شيء من الفتن قبل قيام الساعة

محمد بن صالح بن عثيمين

2017-08-01 - 1438/11/09
عناصر الخطبة
1/التحذير من الفتن وأنواعها 2/إخبار النبي -صلى الله عليه وسلم- بوقوع الفتن وبعض صور ذلك 3/ظهور الفتن التي أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بوقوعها وبعض وشواهد ذلك 4/الفرار من الفتن

اقتباس

لقد صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقد قبضت الأمانة فلا تكاد ترى أمينا، ولقد صار الأمناء يعدون بالأصابع، فترى القبيلة ليس فيها إلا أمين واحد، وترى الرجل يعجبك في عقله وظرفه وجلده، لكن ليس في قلبه إيمان؛ لأن ...

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما.

أما بعد:

أيها الناس: اتقوا الله -تعالى-، واحذروا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

احذروا كل ما يصدكم عن دينكم من مال وأهل وولد، واعلموا: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) [الأنفال: 15].

احذروا فتنة القول، وفتنة العمل وفتنة العقيدة والآراء الهدامة والمشاهدات السيئة، فإن ذلك كله يصدكم عن دينكم، ويوجب هلاككم.

انظروا إلى سلفكم الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، واسلكوا طريقهم، فإنكم بذلك أمرتم، وبذلك تفلحون إن تمسكتم.

قد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته بما سيكون إلى قيام الساعة، فأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته بفتن في آخر الزمان لعلهم يحذرون، ويتقون ويرجعون إلى ما كان أسلافهم ويتمسكون.

أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن فتن الدين بما يحدث من المغريات المادية والفكرية، فقال: "بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا، ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا"[مسلم (118) الترمذي (2195) أحمد (2/304)].

وأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن فتنة الجهل والطمع والفوضى، فقال صلى الله عليه وسلم: "يتقارب الزمان، ويقبض العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج" قالوا: يا رسول الله وما الهرج؟ قال: "القتل"[البخاري (6652) مسلم (157) أبو داود (4255) ابن ماجة (4047) أحمد (2/417)].

لقد قبض العلم، وقل العلماء الربانيون، قل العلماء أهل الخشية لله، وأهل الهداية.

إن العلم حقيقة، هو العلم النافع الذي يكون صاحبه قدوة في الخير والصلاح، والزهد والورع، واتباع سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وخلفائه الراشدين.

ولقد ظهرت الفتن شتى من كل نوع، ومن كل وجه؛ ظهر الطعن في الإسلام، والتشكيك في الدين، وتزهيد الناس فيه، وسلب محبته من قلوب الناشئين، تصاعدت الفتنة من جزئيات الدين وفرعياته إلى أصوله وأركانه، وتطورت الفتنة من الأفراد والأقليات، إلى أن نسبت إلى الزعماء والرؤساء.

وتلك طامة كبرى، ومصيبة عظمى، أن تتدرج الفتن هذا التدرج، وتتوسع هذا التوسع في حجمها وشكلها -نسأل الله الثبات والسلامة-.

سأل حذيفة بن اليمان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: هل بعد الخير الذي جاء به من شر؟ قال: "نعم" وهل بعد هذا الشر من خير؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "نعم، وفيه دخن" قلت: وما دخنه؟ قال: "قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر" قلت: فهل بعد ذلك من شر؟ قال: "نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها" قلت: يا رسول الله صفهم لنا؟ قال: "هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا"[البخاري (3411) مسلم (1847) أبو داود (4244) ابن ماجة (3979) أحمد (5/387)].

ولقد ألقي الشح والطمع في قلوب العباد، حتى منعت الزكاة المفروضة، والنفقات الواجبة، وطمع الإنسان فيما ليس له به حق، وكثرت الفوضى والقتل.

لقد أخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن فتنة الأمانة، وأنها سترفع فلا تكاد ترى أمينا، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، قال ويصبح الناس يتبايعون ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلا أمينا، ويقال للرجل: ما أعقله وما أظرفه وما أجلده وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان"[البخاري (6675) مسلم (143) الترمذي (2179) ابن ماجة (4053) أحمد (5/384)].

ولقد صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقد قبضت الأمانة فلا تكاد ترى أمينا، ولقد صار الأمناء يعدون بالأصابع، فترى القبيلة ليس فيها إلا أمين واحد، وترى الرجل يعجبك في عقله وظرفه وجلده، لكن ليس في قلبه إيمان؛ لأن الأمانة نزعت منه، جاء أعرابي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: متى الساعة؟ فقال: "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة" قال: وكيف إضاعتها؟ قال: "إذا وسد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة"[البخاري (59) أحمد (2/361)].

ألا وإن من الفتن الكبيرة العظيمة: فتنة المال التي قل من يسلم منها، قل من يأخذ المال من وجهه، ويصرفه في وجهه، فكان الحلال عند كثير من الناس ما حل في يده بأي طريق كان، والمصروف منه ما صرفه في هواه، ولو في الحرام، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أمن الحلال أم من الحرام"[البخاري (1977) النسائي (4454) أحمد (2/435) الدارمي (2536)].

ولقد صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإن كثير من الناس لا يبالون بالمال من أي وجه اكتسبوه، كأنما خلقوا للمال والدنيا، ولا حساب عليهم في ذلك ولا عقوبة، يكسبون المال بالغش وبالكذب وبالرشوة، وبالربا صريحا أو خداعا وحيلة، ويكتسبون المال بالدعاوي الباطلة، فيدعون ما ليس لهم، أو يجحدون ما كان عليهم، ولا خير في مال عاقبته العذاب والنكال.

فاحذروا -أيها المسلمون- هذه الفتن واجتنبوها، فإنها إذا ظهرت عمت المجتمع كله، وأصابت الصالح والفاسد، قال الله -تعالى-: (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)[الأنفال: 25].

وقالت زينب أم المؤمنين -رضي الله عنها-: "استيقظ النبي -صلى الله عليه وسلم- من النوم محمرا وجهه، يقول: "لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه" وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها، قيل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث"[البخاري (6650) مسلم (2880) الترمذي (2187) ابن ماجة (3953) أحمد (6/429)].

ولقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الفرار من الفتن خير للعبد، ولو أن يكون صاحب غنم، فقال: "يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن"[البخاري (3405) النسائي (5036) أبو داود (4267) ابن ماجة (3980) أحمد (3/43)].

وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته أن يستعيذوا من الفتن في كل صلاة، فقال صلى الله عليه وسلم: "إذا تشهد أحدكم أي قرأ التحيات فليستعذ بالله من أربع، يقول: أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجـال، وأمـر بالصـلاة لمدافعـة الفتن"[البخاري (1311) مسلم (588) الترمذي (3604) النسائي (5514) أبو داود (983) ابن ماجة (909) أحمد (2/477) الدارمي (1344)].

كما في حديث أم سلمة -رضي الله عنها-، قالت: "استيقظ النبي -صلى الله عليه وسلم- ليلة فزعا، يقول: "سبحان الله ماذا أنزل الله من الخزائن، وماذا أنزل من الفتن، من يوقظ صواحب الحجرات -يعني زوجاته لكي يصلين- رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة"[البخاري (6658) الترمذي (2196) أحمد (6/297) مالك (1695)].

اللهم نجنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

اللهم بصرنا بالحق، وارزقنا الثبات عليه.

اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، يا رب العالمين.

اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

المرفقات

شيء من الفتن قبل قيام الساعة

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات