صون أعراض العلماء الربانيين والدعاة المخلصين

فؤاد بن يوسف أبو سعيد

2015-08-23 - 1436/11/08
عناصر الخطبة
1/تحريم الغيبة والنميمة 2/عظم الخوض في أعراض العلماء والدعاة 3/تأدب السلف مع العلماء 4/بعض واجباتنا تجاه آراء وأقوال العلماء 5/التوبة من الخوض في أعراض العلماء والدعاة وكيفية ذلك 6/واجب المسلم تجاه نفسه ودينه وأولاده

اقتباس

إنه انتهاك بشع، وبهتان أفظع. وكم ترى من رجل متورِّع عن الفواحش والظلم؛ ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات، ولا يبالي ما يقول. فليحذر الذين يقعون في أعراض العلماء الربانيين، والدعاة المخلصين؛ أن يكونوا ممن آذنه الله -جل جلاله- بالحرب، فهؤلاء العلماء وأولئك الدعاة من أولياء الله، وقد...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله ...

 

إن الله -سبحانه وتعالى- نهى عن الغيبة والنميمة، فقال: (وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) [الحجرات: 12].

 

وقال سبحانه: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) [الأحزاب: 58].

 

ويقول صلى الله عليه وسلم مبيناً ذلك: "كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وعرضه وماله" [رواه مسلم].

 

وقال صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت" [متفق عليه].

 

وقال عليه الصلاة والسلام: "أتدرون ما الغيبة؟" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "ذكرك أخاك بما يكره" قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته" [رواه مسلم].

 

وفي سنن أبي داود، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "لَمَّا عُرِجَ بِى مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ، يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاَءِ يَا جِبْرِيلُ؟! قَالَ: هَؤُلاَءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ وَيَقَعُونَ فِى أَعْرَاضِهِمْ" [رواه أبو داود، وقال الألباني: "صحيح" صحيح الجامع 5/ 51)].

 

فكيف بالذي يقع في أعراض العلماء والدعاة المخلصين؟!

 

إنه انتهاك بشع، وبهتان أفظع.

 

واسمع معي لما قاله ابن القيم -رحمه الله- وأكثر ما ينطبق قوله هذا على غالب طلبة العلم، حيث يقول: "وكم ترى من رجل متورِّع عن الفواحش والظلم؛ ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات، ولا يبالي ما يقول".

 

فليحذر الذين يقعون في أعراض العلماء الربانيين، والدعاة المخلصين؛ أن يكونوا ممن آذنه الله -جل جلاله- بالحرب، فهؤلاء العلماء وأولئك الدعاة من أولياء الله، وقد قال الله -جل جلاله- فيهم في الحديث القدسي: "من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب" [رواه البخاري عن أبي هريرة].

 

وروى الخطيب البغدادي عن أبي حنيفة والشافعي -رحمهما الله- أنهما قالا: "إن لم يكن الفقهاء أولياء الله، فليس لله وليٌّ".

 

قال الشافعي: "الفقهاء العاملون" أي أن المراد: هم العلماء العاملون.

 

وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" [متفق عليه].

 

فكيف بالعلماء والدعاة إذا لم يسلموا من لسانك ويدك؟!

 

إن الذي يلقي الكلام على عواهنه، ويقع في أعراض الناس عموما، والعلماء خصوصا يناله من وعيد الله -سبحانه-، وقد ورد عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا؛ يَهْوِى بِهَا فِى النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ" [متفق عليه].

 

وما أحكم قول الشاعر:

 

يُصاب الفتى من عثرةٍ بلسانه *** وليس يصاب المرء من عثرة الرِّجل

فعثرته في القول تذهب رأسه *** وعثرته بالرجل تبرأ على مهل

 

وقول الآخر:

 

احفظ لسانك أيها الإنسان *** لا يلدغنَّك إنه ثعبانُ

كم في المقابر من قتيل لسانه *** كانت تهاب لقاءه الشجعانُ

 

وقول الآخر:

 

الصمت زين والسكوت شجاعة *** فإذا نطقت فلا تكن مكثاراً

فإذا ندمت على سكوتك مرة *** فلتندمن على الكلام مراراً

 

قال حاتم الأصم: "لو أن صاحب خبر جلس إليك ليكتب كلامك؛ لاحترزت منه، وكلامك يعرض على الله -جل وعلا- فلا تحترز؟!".

 

وتأدب ابن عباس -رضي الله عنه- مع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، حيث مكث سنة يريد أن يسأله عن مسألة من مسائل العلم، فلم يفعل.

 

وقال طاووس بن كيسان: "من السُّنة أن يُوقر العالمُ".

 

وقال الزهري: "كان سلمةَ يماري ابن عباس؛ فحُرم بذلك علماً كثيراً".

 

وقال البخاري: "ما رأيت أحدا أوقر للمحدثين من يحيى بن معين".

 

وقال المغيرة: "كنا نهاب إبراهيم كما نهاب الأمير".

 

وقال عطاء بن أبي رباح: "إن الرجل ليحدثني بالحديث، فأنُصت له كأني لم أسمعه أبداً، وقد سمعته قبل أن يولد".

 

وقال الشافعي: "ما ناظرت أحداً قط إلا وتمنيت أن يجري الله الحق على لسانه".

 

ذُكر أحد العلماء عند الإمام أحمد بن حنبل -وكان متكئاً من عِلَّة- فاستوى جالساً، وقال: لا ينبغي أن يذكر الصالحون، فنتكئ.

 

وقال الجزري: "ما خاصم ورع قط".

 

وبمثل هؤلاء يحسن الاقتداء: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام: 90].

 

فعلينا -يا عباد الله-: أن نحمل أقوال علمائنا وآرائهم على المحمل الحسن، وأن لا نسيء الظن فيهم، وإن لم نأخذ بأقوالهم.

 

قال عمر -رضي الله عنه-: "لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المسلم سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً".

 

وعلينا: أن ننتبه إلى أخطائنا وعيوبنا نحن، وننشغل بها عن عيوب الناس عامة، وعن أخطاء العلماء خاصة.

 

وعلينا: التثبت من صحة ما ينسب إلى العلماء.

 

فقد ُتشاع عن العلماء أقوال؛ لأغراض لا تخفى، فيجب التأكيد مما يُنقل عن العلماء، فقد يكون غير صحيح، ولا أساس له، وكم سمعنا من أقوالٍ نُسبت إلى كبار العلماء، ولما سئلوا عنها تبين أنهم منها بَراءُ.

 

إخواني: هناك غير قليل من الناس يجلس أحدهم في المجلس.

 

ويقول: الشيخ فلان -هداه الله-، وفيه كَيْتَ وكيت.

 

فتسأله: لماذا؟

 

فيقول: إنه يقول: كذا وكذا، حتى إذا ذهبت إلى ذلك الشيخ وسألته عن صحة ما نُقل عنه؛ قال: والله ما قلت شيء من هذا!.

 

عباد الله: فلنحذر من التعميم: إن قضية التعميم في الأحكام قضية خطيرة جداً، وقد وقع كثير من الناس في هذه الظاهرة التي تدل على قلة الوعي، وعدم الإنصاف، ترى أحدهم يقول: العلماء فعلوا، والعلماء قالوا، والعلماء قصروا، والعلماء غلطوا -بهذا التعميم-.

 

والتصرف السليم: أن يُعمَّم في الخير، ولا يُعمَّم في الشر.

 

ومن فضل الله -تعالى-: أن الرحمة تعم كالمطر، والعقاب يخص، قال تعالى: (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ) [العنكبوت: 40].

 

ومن كرمه سبحانه: أن الرحمة تشمل من يرافق الأخيار -وإن لم يكن منهم-: "هم القوم لا يشقى بهم جليسهم".

 

ولقد اطلع الله على أهل بدر، فقال: "اذهبوا مغفوراً لكم" [متفق عليه].

 

وأما العقاب؛ فقال تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [فاطر: 18].

 

وأخيراً: أقول للذين يخوضون في أعراض العلماء والدعاة: اتقوا الله، توبوا إلى الله، أنيبوا إلى الله، واثنوا على العلماء، بمقدار غيبتكم لهم، وإلا فأنتم الخاسرون، العاقبة للمتقين، وما مثلكم إلا كما قال الأول:

 

كناطح صخرة يوما ليوهنها *** فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

 

وقول الآخر:

 

يا ناطح الجبل العالي ليثلمه *** أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل

 

فنتبهوا، وصححوا المنهج، وانظروا في العواقب، واحفظوا حرمات الله، يحفظكم الله، ويغفر لكم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "لَيْسَ مِنْ أُمَّتِى؛ مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرَفْ لِعَالِمِنَا" [حم (3033) (1/127 8/)14)، رواه أحمد بإسناد حسن، والطبراني والحاكم، إلا أنه قال: "ليس منا"، وحسنه في صحيح الترغيب والترهيب، رقم (101)].

 

وفي الحديث المتفق عليه، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا".

 

وروى الدارمي عن مكحول مرسلا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِى عَلَى أَدْنَاكُمْ" ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر: 28] إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ وَأَهْلَ سَمَوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ وَالنُّونَ فِى الْبَحْرِ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ الْخَيْرَ" [حسنه في مشكاة المصابيح (214) (17)].

 

وعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ: أنه دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ مَوْعُوكٌ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ فَوَجَدَ حَرَارَتَهَا فَوْقَ الْقَطِيفَةِ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: مَا أَشَدُّ حَرِّ حُمَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّا كَذَلِكَ يُشَدَّدُ عَلَيْنَا الْبَلاءُ وَيُضَاعَفُ لَنَا الأَجْرُ" ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً؟ قَالَ: "الأَنْبِيَاءُ" قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "ثُمَّ الْعُلَمَاءُ" قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "ثُمَّ الصَّالِحُونَ، كَانَ أَحَدُهُمْ يُبْتَلَى بِالْفَقْرِ حَتَّى مَا يَجِدُ إِلاَّ الْعَبَاءَةَ يَلْبَسُهَا، وَيُبْتَلَى بِالْقُمَّلِ حَتَّى يَقْتُلَهُ، وَلأَحَدُهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِالْبَلاءِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِالْعَطَاءِ" [رواه ابن ماجة وابن أبي الدنيا في كتاب المرض والكفارات، والحاكم واللفظ له، وقال: "صحيح على شرط مسلم، وله شواهد كثيرة" انظر: صحيح الترغيب والترهيب، رقم (3403)].

 

أخي المسلم: كن عليًّا في فضيلة همتك، وصالحِ عملك، وكن حسنا في خالصِ توحيدِك، وصحيحِ عبادتِك، وكن حميدا في سلوكِك ومعاملاتِك، وآدابِك وأخلاقِك، إذا كنتَ كذلك؛ تصبحُ عُبَيدا لربك مشهورا كالهلال، ويسمو يومك عيدا سليما من سوء المقال والمآل، والنصرُ يؤانسك ويؤازرك، والمحمدةُ تحوطُك وتجلُّك، والمولى -جلَّ جلالُه- في ظلِّه يظلُّك، فيتحقق لك جميعُ رجائِك، وتنالُ كلَّ أمَلـِك.

 

أيها المسلمون: حافظوا على أوقاتِكم، وصونوا ألسنتَكم وجوارحَكم عما يغضب ربكم، واحفظوا أماناتِكم، احفظوا أهليكم وأموالَكم، ولا تهملوا مراعاةَ أولادِكم، وادفعوهم لطلب العلم، واجبروهم عليه جبرا، حذروهم مما يشغلهم عن طلب العلم من فضائيات وإنترنت، وحذروهم وخذوا على أيديهم من الانخراط في الأحزاب والتنظيمات، وكل ما يبعدهم عن طلب العلم، خصوصا مرحلة المراهقة "إعدادي وثانوي" فهؤلا لم يكتب عليهم جهاد ولا قتال، وإلا سيأتي زمنُ الجهل والانحطاط، الزمنُ الذي ينطق فيه الرويبضة، ويتكلم في أمر العامة السفيهُ التافهُ، عندها يتخذ الناس رؤوسا جهالا، يُفْتُون الناس بغير علم، فيُضِلون ويَضلُّون، ويومها يفرح الكفار، ويضحك الأشرار، ويحزن المؤمنون، ويبكي الأخيار الأبرار، ويكثر القتل والاقتتال، وتطل الفتن برؤوسها من كل الجهات، ويختبئ المسلم وراء الحجر والشجر، والفتن تلاحقه، فلا تتركه إلا قتيلا أو جريحا أو فزعا خائفا يترقب، يترقب النجاة وزوال الفتن!.

 

يجب علينا: أن نربيَ أولادنا التربية الحسنة، ونؤدبَهم على الأخلاق الحميدة، في السلوك والأقوال والأفعال، وأن نعلمَهم ما ينفعهم من خيري الدنيا والآخرة.

 

 

 

المرفقات

أعراض العلماء الربانيين والدعاة المخلصين

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات