علاج مشكلة الفقر (4) دور الأوقاف والدولة في علاج الفقر

علي باوزير

2016-02-27 - 1437/05/18
عناصر الخطبة
1/المقصود بالأوقاف وأهميتها وفضلها 2/ دور الأوقاف في القضاء على الفقر والحد منه 3/تاريخ الأوقاف في الإسلام وبعض صور الوقف 4/ التلاعب بالأوقاف في الوقت الحاضر وتضيعها 5/ بعض واجبات الدول والحكومات تجاه مشكلة الفقر وبعض الحلول الشرعية في ذلك

اقتباس

سنتحدث في هذه الخطبة -بإذن الله- عن قضيتين: أما القضية الأولى، فهي: قضية الأوقاف، وأما القضية الثانية، فهي: مسؤولية الدولة في هذا الأمر. أما الأوقاف فهي الأموال التي تحبس ويمنع من التصرف في أصلها وينتفع بغلتها وريعها ومنافعها. وهذه الأوقاف مما حث الإسلام عليها، ورغب فيها، فهي...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70-71].

 

أما بعد:

 

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

وبعد:

 

أيها المسلمون -عباد الله-: تحدثنا في خطبتين ماضيتين عن قضية الفقر، وعن بعض الحلول لقضية الفقر التي جاءت في شريعة الإسلام لهذه القضية المعضلة، وكان مما ذكرنا في الخطبة الماضية: أن من حلول هذه المشكلة: إنفاق المسلمين بعضهم على بعض، وذلك من خلال الزكاة الواجبة، والصدقة المستحبة، والقروض الحسنة.

 

وتكملة لحديثنا هذا، وختامًا لهذا الموضوع، فإننا سنتحدث في هذه الخطبة -بإذن الله- عن قضيتين:

 

أما القضية الأولى، فهي: قضية الأوقاف، وأما القضية الثانية، فهي: مسؤولية الدولة في هذا الأمر.

 

أما الأوقاف -أيها الأحباب- فهي الأموال التي تحبس ويمنع من التصرف في أصلها وينتفع بغلتها وريعها ومنافعها.

 

وهذه الأوقاف مما حث الإسلام عليها، ورغب فيها، فهي عمل حسن مستحب، وقربة عظيمة، يتقرب الإنسان بها إلى الله -تبارك وتعالى-.

 

في الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه وأرضاه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".

 

وأول ما يدخل في الصدقة الجارية: الوقف، فهو باق لا ينقطع، جاء عمر -رضي الله عنه وأرضاه- إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟ قال صلى الله عليه وسلم: "إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها" أي جعلتها وقفاً، ففعل عمر ما أمره، وما أشار به النبي -صلى الله عليه وسلم-، فتصدق بها عمر، أنه لا يباع أصلها، ولا يبتاع، ولا يورث، ولا يوهب، فتصدق عمر في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل والضيف، وهذا دليل واضح على مشروعية الأوقاف.

 

والوقف -أيها الأحباب- في تاريخ المسلمين كان له دور كبير، وكان عاملًا مساعدًا جدًا في تخفيف ضغط الحياة على الفقراء ، كانت هناك أوقاف متعددة متنوعة.

 

واهتم المسلمون بهذا الجانب اهتماماً كبيراً بالغاً، فكانت هناك أوقاف لأجل بناء مساكن لمن لا سكن له، وكانت هناك أوقاف لأبناء السبيل والمنقطعين، وكانت هناك أوقاف للعميان والمقعدين، وذوي العاهات، والأمراض المزمنة، وكانت هناك أوقاف لتقديم القروض للمحتاجين، وكانت هناك أيضاً أوقاف لتقديم كسوة الشتاء للفقراء والمحتاجين، وكانت هناك أوقاف لشراء الأكفان للموتى ودفنهم، وأوقاف لسداد ديون من حبس بسبب الدين، حتى يخرج من حبسه، وأوقاف لافتداء الأسرى من أيدي الكفار.

 

بل كانت هناك أوقاف لإعارة الحلي والزينة، لأجل إعانة الفقراء على مصاريف الزواج، فإذا أراد الفقير أو الفقيرة أن تتزوج أخذت من هذا الوقف، حلياً وزينة، وما تحتاجه في يوم عرسها، تستخدمه ثم ترده إلى هذا الوقف.

 

بل كانت هناك -أيها الأحباب- أوقاف للخدم، إذا كسر الخادم إناءً، فإنه يذهب إلى هذا الوقف، ويستبدل بهذا الإناء المكسور إناءً جديدًا، حتى لا يعاقبه سيده، وحتى لا يأخذه بهذا.

 

كانت هناك أوقاف للأمهات لإعطائهن الحليب والسكر لأولادهن ولأطفالهن.

 

المرأة إذا اختصمت مع زوجها، وخرجت من بيتها، ولم يكن لها أهل يؤوونها، كانت هناك أوقاف معدة لأمثال هؤلاء، بل كانت هناك -أيها الأحباب- أوقاف للحيوانات، حتى تطعم منها.

 

فانظروا إلى عظمة هذا التشريع، وإلى هذا الدور العظيم الذي لعبته الأوقاف في حياة المسلمين، ولكن للأسف أنه في هذا الزمان المتأخر ضيعت كثير من الأوقاف، وأهملت إهمالاً بالغاً، وحصل التلاعب والعبث بالكثير منها، حتى أصبحت عديمة الجدوى والفائدة، ولا أثر لها يذكر في حياة المسلمين.

 

ولو اهتم بها، وأعيدت العناية بها كما كانت من قبل، لساعدت كثيراً في تخفيف حدة الفقر ووطأته على كثير من الفقراء.

 

القضية الثانية -أيها الأحباب- وهي: مسؤولية الدولة تجاه هذه المشكلة، مشكلة الفقر، وهذا جانب مهم جدًا، كل ما سبق من الحلول التي ذكرت تعتمد اعتمادًا كبيرًا على هذا الجانب، فإذا قامت الدولة بمسؤوليتها، وقامت بواجبها، كانت تلك الحلول السابقة نافعة ومؤثرة، أما إذا لم تقم بمسؤوليتها، فإن تلك الحلول تصبح قليلة التأثير، وربما عديمة الجدوى، وهذا الذي نلاحظه اليوم في حياة المسلمين، لا زال المسلمون يشتكون من الفقر، ولا زال الفقر يزداد في أوساطهم يومًا بعد يوم.

 

قد يقول قائل: فما هو المطلوب من الدول والحكومات في هذا؟

 

أقول -أيها الأحباب- نلخص هذا في نقاط.

 

أول نقطة وأول أمر تطالب به الدول: أن تتمثل المنهج الإسلامي في التصرف في أموال المسلمين، فإن خزائن الدولة وما فيها من المال، حق مشترك لجميع المسلمين، والحاكم إنما هو بمنزلة النائب عن المسلمين في هذا المال، فلا يتصرف في هذا المال بمقتضى هواه ومصلحته، بل لا يجوز له أن يتصرف فيه إلا بما فيه مصلحة للمسلمين، وبما فيه نفع عام يعود عليهم جميعاً.

 

هذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول في حديث عظيم رواه الإمام البخاري -رحمه الله- يقول: "ما أعطيكم ولا أمنعكم، إنّما أنا قاسم أضع حيث أمرت" العطاء من الله، ووظيفتي أن أقسم المال بينكم، بما يأمرني الله به، وليس بما أراه، وليس بمقتضى تقديري الشخصي.

 

يقول ابن تيمية -رحمه الله- معلقًا على هذا: "فهذا رسول رب العالمين قد أخبر أنه ليس المنع والعطاء بإرادته واختياره، كما يفعل ذلك المالك الذي أبيح له التصرف في ماله".

 

فإذا كان صلى الله عليه وسلم مع علو منزلته ومكانته، وهو إمام هذه الأمة كلها، يقول: "ما أعطيكم ولا أمنعكم، إنّما أنا قاسم أضع حيث أمرت" فمن باب أولى غيره من الولاة ومن الحكام؟.

 

وجاء في الصحيح من خولة الأنصارية -رضي الله عنها وأرضاها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة".

 

"يتخوضون في مال الله" أي في المال العام الذي هو مال المسلمين جميعًا.

 

يقول الحافظ ابن حجر -رحمه الله- وفي هذا الحديث: "ردع الولاة أن يأخذوا من المال شيئًا بغير حقه، أو يمنعوه من أهله".

 

وإذا كان الله -تبارك وتعالى- قال في شأن مال اليتيم: (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ما قال لا تقربوا مال اليتيم إلا بالحسن، قال: (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [الإسراء: 34].

 

فإذا كان هناك تصرف حسن، وهناك تصرف أحسن، فيجب على من ولي مال اليتيم أن يتصرف التصرف الأحسن في هذا المال، بما يعود بالمصلحة على اليتيم.

 

هذا فيمن ولي مال يتيم واحد، فكيف بمن ولي مال أمة ممتدة شرقاً وغرباً؟!

 

وقد تكلم العلماء -رحمهم الله- وحددوا الحدود التي يسمح للحاكم أن يتصرف في إطارها الحاكم على مال المسلمين، وضبطوا ذلك بضوابط دقيقة، وليس المقام مقام ذكرها، أو تفصيلها، وإنما المقصود هنا بيان أن تصرف الحاكم في أموال المسلمين لا يجوز أن يكون إلا بما كان فيه مصلحة للمسلمين.

 

الأمر الثاني الذي يطلب من الدولة المسلمة: أن تحارب الفساد، وأن تقف أمامه، وأن تقطع دابره، سواءً كان فساداً مالياً، أو كان فساداً إدارياً، أو غير ذلك، ربنا -تبارك وتعالى- يقول في كتابه الكريم: (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) [الحـج: 41].

 

من أعظم النهي عن المنكر: أن تنهى الدولة عمالها عن الفساد والإفساد، وعن التلاعب بأموال المسلمين ومصالحهم، ولم يكن هذا الأمر قابلًا للتساهل، أو التهاون في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، حدث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- استعمل رجلًا يقال له: ابن اللتبية، استعمله في الصدقة، أي ليجمع أموال الصدقة، فجاء هذا الرجل، ورجع بأموال الصدقة كاملة لم ينقص منها درهماً واحداً، ولكن جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: هذا لكم، هذه الصدقة التي جمعتها لكم، وهذا أهدي لي، فقام النبي -صلى الله عليه وسلم- خطيباً بين الناس، الأمر لا يحتمل السكوت، وقف خطيباً، فقال: "أما بعد: فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول: هذا مالكم، وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته" إن كان صادقاً أن هذه هدية أهديت له لشخصه، فهلا جلس في بيت أبيه، وينظر هل ستأتيه الهدية بالفعل؟ ما أهدى نفسه هذه الهدية إلا بسبب عمله، بسبب منصبه، أعطوه الناس هذه الهدية من أجل أن يحابيهم، ولأجل أن يجاملهم.

 

ولاحظوا -أيها الأحباب- لم يحاب أحدًا ولم يجامل أحدًا، ولم يضيع الحق الذي أمره النبي -صلى الله عليه وسلم- بجمعه واستيفائه، ولكن هذه بوابة، وهذا مدخل للتلاعب، اليوم هدية، وغداً اختلاس، وبعدها سرقة، ولم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- يتهاون في هذا الأمر، وكان يقول: "هدايا العمال غلول" أي مال يأخذ بغير حق، حتى ولو أدوا عملهم فمستحقاتهم يأخذونها من الدولة التي وظفتهم وأعطتهم رواتب، وأما الهدايا من الناس، فهي غلول يؤخذ بغير حق.

 

وسار عمر والخلفاء من بعدهم، ساروا بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- على نفس الطريقة، هذا عمر بن الخطاب يحكي عنه ولده عبد الله أنه كان إذا أرسل عاملاً على منطقة، وانتهت مدة ولايته، يأتي به، ويأمره أن يذكر ماله كم هي ثروته؟ فيشاطره المال، يعطيه نصف المال، والنصف الثاني يدخله في خزينة الدولة، لماذا؟

 

لأن هذا الوالي، وإن كسب هذا المال بتجارة مباحة، إلا أنه بحكم منصبه سيجد محاباة من الناس، سيجد مجاملة من الناس، وسيجد تسهيلاً من الناس، بسبب المنصب الذي هو فيه، فلهذا كان يشاطرهم مالهم، حتى لا يتجرأ أحد من الولاة على استخدام منصبه في اكتساب المال.

 

وما كان يحابي أحدًا رضي الله عنه وأرضاه، مرة ولَّى أبا هريرة على البحرين، وجاء وقد انتهت مدة ولايته ومعه عشرة ألف درهم، فقال له عمر: "يا عدو الله وعدو كتابه من أين لك هذا المال؟" فقال أبو هريرة: "لست عدو الله، ولا عدو كتابه، إنما أنا عدو من عادهما" قال: فمن أي لك هذا؟ قال: "خيل نتجت؛ وغلة رقيق لي؛ وأعطية تتابعت علي" تجارة دخلتها بالخيل والرقيق، توالدت وتكاثرت، وبعت واشتريت، فمن هذه كسبت مالي.

 

فأرسل عمر أن يتحققوا من الأمر مع من؟

 

مع أبي هريرة -رضي الله عنه وأرضاه- الذي هو أصدق الناس رواية لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن هذه حقوق المسلمين لا محاباة فيها، ولا مجاملة فيها، فأرسل من يتحرى الأمر، فوجدوا الأمر كما قال، فأقره على ما قال.

 

فمن أهم واجبات الدولة: أن تقف أمام الفساد، وأن تحاربه، لتتمكن بعد ذلك من حل مشاكل المسلمين، ومن ذلك مشكلة الفقر.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

 

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا، وأشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له إقرارًا به وتوحيدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا مزيدًا.

 

وبعد:

 

أيها الأحباب الكرام: الأمر الثالث الذي ينبغي على الدولة المسلمة أن تفعله: أن تتخلص من الاملاءات الخارجية، ومن الضغوط الخارجية، أن تتحرر من القروض، ومن المنح التي تؤخذ من العدو الكافر الذي لا يريد خيراً للإسلام ولا للمسلمين.

 

هذه القروض التي لا تمنح لوجه الله، ولا تعطى لأجل مصالح المسلمين، وإنما تعطى بشروط قاسية، وشروط مجحفة، ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها فيه العذب الشديد.

 

هذه القروض لا تعطى إلا لأجل أن تبقى البلاد الإسلامية مرهونة بالتبعية للغرب، لا تستقل بقرارها، ولا تستقل برأيها، ولا تستقل حتى بمالها واقتصادها.

 

تفرض من خلال هذه القروض شروطًا تضمن بقاء الفقر، وتضمن بقاء الضعف بالبلدان الإسلامية، وهم يدركون هذا جيدًا، يشترطون في هذه القروض: أن يكون معها إصلاحات اقتصادية، وهم يعلمون جيدًا أنه لن تحصل هذه الإصلاحات الاقتصادية، وأن هذه القروض ستذهب عبثًا، ولن ينتفع المسلمون بها، فتصير عبئًا على البلاد، ثم إذا جاء وقت السداد عجزت البلاد عن السداد، فاقترضت قرضا آخر لأجل أن تسدد القرض الأول، لا تسدد أصل القرض، بل لأجل أن تسدد الفوائد المترتبة على هذه القروض الربوية، فتبقى البلاد الإسلامية في دوامة سداد قروض، ولا تستطيع أن تتخلص من الفقر.

 

تخيلوا -أيها الأحباب- في دولة من الدول العربية ثلاثة أرباع ميزانية الدولة، تذهب لسداد القروض، وربع الميزانية فقط يذهب لمصالح البلاد، فمتى يتحقق لها الرخاء؟ ومتى تتحرر من مشكلة الفقر؟

 

لا يمكن أن تنهض أي بلاد إقتصاديًا، ولا يمكن أن تنعم بالرفاهية، إلا إذا تحررت من هذه القيود، ومن هذه الأغلال، التي تسمى: القروض، والمنح الدولية.

 

الأمر الرابع -أيها الأحباب- مما يطلب من الدولة الإسلامية: أن تصدق في نيتها، وأن تصدق في عزيمتها على حل هذه المشكلة، مشكلة الفقر، تبقى الحلول كلاماً يقال، وكلمات تكتب في الأوراق، ما لم تكن هناك نوايا صادقة تحول هذا الكلام إلى فعل وواقع.

 

هذا الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه ورحمه- في سنتين فقط استطاع أن يحرر الأمة من الفقر.

 

ذات مرة دخلت فاطمة زوجة عمر -رضي الله عنه ورحمه- دخلت عليه، وهو يبكي بكاءً شديداً يكاد يتقطع صدره منه، فقالت له: ما يبكيك؟ فقال رحمه الله: "إني نظرت في نفسي فوجدتني قد وليت أمر هذه الأمة، صغيرها وكبيرها، وأحمرها وأسودها، يتيمها وأرملتها، ثم ذكرت الغريب والفقير واليتيم في أقاصي البلاد، فعلمت أن الله سيسألني عنهم، وأن محمداً سيكون خصمي في ذلك اليوم، فخفت لعله يثبت لي عند الله عذرًا، فدمعت عيناي، ووجل قلبي، وكلما ذكرت ذلك ازداد وجلي، ثم أنهد باكيًا -رضي الله عنه ورحمه-".

 

بمثل هذا الهم، بمثل هذا الشعور، بمثل هذه المسؤولية استطاع عمر -رحمه الله- أن يقضي على الفقر، حين شعر بمعاناة الفقير الجائع، وحين شعر بآلام الإنسان الضائع، حين أحس بمشاعر المحتاجين، حين استشعر موقفه بين يدي الله -سبحانه وتعالى- ومحاجاته لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين يسأله: وليت أمر أمتي فماذا فعلت فيهم؟ بمثل هذا استطاع عمر -رحمه الله- أن يقضي على الفقر.

 

فإذا وجدت هذه النية الصادقة، إذا وجدت هذه العزيمة الواثقة، فبإذن الله تحقق المعجزات.

 

الأمر الأخير -أيها الأحباب-: كل ما تقدم من هذه الحلول لا بد أن يكون في إطار نظام إسلامي، في مجتمع تقوده عقيدة الإسلام، ويحكمه نظام الإسلام، ويستظل بظل شريعة الإسلام، فإن الإسلام كلٌ لا يتجزأ، لا يقبل التفرقة، ولا يقبل الترقيع: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً) [البقرة: 208].

 

كيف يمكن أن تطبق الحلول الإسلامية والنظام الذي يحكم به المسلمون مأخوذًا من الشرق أو الغرب؟ أيلتقي النقيضان؟ أم يجتمع الضدان؟

 

كلا -والله- لا يمكن أن يحصل هذا، فالإسلام نظام حياة، ونظام للمسلمين في كل أمورهم، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.

 

الإسلام حاكم لهذا كله، فمتى كان نظام الإسلام هو المسيطر على هذا كله، وهو الذي يقود هذه المسيرة، فعند ذلك تنفع هذه الحلول.

 

أما إذا أردنا أن نطبق هذه الحلول والمسلمون يحكمون بغير الإسلام، وبغير شريعة الله، وبغير القرآن، فإنه لا جدوى من هذا الكلام، ولن يبقَ له أثر، إلا أثر محدود، وأثر لا يقوى على تغيير الواقع الذي يعيشه المسلمون.

 

وإذا جمع بين الأمرين: بين حلول الإسلام، ونظام الغرب، فإنه ينتج عن هذا مولود هجين، ونسل ضعيف -لا حول له ولا قوة-، والله -تعالى- قال قولًا حقًا صادقًا: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ) [الأعراف: 96].

 

وقال جل وعلا: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم) [المائدة: 66].

 

نسأل الله -تعالى- أن يصلح أحوالنا كلها...

 

 

المرفقات

مشكلة الفقر (4) دور الأوقاف والدولة في علاج الفقر

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات