عظم خلق البصر ووجوب حفظه

عبد الله بن علي الطريف

2014-05-20 - 1435/07/21
التصنيفات: الخلق والآفاق
عناصر الخطبة
1/ نعمة البصر من أجلّ وأعظم النعم 2/ الاستفادة من نعمة العين فيما أحله الله 3/ العين مرآة القلب 4/ التعامل مع نظر الفجأة 5/ فوائد غض البصر عن المحرمات 6/ أضرار مشاهدة المشاهد الإباحية 7/ وسائل معينة على غض البصر

اقتباس

نعمة البصر من أجلّ وأعظم النعم التي منّ الله بها علينا، والعين عضو الإبصار، وهي جزء حساس في جسم الإنسان، قد جعلها البارئ سبحانه في موضع آمن في مقدمة الوجه، وحماها بتجويف عظمي في الجمجمة، وأحاطها بعدة سواتر ربانية، هي الجفون والرموش للذود عنها من أي مكروه؛ فسبحان (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى) [الأعلى:2]، وهذا (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) [النمل:88]. فهذا المكان الحصين للعين تتجلى فيه عظمة الخالق سبحانه، وإتقان صنعه.

 

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

أما بعد:

 

فإن نعمة البصر من أجلّ وأعظم النعم التي منّ الله بها علينا، والعين عضو الإبصار، وهي جزء حساس في جسم الإنسان، قد جعلها البارئ سبحانه في موضع آمن في مقدمة الوجه، وحماها بتجويف عظمي في الجمجمة، وأحاطها بعدة سواتر ربانية، هي الجفون والرموش للذود عنها من أي مكروه؛ فسبحان (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى) [الأعلى:2]، وهذا (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) [النمل:88]. فهذا المكان الحصين للعين تتجلى فيه عظمة الخالق سبحانه، وإتقان صنعه.

 

ولو دخلنا إلى العين وما حباها الله من قدرات لأخذنا العجب، لن أتحدث بالتفاصيل ولكن يقال: إن أدق آلة تصوير في الدنيا تبلغ دقتها عشرة آلاف مستقبل ضوئي في الملي متر المربع، أما تصوير العين فيصل إلى مائة مليون مستقبل ضوئي في الملي متر المربع! والعين تميز ثمانية ملايين لون، وحُشيت كرة العين بسائل لا يتجمد مهما انخفضت درجة الحرارة، وصدق الله حين امتن بها على الإنسان فقال: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ) [البلد: 8].

 

أيها الإخوة: ما هذا أردت وهو والله عظيم، ونحن بحاجة إلى التأمل الطويل في هذه الجارحة، لكن ما أردت بيانه أن هذه النعمة العظيمة والإبداع الخلقي الذي وهبنا الله إياه، وقد حفظه ماديًا كما سمعتم وزوده بمميزات عظيمة لا إرادية تحفظه من التلف طلب منا المحافظة عليه، بأن نستفيد منه فيما أباح، وأوكل إلينا حفظه من الأخطار المعنوية والمشاهدات المحرمة، وذلك بالأمر بغضه وكفه عن الاتساع في النظر إلى كل ما يذم ويكره، من النظر الحرام إلى الأجنبيات عمومًا، والمناظر الخليعة الإباحية مهما كانت وسيلتها؛ ذلك أن غض البصر أصل لحفظ الفرج؛ قال الله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) [النور:30، 31].

 

وقد جعل الله سبحانه العين مرآة القلب، فإذا غضَّ العبدُ بصرَه غضَّ القلبُ شهوتَه وإرادته، وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته؛ قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ...". رواه مسلم.

 

وهذا الحديث من أبين الأدلة على أن العين تعصي بالنظر، وأن ذلك زناها، وقال -صلى الله عليه وسلم- لعلي -رضي الله عنه-: "يَا عَلِيُّ: لَا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ؛ فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ". رواه الترمذي وأبو داود وأحمد وحسنه الألباني.

 

وعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رضي الله عنه- قَالَ: "سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي". رواه مسلم. كل هذا يدل على النهي عن النظر إلى الأجنبية، وأنه حرام، سواء نظر إلى شخصها أو صورتها في الشاشات أو الجولات أو الصحف والمجلات، بل إن النظر إلى الصور أبلغ في النفس؛ ذلك أن الناظر سلم من المراقب وزوال المنظور.

 

مع ما تسلم الصورة فيه من العيوب والقدرة في الوقت الحاضر على التكبير والتصغير، ولا تتحول إلى صفة مكروهة.

 

واعلم -يا رعاك الله- أن في غض البصر مع السلامة من الإثم فوائد عظيمة لا تقارن بلذة النظر، وقد ذكرها ابن القيم في كتابه روضة المحبين؛ منها -بشيء من التصرف-: تخليص القلب من ألم الحسرة؛ فإن من أطلق نظره دامت حسرته، فأضر شيءٍ على القلب إرسال النظر؛ ذلك أنه يريه ما يشتد طلبه إليه ولا صبر له عنه، ولا وصول له إليه، وذلك غاية ألمه وعذابه. نسأل الله العافية والسلامة، قال الشاعر:

 

وكنت متى أرسلتَ طرفكَ رائدًا *** لقلبِك يومًا أتعبتك المناظرُ

رأيتَ الذي لا كلَه أنت قادرٌ *** عليه ولا عن بعضِهِ أنت صابرُ

 

والنظرة تفعل في القلب ما يفعل السهم في الرمية، فإن لم تقتله جرحته، وهي بمنزلة الشرارة من النار ترمى في الحشيش اليابس، فإن لم تحرقه كله أحرقت بعضه كما قيل:

 

كلُ الحوادثِ مبداها من النـظرِ *** ومعظمُ النارِ من مستصغرِ الشررِ

كم نظرةٍ فتكت في قلب صاحبها *** فتك السـهام بلا قوس ولا وتر

والمرء ما دام ذا عين يقلبـــها *** في أعين الغيد موقوف على الخطر

يســر مقلته ما ضــر مهجته *** لا مرحبًا بســرور عاد بالضرر

 

والناظر -أيها الإخوة- يرمي من نظره بسهامٍ غرضها قلبه وهو لا يشعر: فهو إنما يرمي قلبه، قال ابن القيم:

 

يا راميًا بسـهام اللحظ مجتهدًا *** أنت القتيلُ بما ترمي فلا تصبِ

وباعثُ الطرف يرتادُ الشفاءَ له *** احبس رسولك لا يأتيك بالعـــطبِ

 

الفائدة الثالثة لغض البصر: أنه يورث القلب نورًا وإشراقًا يظهر في العين وفي الوجه والجوارح، كما أن إطلاق البصر يورثه ظلمةٌ تظهر في وجهه وجوارحه، ولهذا -والله أعلم- ذكر سبحانه آية النور: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [النور:35] عقيب قوله: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) [النور:30].

 

الفائدة الثالثة: أن غض البصر يفتح للمرء طرق العلم وأبوابَه، ويُسهل عليه أسبابه، وذلك بسبب نور القلب، فإنه إذا استنار ظهرت فيه حقائق المعلومات، وانكشفت له بسرعة، ونفذ من بعضها إلى بعض، ومن أرسل بصره تكدر عليه قلبه وأظلم، وانسدَ عليه باب العلم وطُرُقه.

 

الفائدة الرابعة لغض البصر: أنه يورث قوة القلب وثباته وشجاعته، فيجعل له سلطانَ البصيرة مع سلطان الحجة، وفي الأثر: "إن الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله"، ولهذا يوجد في المتبع لهواه من ذل القلب وضعفه ومهانة النفس وحقارتها ما جعله الله لمن آثر هواه على رضاه. قال الحسن -رحمه الله-: "إنهم وإن هملجت بهم البغال، وطقطقت بهم البراذين، إن ذل المعصية لفي قلوبهم. أبى الله إلا أن يذل من عصاه".

 

الفائدة السادسة: أنه يورث القلب سرورًا وفرحة وانشراحًا أعظم من اللذة والسرور الحاصل بالنظر، فإنه لما كفّ لذته وحبس شهوته لله -وفيها مسرة نفسه الأمارة بالسوء- أعاضه الله سبحانه مسرة ولذة أكمل منها، كما قال بعضهم: "والله للذة العفة أعظم من لذة الذنب".

 

ولا ريب أن النفس إذا خالفت هواها أعقبها ذلك فرحًا وسرورًا ولذة أكمل من لذة موافقة الهوى بما لا نسبة بينهما، وهاهنا يمتاز العقل من الهوى.

 

الفائدة السابعة: أنه يخلّص القلب من أسر الشهوة؛ فإن الأسير هو أسير شهوته وهواه، فهو كما قيل:

 

طليق برأي العين وهو أسير

 

ومتى أسرت الشهوة والهوى القلب تمكّن منه عدوه وسامه سوء العذاب وصار:

 

كعصفورةٍ في كفِ طفلٍ يسومُها *** حياض الردى والطفلُ يلهو ويلعبُ

 

أيها الإخوة: اسمعوا هذا التحذير المبني على التجارب العلمية وهو يؤكد الحكم الشرعي: فقد أكدت أكثر من عشرين دراسة علمية أن الأضرار الناتجة عن مشاهدة المناظر الجنسية المثيرة تشبه الإدمان على الكحول والمخدرات، بل هي أخطر؛ حيث إنها تنهك وتتلف أجزاءً مهمة من الدماغ، وتمتد الأضرار إلى منطقة الناصية من الدماغ، ومع مرور الزمن تتأذى هذه المنطقة وتتآكل تدرجيًا وتفقد القدرة على اتخاذ القرار الصائب.

 

والدماغ يفعل هذا على حساب الوظائف الأخرى مثل الذاكرة والتفكير واتخاذ القرار، أي إن جميع الوظائف العقلية تختل بسبب الإدمان على مشاهدة المقاطع الجنسية.

 

وبعد:

 

أيها الإخوة: حقّ على كل واحد منا أن يمتثل أمر الله ويعلم أن السعادة كل السعادة فيه، وأن التيه والشقاء والتلف لمن خالف أمره وأصر على ذلك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) [التحريم: 8].

 

 

الخطبة الثانية:

 

أيها الإخوة: وبعدما علمنا أهمية غض البصر، لا بد أن نعلم الوسائل المعينة على غض البصر، خصوصًا مع كثرة المغريات في هذا الزمان، وانتشار الصور الفاتنة في كل مكان.

 

الأولى: إذا نظرت نظر الفجأة فاصرف بصرك؛ عن جرير بن عبد الله البجلي قال: "سَأَلْت رَسُول اللَّه عَنْ نَظْرَة الْفَجْأَة, فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِف بَصَرِي". رواه مسلم.

 

قال النووي: "وَمَعْنَى نَظَر الْفَجْأَة أَنْ يَقَع بَصَره عَلَى الْأَجْنَبِيَّة مِنْ غَيْر قَصْد، فَلَا إِثْم عَلَيْهِ فِي أَوَّل ذَلِكَ, وَيَجِب عَلَيْهِ أَنْ يَصْرِف بَصَره فِي الْحَال, فَإِنْ صَرَفَه فِي الْحَال فَلَا إِثْم عَلَيْهِ, وَإِنْ اِسْتَدَامَ النَّظَر أَثِمَ لِهَذَا الْحَدِيث, فَإِنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَهُ بِأَنْ يَصْرِف بَصَره مَعَ قَوْله تَعَالَى: (قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـارِهِمْ)".

 

الثانية: قال النبي: "يا علي: لا تتبع النظرةَ النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة". رواه الإمام أحمد وأبو داود، وهو حديث حسن.

 

قال ابن الجوزي‏:‏" """""""""وهذا لأن الأولى لم يحضرها القلب‏,‏ ولا يتأمل بها المحاسن,‏ ولا يقع الالتذاذ بها‏,‏ فمتى استدامها مقدار حضور الذهن كانت كالثانية في الإثم".‏

 

الثالثة: استحضارك أن الله: (يعْلَمُ خَائِنَةَ الاْعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ) [غافر:19]، وقال مجاهد: هي مسارقة نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه. وأن الله يراه: (أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ) [البلد: 7].

 

سئل الجنيد: "بم يستعان على غض البصر؟! قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق إلى ما تنظره"، وكان الإمام أحمد ينشد:

 

إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا *** تقل خلوت ولكن قل علي رقيب

ولا تحسبن الله يغفل ساعة *** ولا أن ما يخفى عليـــه يغيب

 

الرابعة: (بَلِ الإِنسَـانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ)، يكثر الإنسان من البحث عن الأعذار في عدم إمكانية غض البصر، وأنه أمر غير واقعي، وهذا من كيد الشيطان ومكره، قال سعيد بن أبي الحسن لأخيه الحسن البصري: إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن. فقال الحسن: "اصرف بصرك عنهن". يقول الله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ)، وقال ابن تيمية: "وتأمل كيف عصم الله -عز وجل- يوسف -عليه السلام- من فتنة امرأة العزيز، فقد كانت مشركة فوقعت مع تزوجها فيما وقعت فيه من السوء، ويوسف -عليه السلام- مع عزوبته ومراودتها له واستعانتها عليه بالنسوة وعقوبتها له بالحبس على العفة عصمه الله بإخلاصه لله تحقيقًا لقوله: (وَلاغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [الحجر:39،40] قال تعالى: (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) [الحجر:42].

 

وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وعليك بالدعاء، فهو خير سلاح، وأقوى وسيلة، وأنفع دواء، فبه الاستعانة برب الأرض والسماء، وبه النصر على الأعداء: (وَقَالَ رَبُّكُـمْ ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دخِرِينَ).

 

أسأل الله أن يجنبنا الشرور ما ظهر منها وما بطن...

 

 

 

 

المرفقات

خلق البصر ووجوب حفظه

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات