شبابنا واللباس والهوية

سامي بن خالد الحمود

2011-07-24 - 1432/08/23
عناصر الخطبة
1/ مظاهر التقليد في الألبسة 2/ مظاهر ضعف الهوية 3/ أسباب ضعف الهوية 4/ ما الحل؟

اقتباس

قمصان وبنطلونات امتلأت بالفصوص والنقشات, قصات غريبة، وملابس مشققة، وسلاسل وربطات، ونظارات سوداء في الليل, ثياب مخصرة على الصدور والأرداف, وأخرى بها فتحة من الجانب, ربما ترى شابًّا يلبس سلاسل ورموزًا لديانة ضالة في أمريكا, وآخر يلبس غطاء رأس لا يلبسه إلا الشاذون عندهم, وآخر يلبس قميصًا كتبت عليه عبارات مخزية..

 

 

 

 

 

عندما مررت بالأمس بشارع مشهور في شمال الرياض، أدركت كم هو مؤسف حال بعض شبابنا هداهم الله.

قمصان وبنطلونات امتلأت بالفصوص والنقشات, قصات غريبة، وملابس مشققة، وسلاسل وربطات، ونظارات سوداء في الليل, ثياب مخصرة على الصدور والأرداف, وأخرى بها فتحة من الجانب, ربما ترى شابًّا يلبس سلاسل ورموزًا لديانة ضالة في أمريكا, وآخر يلبس غطاء رأس لا يلبسه إلا الشاذون عندهم, وآخر يلبس قميصًا كتبت عليه عبارات مخزية.

وصلت الوقاحة في تقليد الغرب في الألبسة إلى قيام بعض الشاب بإظهار الملابس الداخلية, جينز واسع يبدأ من منتصف المؤخرة, لا تدري هل هو للستر أم للتعري؟ بنطلونات طيحني، وسامحني يا بابا، وغيرها.

وشاب يخرج في كل أسبوع أو أقل إلى الحلاّق ليصفصف شعيراته بطريقة مزرية، يلبس البنطال الضيق، والقميص الناعم، يمشي بتكسر وتميع لماذا؟

لأن مغنيًا قص تلكم القصة، أو راقصًا لا ندري هل هو ذكر أم أنثى لبس ذاك القميص؟

وقبل أيام، أحضر لي أحد شباب الحي عددًا من الميداليات والربطات والملبوسات الشبابية التي تباع علنًا في الأسواق مع ضعف أو غياب الرقيب، ميداليات فيها عين زرقاء تلبس لدفع العين، وهي مخالفة للعقيدة الصحيحة، وأخرى فيها سجائر غريبة ورؤوس وتماثيل شيطانية، وربطات مكتوب عليها عبارات جنسية صريحة باللغة الإنجليزية، ناهيك عن بعض المحلات التي تبيع بالسرّ بعض الأدوات الجنسية، أو بعض الشعارات والملبوسات المتعلقة بالمذاهب والجماعات الضالة، كجماعة عبدة الشيطان أو الجنس الثالث, وهذه المحلات يجب على كل شاب على علم بها، أن يبادر إلى إبلاغ الجهات المختصة ويتعاون معها في الإيقاع بها، وهو مأجور في ذلك.

أيها الأحبة: لقد امتنّ الله علينا بنعمة اللباس حيث قال: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) [الأعراف:26].

وتعد الملابس أحد أجزاء تمييز الانتماء الاجتماعي بين الأمم، بل هي بمثابة لغةِ تخاطب، وتعبيرٍ عن الذات والشخصية والانتماء.

وتحتل الملابس والموضة في زماننا مكانا هاما في حياة الناس لاسيما النساء والشباب، بل أصبحت صناعة هامة، تدرّ أرباحا طائلة على المصنعين والمصممين.

والمشكلة عند بعض الشباب أو الفتيات، أن القضية لم تقف عند مجرد البحث عن الظهور بشكل جميل ومقبول, بل أصبحت القضية محور حياة ضحايا الموضة، الذين انحصر اهتمامهم في التسوق وتصفح مجلات الموضة ومشاهدة البرامج التلفزيونية، وتتبع آخر الصيحات والصرعات في الملابس والتجميل.

في تحقيق ميداني أجري على بعض الشباب وأولياء الأمور حول ضحايا الموضة.

يقول خالد 16-سنة-: "اتباع أحدث خطوط الموضة من المسلمات في حياتي، ولا أستطيع تصور شكلي من دون أحدث موديلات الجينز والملابس من الماركات العالمية إضافة إلى قصة الشعر الملائمة".

وأضاف بدر -17 سنة-: "من المستحيل على الشباب ألا يتبعوا الموضة فهي محور حياتهم".

وقالت ليلى -20 سنة-: وهي تحمل بعض الأكياس "أنا بالفعل ضحية للموضة ولا أستطيع مقاومة نهم التسوق والشراء، فأنا أقتني بانتظام مجلات الأزياء، وأتابع البرامج التلفزيونية التي تهتم بالجمال والأناقة، وبطبيعة الحال لا أستطيع أن أمنع نفسي من التجول في الأسواق وشراء آخر صيحات الموضة".

وقال محمد -32 سنة-: "قد أكون من الناس الذين ينطبق عليهم مفهوم ضحية الموضة، لكنني أظن أن أغلب الناس اليوم في العالم أجمع وفي عالمنا العربي أيضا ضحية للمظاهر, أقرّ أنني أحيانا أصرف نصف دخلي على أناقتي".

على كل حال، نحن لا نريد أن نحجر على الشباب والفتيات واسعًا في قضية اللباس, فقد قال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) [الأعراف:32] وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله جميل يحب الجمال" فالأصل في اللباس الإباحة ما لم يكن فيه محظور شرعي مثل: التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم، أو الإسراف والتبذير، أو تشبه الرجال بالنساء والعكس، أو تعري النساء، أو إسبال الرجال دون الكعبين، وما سوى ذلك فكله مباح.

نقول لكل شاب: البس -يا حبيبي- ما تريد، لكن قبل أن تلبس الملابس أتمنى أنك تعتزّ بنفسك وتسأل نفسك: هل هذه الملابس تليق بدينك وشخصيتك وأهلك وبلدك أم لا؟.

إخواني الكرام: دعوني أنتقل من الفرع إلى الأصل، وأتجاوز قضية اللباس كمظهر من مظاهر الانتماء، إلى قضية الهوية الإسلامية التي ينتمي إليها كل شاب مسلم.

إن من عظمة هذا الدين أنه يربي في أبنائه العزة وشرف الانتماء إلى الإسلام، كما قال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت:33] قالها بعزة وشموخ، رافعًا رأسه إنني من المسلمين.

إن المتأمل لأحوال المسلمين اليوم يدرك تمامًا أن هوية الشاب المسلم في خطر, وهي تمر اليوم بحالة ضعف عند كثير من أبناء الأمة إلا ما رحم الله.

مظاهر ضعف الهوية:

لضعف الهوية لدى الشباب المسلم، عدة مظاهر في واقع المسلمين اليوم، من أبرزها:

1/ الانبهار الشديد بالتقدم الغربي في الصناعة والحضارة المادية.

2/ التطلع لمشابهة الغربيين وغيرهم من الشعوب المتقدمة، مع الشعور بالدونية والانكسار تجاه تلك الشعوب.

3/ التحرر من القيم المقيدة للسلوك الإباحي تشبها بالتحرر الغربي الجنسي والسلوكي.

4/ ضعف الولاء والانتماء للقيم الإسلامية، وضعف الالتزام بالأحكام الشرعية.

عباد الله: حينما ضيَّع أفراد الأمة هويتهم، ذهبوا يتخبطون في دياجير ظلمة الحضارة المعاصرة بحثًا عن هوية، فظهر من شبابنا من يقلدهم في لباسهم وأكلهم وشربهم وقصات شعورهم، بل وحتى في سعيهم البهيمي في إشباع شهواتهم, وظهر من فتياتنا من تعرت وتفسخت وتركت حجابها، وظهرت على شاشات الفضائيات والقنوات مغنية أو راقصة.

شاب يعلق علم أمريكا في عنقه وفي سيارته, وآخر يتخلى عن جنسية بلده المسلم دون عذر ملجئ ثم تراه يتيه فخرًا بجنسية البلاد الكافرة, ومذيع مسلم يعمل بوقًا لإذاعة معادية لدينه من أجل حفنة دولارات, وأستاذ جامعة يلهج بمدح الغرب صباح مساء, والأدهى من ذلك والأمر بعض بني جلدتنا ممن يتكلمون بألسنتنا، ويكتبون في صحفنا، ويسعون باسم الثقافة والتقدم إلى طمس الهوية الإسلامية؛ فيسعون لكشف المحجبة، وإفساد المؤدبة، وإخراج الدرة المكنونة, يرون العالم بعيونٍ زرقاءَ أمريكية، ويحللون الأحداث بشخصيات انهزامية، ويقيسون الأمور بعقول ملغية، ويرددون مقولات الغرب بألسن ببغائية, حال الأمة معهم:

أشكو إلى الرحمن من علق يعيش على جراحي

من جلدتي لكن علي أشد من طعن الرماح

أخذت الديانة عن مسيلمة الكذوب وعن سجاح

من كل تيس كلما كبَّرت بربر للنطاح

إنهم باختصار: يطعنون دينهم، ويهينون أنفسهم، ويسحقون ذواتهم، ليكونوا جزءًا من الآخرين (أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) [النساء:139].

نسأل الله أن يعزنا وإياكم بدينه، ويعز بنا دينه، إنه هو العزيز الحكيم, والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين.

 

 

الخطبة الثانية

أسباب ضعف الهوية:

ههنا سؤال هام: هل هناك أسباب لضعف الانتماء وذوبان الهوية لدى الشاب المسلم؟ ما الذي يدفع الشاب أن يلبس لباسًا أو يتصرف تصرفًا أو يعتنق مبدءًا لا يمت بصلة لدينه الذي يعتقده، ولا يناسب بلده الذي ينتمي إليه، ولا يشرف أسرته التي ينتسب إليها؟.الأسباب كثيرة، منها:

ثقافة العولمة والتغريب التي تمتلك اليوم القوة والدعم، من حيث التخطيط والتنظيم، وتمتلك القوة العسكرية، والتقنية الإعلامية ووسائل الاتصالية الحديثة.

هناك غزو فكري وثقافي عبر وسائل الإعلام والإنترنت يشكل تهديدًا خطيرًا ومعول هدم للهوية الإسلامية.

ضعف المسلمين اليوم وتخلفهم دولاً وشعوبًا، وانبهارهم بحضارة الغرب، والمغلوب يتأثر حتماً بثقافة الغالب القوي.

الهجمة العالمية الشرسة على الإسلام والمسلمين, إن الغرب اليوم يعلم أن الإسلام هو البديل الحضاري الأوحد لثقافتهم وحضارتهم، وهو الذي يمكنه أن يملأ الفراغ الذي تعانيه البشرية اليوم، فلا غرابة أن يهاجم كل ما هو إسلامي، وأن يصور المسلمين بصورة دونية ذليلة، وأن تستغل أعمال العنف غير المحسوبة التي تقوم بها بعض جماعات الغلو المحسوبة على الإسلام لتشويه صورة المسلمين, هذا التشويه الإعلامي الذي يدفع بعض أبناء الإسلام إلى الهروب من الصورة المنكرة إعلاميا إلى الصورة المحبوبة إعلاميًّا بالتنكر لدينه ومبادئه.

الجهل وضعف الارتباط بالهوية والثقافة الإسلامية في مناهج التعليم، وضعف الاهتمام بتعليم العقيدة الإسلامية في كثير من الدول الإسلامية، ولا يزال في بلادنا خير كثير في هذا الباب.

الاختلال في القدوات والشخصيات النموذجية التي تستحق أن تقدم للناس وللشباب، فبعد أن كانت الأمة الإسلامية تقتدي وتعتز بكبار وعظماء الأمة في تاريخها الزاهر وعصرها الحديث، قام المفسدون بتقديم حفنة من الأقزام من أهل السياسة أو الفكر العفن، أو الفن النتن؛ ليتخذوا قدوات سيئة لشباب ونساء الأمة.

ظن بعض الشباب المقصرين أن شرفَ الانتماء إلى الإسلام والاعتزازَ به محصور في فئة المتدينين أو المستقيمين، أما المقصر فذمته بريئة، ويسعه الذل والخنوع، ولا يلزمه الاعتزاز بالدين والدفاع عنه بحجة أنه مقصر، وليس على درجة كبيرة من التدين، وهذا خطأ عظيم، بل الانتماء للدين والاعتزاز به والذود عنه مسؤولية كل مسلم وإن وقع في بعض التقصير.

الهزيمة النفسية عند عامة المسلمين، بل وللأسف عند بعض الساسة، بل وعند بعض المنسوبين إلى الفكر الإسلامي أو العلم الشرعي, وقد تسرب هذا الداء إلى بعض البرامج والقنوات التي تصف نفسها بالإسلامية، فقدمت الإسلام وللأسف بقالب مليء بالتنازلات والانبطاحات، وخرق الثوابت إرضاءً للعيون الزرقاء، وتحسينًا لصورة الإسلام زعموا، وهم في الواقع يهدمون طرفًا من الدين، ليحسنوه في نظر الآخرين.

وإن من المخزي حقًّا بعض ما يطرح اليوم في قضايا السياسة في الإسلام، وقضايا الحدود كحد الردة والزنا وقضايا المرأة، وانتهاج المنهج العقلاني في تحريف وهدم النصوص، و والله لن يصلُح آخرُ هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، أعني من حيث المنهج، وهو منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، أما التطبيقات العملية والفروع المستجدة فلا يلزم أن يطبق فيها ما كان في زمانهم بعينه، وإنما الواجب أن ترد إلى منهجهم وقواعدهم وهي محفوظة بحمد الله.

وأخيرًا: ما الحل؟

ما أهم الحلول للحفاظ على الهوية الإسلامية وشخصية الشاب المسلم:

بناء الإنسان المسلم وتربيته على القيم العقدية والإيمانية التي تمنحه المناعة الحضارية، وتحقيق عقيدة التوحيد الراسخة التي وقف بها الجيل الأول من الأمة أمام كل اختراق.

ضبط الاستفادة من الحضارةِ والثقافةِ الغربية وتطورِها العلمي والتكنولوجي، والحذرُ من الانفتاح المطلق المذموم الذي يؤدي إلى ضياع الهوية وذوبان الشخصية.

تجديد الخطاب الدعوي والثقافي الإسلامي وتطويره، بحيث يلائم روح العصر، مع المحافظة على الثوابت القطعية.

تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة التي تسيطر على عقول الكثير من عامة المسلمين، كالتواكل والعجز والهزيمة النفسية والانبهار بحضارة الغرب.

الاستفادة من التقنية الحديثة ووسائل الإعلام والانترنت في توعية وتثقيف الناشئة والشباب.

ضرورة وضع ضوابط وقيود للاستفادة من وسائل الإعلام والاتصال المستجدة ومن أهمها: القنوات الفضائية وشبكة الإنترنت، وسد طرق الانحراف وذوبان الهوية.

ورسالة ختامية إلى كل مسلم، وإلى كل شاب: اعتز بدينك وشخصيتك أينما كنت، وفي أي أرض حللت.

لماذا بعض الشباب يسافر إلى الخارج، فإذا سئل عن ديانته، أو ذكر الإسلام، أو ذكرت هذه البلاد وهي مهد الإسلام وقبلة المسلمين طأطأ رأسه، وأخذته الذلة والمسكنة؟ وأخذته الظنون أن يقال عنه إرهابي أو متخلف أو رجعي؟

يا أخي: أين العزة، يقول بعض الناس: "ارفع راسك لأنك سعودي" وهذا صحيح فبلدك هو بلد التوحيد وقبلة المسلمين، مع حبّنا لجميع إخواننا المسلمين, لكني أقول قبل ذلك وأهمّ من ذلك: ارفع راسك لأنك مؤمن عزيز عند الله؟ ورب العزة يقول: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [آل عمران:139] يقولها الله للنبي -صلى الله عليه وسلم- في أحلك الظروف وهم في ضعف وهزيمة بعد غزوة أحد.

العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، ولو تفوق الكفار في صناعتهم وحضارتهم: نحن الأعزة وهم الأذلون, نحن الأعلون وهم الأسفلون (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [آل عمران:139].

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المرفقات

واللباس والهوية

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات