكَ، تَنَلِ الفوزَ الأعظمَ والفلَاحَ الأتمَّ؛ قال صلى الله عليه وسلم: "الصيامُ جُنَّةٌ فإذا كان أحدُكم صائمًا فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤٌ قاتَلَه أو شاتَمَه فليقُلْ: إني صائمٌ" مُتفَق عليه.

 

نفعنا الله بما سمعنا، وبهذه التوجيهات الربانية، والتوجيهات النبوية، ونستغفره من كل زلل، أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله حمدًا لا ينفدُ، وأشهد ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، الأحد الصمدُ، وأشهدُ أنَّ نبينا ورسولنا محمدًا عبدُه ورسولُه، أفضلُ مَنْ تعبَّد، اللهمَّ صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، الذين فازوا بصحبة النبي الأمجد.

 

أما بعد، فيا عباد الله: مِنْ مقاصدِ صومِ رمضانَ التربيةُ على بذل الإحسان بجميع صوره، والعمل بالجود بمختلف أشكاله، فجُودوا بكل خير، وأحسنِوا إلى الخَلْق يُحْسِنْ لكم ربُّكم، ويُجزل لكم المثوبةَ والأجرَ، قال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ فطَّر صائمًا كان له مثلُ أجرِه، غيرَ أنَّه لا يَنقُصُ مِنْ أجرِ الصائمِ شيئًا"(رواه الترمذي، وهو حديث صحيح عند جَمْعٍ من المحدِّثين)؛ ورسولنا -صلى الله عليه وسلم- كان أجودَ الناسِ بالخيرِ، وكان أجودَ ما يكون في رمضان -عليه الصلاة والسلام-.

 

عبادَ اللهِ: من أعظم الأعمال وأقربها إلى الله -جل وعلا- الإكثار من الصلاة والتسليم على النبي الكريم، اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِكْ على نبينا محمد، وارض اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصحابة والآل أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

اللهمَّ اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.

 

اللهمَّ اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، اللهمَّ فرِّج همومَ المهمومينَ، ونفس كرب المكروبين، وتب علينا وعلى التائبين، اللهمَّ اعف عنا، وعن جميع المسلمين، اللهمَّ أصلح أحوالنا أجمعين، اللهمَّ احفظ المسلمين في كل مكان، ودمر يا ذا الجلال والإكرام أعداء الإسلام والمسلمين.

 

اللهمَّ وفِّق ولي أمرنا ونائبه إلى كل خير، وأصلح بهما البلاد والعباد، اللهمَّ إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك لا نحصي ثناء عليك، اللهمَّ إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ومن درك الشقاء، ومن سوء القضاء، ومن شماتة الأعداء.

 

اللهمَّ يا غني يا حميد، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، اللهمَّ أغثنا، اللهمَّ اسقنا واسق ديارنا، اللهمَّ اسق ديارنا، اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا بذنوبنا، اللهمَّ عاملنا بعفوك وكرمك وفضلك، يا ذا الجلال والإكرام، اللهمَّ إنا بحاجة إلى فضلك وكرمك وسابغ نعمك يا ذا الجلال والإكرام.

 

اللهمَّ لا تَرُدَّنا خائبينَ، اللهمَّ تقبَّلْ منا، يا ذا الجلال والإكرام.

 

عبادَ اللهِ: (اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)[الْأَحْزَابِ: 41-42].

المرفقات

فضائل التطبيق العملي لمقاصد الصوم وغاياته.doc

فضائل التطبيق العملي لمقاصد الصوم وغاياته.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات