سورة النحل

مسفر بن سعيد بن محمد الزهراني

2011-10-13 - 1432/11/15
عناصر الخطبة
1/ معالجة سورة النحل لموضوعات العقيدة الكبرى 2/ هدفها تقرير وحدانية الله بالنظر إلى قدرته 3/ سبب تسميتها وأسماؤها الأخرى 4/ استعراض لمحتواها 5/ تفسير لبعض آياتها 6/ محورها التذكير بنعم الله 7/ سبب نزول الآيات الأخيرة فيها

اقتباس

ولقد هدفت سورة النحل إلى تقرير مبدأ وحدانية الله -جل وعلا- بلفت الأنظار إلى قدرة الله الواحد القهار، فخاطبت كل حاسة في الإنسان، وكل جارحة في كيانه البشرى؛ ليتجه بعقله إلى ربه، ويستنير بما يرى من آثار صنع الله على عظمة الله سبحانه.

 

 

 

 

 

الحمد لله رب العالمين الذي (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [النحل:3]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أوحى إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومما يعرشون.

وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله الذي أنزل الله إليه الذكر ليبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون، -صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع هداه إلى يوم الدين.

فيا عباد الله: في هذه المقدمة أشرنا إلى آيات من سورة النحل، وهي السورة السادسة عشر في ترتيب المصحف الشريف، وآياتها ثمان وعشرون ومائة آية، وهي سورة مكية تعالج موضوعات العقيدة الكبرى: الإلوهية والوحي والبعث والنشور.

وإلى جانب ذلك تتحدث عن دلائل القدرة والوحدانية في ذلك العالم الفسيح، في السماوات والأرض والبحار والجبال والسهول والوديان، والماء الهاطل، والنبات النامي، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، والنجوم التي يهتدي بها السالكون في ظلمات الليل، إلى آخر تلك المشاهد التي يراها الإنسان في حياته، ويدركها بسمعه وبصره، وهي صورة حية مُشاهدةٌ دالة على وحدانية الله -جل وعلا-، وناطقة بآثار قدرة الله الذي أبدع الكائنات.

وسميت (سورة النحل) لاشتمالها على تلك العبرة البليغة التي تشير إلى عجيب صنع الله الخالق، وتدل على الإلوهية بهذا الصنع العجيب، حيث ذكر الله سبحانه إخراج العسل الذي جعله شفاء للناس من النحل، وهي حشرة ضعيفة، وفيها عجائب بديعة، وأمور غريبة، فألهمها الله سبحانه إلى مصالحها، وأرشدها إلى بيوتها المسدَّسة العجيبة، تأوي إليه في ثلاثة أمكنة: الجبال، والشجر، والأكوار التي يبنيها لها الناس، أو ما يسمى بخلايا النحل، وأن تأكل الأزهار و الثمار التي تشتهيها من الحلو, والمر, والحامض, فانَّ الله بقدرته يحيلها إلى عسل.

ثم تدخل كل الطرق والسبل في طلب المرعى، حال كونها مسخرة لك، لا تضل الذهاب أو الإياب؛ ويخرج من بطون النحل عسل متنوع، منه أحمر, وأبيض, وأصفر؛ فيه شفاء للناس من كثير من الأمراض والأسقام، ففي ذلك أكبر عبرة لمن تفكر في عظيم قدرة الله وبديع صنعه.

(وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [68-69]. وقال القرطبي: تسمى سورة النحل سورة النِّعَم، لكثرة ما عدد الله فيها من نِعَمٍ على عباده.

وقد تناولت السورة الكريمة في البدء أمر الوحي الذي كان مجال إنكار المشركين واستهزائهم، وقد كذبوا بالوحي، واستبعدوا قيام الساعة، واستعجلوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يأتيهم بالعذاب الذي خوفهم به، وكلما تأخر العذاب زادوا استعجالا، وزادوا من استهزائهم واستهتارهم، قال تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [1]، أي: قرُب قيامُ الساعة فلا تستعجلوا العذاب الذي أوعدكم به محمد -صلى الله عليه وسلم-، تنزَّهَ الله وتقدس عن إشراكهم به غيره من الأوثان والأنداد.

ومن النعم التي امتن بها الله -سبحانه تعالى- بها على خَلْقِه وذكَرَها في بداية سورة النحل: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) [4]، أي خلقه من منيٍّ فإذا هو بعد تكامله بشرا مخاصم لخالقه، واضح الخصومة، يكابر ويعاند.

(وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) [5]، أي: وخلق الأنعام لمصالحكم، وهي الإبل والبقر والغنم، ولكم فيها ما تستدفئون به من البرد مما تلبسون وتفترشون من الأصواف والأوبار، ولكم فيها منافع عديدة من النسل، وركوب الظهر، ومن لحومها تأكلون، وهو من أعظم المنافع.

(وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) [6]، أي: ولكم فيها زينة وجمال حين رجعوها عشية من المرعى، وحين غدوها صباحاً لترعى، جَمال الاستمتاع بمنظرها صحيحة سمينة فارهة.

(وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) [7]، أي: وتحمل أحمالكم الثقيلة وأمتعتكم التي تعجزون عن حملها إلى بلد بعيد لم تكونوا لتصلوا إليه إلا بجهد ومشقة، إن ربكم لعظيم الرأفة والرحمة بكم.

(وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [8]، أي: وخلَق الخيل والبغال والحمير للحَمْل والركوب، وهي كذلك زينة وجمال، ويخلق في المستقبل ما لا تعملونه الآن كوسائل النقل الحديث من القطارات والسيارات والطائرات وغيرها مما يوجد في هذا الزمان، وهو من تعليم الله للإنسان.

(وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) [9]، أي: وعلى الله -جل وعلا- بيان الطريق المستقيم الموصل لمن يسلكه إلى جنات النعيم، ومن هذه السبيل طريق مائل عن الحق منحرف عنه لا يوصل سالكه إلى الله وهو طريق الضلال كاليهودية والنصرانية والمجوسية، ولو شاء الله أن يهديكم إلى الإيمان لهداكم جميعاً، ولكنه تعالى اقتضت حكمته أن يدع للإنسان حرية الاختيار؛ ليترتب عليه الثواب والعقاب.

ومِن نِعَمِ الله العظام التي امتنَّ بها على الناس: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ) [10]، أي: تشربون منه، وأخرج لكم منه شجراً ترعون فيه أنعامكم، (يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [11]، أي: يتدبرون في قدرة الله وصنعه فيؤمنوا به -عز وجل-.

(وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [12]، أي: في تسخيره سبحانه لكل هذه الأمور العظيمة آيات دالة على قدرته سبحانه لأصحاب العقول السليمة.

(وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) [13]، أي: وما خلق لكم في الأرض من الأمور العجيبة من الحيوانات والنباتات والمعادن والجمادات على اختلاف ألوانها وأشكالها وخواصها ومنافعها، إن في ذلك لعبرة لقوم يتعظون.

(وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [14]، أي: إن الله سبحانه ذلل لكم البحر المتلاطم الأمواج للركوب فيه، والغوص في أعماقه لتأكلوا منه السمك الطري الذي تصطادونه وتستخرجوا منه الجواهر النفيسة كاللؤلؤ والمرجان.

وترى السفن العظيمة تشق عباب البحر جارية فيه وهي تحمل الأمتعة والأقوات، ولتطلبوا الله من فضله ورزقه الذي هداكم إلى سبيل معايشكم بالتجارة، ولتشكروا ربكم على عظيم إنعامه وجليل أفضاله، فسبحان الله جعل في البحر من الفوائد العظيمة للإنسان ما يماثل البَر! وهذا بقدرة الله -عز وجل-.

(وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) [15-16]، أي: نصب في الأرض جبالا ثوابت راسيات لئلا تضطرب بكم وتميل، وجعل فيها أنهاراً جارية وطرقا ًومسالك لتهتدوا إلى مقاصدكم.

(وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) [17]، أي: وعلامات يستدلون بها على الطرق كالجبال والأنهار وبالنجم يهتدون ليلا في البراري والبحار، (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) [18]؟ إنكار على الكفار: أي أتسوُّوُن بين الخالق لتلك الأشياء العظيمة، والنعم الجليلة، وبين من لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فضلاً عن غيره؟.

(وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) [18]، أي: وإن تعدوا نعمة الله الفائضة عليكم لا تضبطوا عددها، فضلا عن أن تطيقوا شكرها، والله سبحانه غفور لما صدر منكم من تقصير، رحيم بالعباد حيث ينعم عليهم مع تقصيرهم وعصيانهم.

ولقد هدفت سورة النحل إلى تقرير مبدأ وحدانية الله -جل وعلا- بلفت الأنظار إلى قدرة الله الواحد القهار، فخاطبت كل حاسة في الإنسان، وكل جارحة في كيانه البشرى؛ ليتجه بعقله إلى ربه، ويستنير بما يرى من آثار صنع الله على عظمة الله سبحانه.

ثم تابعت السورة الكريمة تذكِّرُ الناس بنتيجة الكفر بنِعَمِ الله وعدم القيام بشكرها، وتحذرهم تلك العاقبة الوخيمة التي يؤول إليها مصير كل معاند وجاحد.

ومن النعم التي أنعم الله بها على الإنسان وذكَرها سبحانه في هذه السورة قوله تعال:ى (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) [78-81].

السرابيل التي تقي من الحر هي الثياب من القطن والصوف وغيرها من الأقمشة، والسرابيل التي تقي من البأس، وهو الحرب ومقاتلة الأعداء، هي الدروع؛ فإنها تشبه الثياب في حفظ الإنسان بقدرة الله تعالى.

عباد الله: هذه لمحة عن بعض آيات سورة النحل، وبعض النعم التي مَنَّ الله -عز وجل- بها على الناس جميعاً، التي بنبغي شكرها وتقديرها، أسأل الله أن يرزقنا دوامها وشكرها.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ * يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ) [82-83].

أسأل الله أن يبارك لي ولكم في القرآن العظيم، وسنة خاتم المرسلين، وأن يهدينا للحق أجمعين؛ أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، نزَّلَ الكتاب تبياناً لكلِّ شيء وهدى ورحمة وبشري للمسلمين، أحمده سبحانه وأشكره.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، وأمر بالوفاء بعهد الله إذا عاهدتم، ونهى عن نقض الإيمان بعد توثيقها وتوكيدها، بعد أن جعلتم الله شاهداً ورقيباً عليكم.

وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله، أمرَه سبحانه بالدعاء إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، صلَّى اللهُ عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبِعَهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: عباد الله: استكمالا للحديث عن سورة النحل فأشير إلى بعض الآيات، مع شيء من البيان والإيضاح، قال تعالى: (وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [95]، أي: لا تستبدلوا عهد الله وعهد رسوله بحطام الدنيا الفاني، فما عند الله من الأجر والثواب خير لكم من متاع الدنيا الزائل.

ثم علل ذلك بقوله: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [96-97]، أي: فلَنُحْيِيَنَّهُ في الدنيا حياة طيبة بالقناعة والرزق الحلال، والتوفيق لصالح الأعمال، ولَنَجْزِيَنَّهُم في الآخرة بجزاء أحسن أعمالهم، وما أكرمه من جزاء.

ثم وجه الله عز وجل رسوله -صلى الله عليه وسلم- وأمته عند قراءة القرآن بقوله: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [98]، أي: إذا أردت تلاوة القرآن فاسأل الله أن يحفظك من وساوس الشيطان وخطواته؛ كيلا يوسوس لك عند القراءة فيصدّك عن تدبُّر القرآن، والعمل بما فيه.

(إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [99]، أي: ليس للشيطان تسلط وقدرة على المؤمنين بالإغواء والكفر، (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) [100]، أي: إنما سيطرته وتسلطه على الذين يطيعونه ويتخذونه وليا، وهم بسبب إغوائه أصبحوا مشركين في عبادتهم وذبائحهم، ومطاعمهم ومشاربهم.

وبعد عَرْضٍ وافٍ للآياتِ في سورة النحل تختتم الآيات بالتوجيهات التالية: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) [125-128].

قال المفسرون في قوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) [126]: نزلت في شأن حمزة بن عبد المطلب -رضي الله عنه-، أسد الله، عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لما بقر بطنَه المشركون يوم أحد، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لئن أظفرَني اللهُ بهم لأُمَثِّلَنَّ بسبعين منهم".

والمعنى بعده: ولئن عفوتم وتركتم القصاص فهو خير لكم وأفضل. وهذا ندب للصبر وترك عقوبة من أساء؛ فإن العقوبة مباحة، وتركها أفضل، واصبر يا محمد على ما ينالك من الأذى في سبيل الله، فما تنال هذه المنزلة الرفيعة إلا بعون الله وتوفيقه، ولا يضيق صدرك بما يقولون، ولا بما يدبرون من المكر والكيد، فإن الله سبحانه مع المتقين بمعونته ونصره، ومع المحسنين بالحفظ والرعاية، ومَن كان الله معه فلا يضره كيد الكائدين.

وصلُّوا وسلِّموا عباد الله على خاتم رسل الله، نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-.

 

 

 

 

 

 

 

 

المرفقات

النحل

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات