سورة الفاتحة: فضائلها ومعانيها

عبدالله بن عبدالرحمن الرحيلي

2021-03-12 - 1442/07/28 2021-03-30 - 1442/08/17
عناصر الخطبة
1/من فضائل سورة الفاتحة 2/من معاني وأسرار سورة الفاتحة 3/تفسير آيات سورة الفاتحة 4/دعوة إلى تدبر معاني هذه السورة

اقتباس

(إِيّاكَ نَعبُدُ وَإِيّاكَ نَستَعينُ)[الفاتحة:4]؛ لا نعبد يا ربُّ إلا إياك، ولا نستعين بأحد سواك, قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "(إِيّاكَ نَعبُدُ) تدفع الرياء، (وَإِيّاكَ نَستَعينُ) تدفع الكبرياء", ومن أفرد الله بالعبودية؛ نال من ربه السعادة الأبدية...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله المصطفى الأمين، الهادي بإذن ربه إلى الصراط المستقيم، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 

أما بعد: فاتقوا الله -تعالى- حق تقاته، وتدبروا كلامه وآياته، احمدوا الله رب العالمين، وأخلصوا له العبادة والدين، وسَلوه العون على مرضاته.

 

عباد الله: سورةٌ من القرآن كريمة، فضائلُها كثيرة عظيمة, فيها نور مبين، وكنز ثمين, فيها الجلال والجمال، فيها خبر المهتدي والضال, فيها الإجابة والدعاء، والحساب والجزاء، فيها مراتب السعداء ومنازل الأشقياء, فيها وَعد ووعيد ، وعبادة وتوحيد, هي السبع المثاني والنور العظيم، نزل بالبشارة بها ملك كريم.

 

إنها سورة قصيرةُ الآياتِ، عظيمةُ المعاني عديدةُ البركات، كثيرةُ الأسماء جليلةُ العظات, هي الواقية؛ تقِي قارئها الضراء.

 

وهي الشِّفاء؛ يُستشفَى بها -بإذن الله-, هي الصلاةُ؛ لأنّه لا صلاةَ بدونها, وهي السبعُ المثاني؛ لأنها سبع آيات مباركات، تثَنَّى وتكرَّر في جميع الصلوات.

 

وهي أم الكتاب؛ لأنها جامعة لأصول القرآن، ومشتملة على مجامع التوحيد للرحمن؛ إنها سورة الفاتحة.

 

افتُتح بها القرآن الكريم، واشتملت على التعريف بالمعبود العظيم، وأوضحت طريق العبودية والصراط المستقيم، ثم بينت أحوال الناس مع هذا الطريق.

 

هي خيرُ ما أُنزل؛ فعن أبي بن كعب -رضي الله عنه-, أنه قال له الرّسول -صلَّى الله عليه وسلَّم-: "لأعلِّمنَّك سورةً, ما أُنزِلَ في التوراة ولا في الإنجيلِ ولا في الفرقان سورةً كانت خيرًا منها"، قال: "فاتحةُ الكتاب؛ هي السبعُ المثاني, والقرآن الذي أوتيتُه".

 

هي أحَدُ النّورَين ولم يُؤْتَها نبيٌّ قبل نبينا -صلَّى الله عليه وسلَّم-؛ "فبينما جبريلُ قاعدٌ عند النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، سمِع نقيضًا من فوقه فرفَع رأسَه، فقال: هذا بابٌ من السَّماء فُتِح اليوم، لم يُفتح قطُّ إلَّا اليوم، فنزل منه مَلَك، فقال: هذا ملَكٌ نزل إلى الأرض، لم ينزلْ قطُّ إلَّا اليوم، فسلَّم، وقال: أبشِرْ بنورَينِ أوتيتَهما، لم يُؤتَهما نبيٌّ قبلك: فاتحةُ الكتاب، وخواتيمُ سورة البقرة؛ لن تَقرأ بحرفٍ منهما إلَّا أُعطيتَه".

 

هي رُقيةٌ شافية -بإذن الله،-؛ فقد رقى أبو سعيدٍ الخدريّ -رضي الله عنه- لديغا، فجعل يقرَأ بأمِّ القرآن, ويجمع بزاقَه ويتفِل فبرَأ، فأخبر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فقال: "وما أدراكَ أنها رقية؟!".

 

هذه -عباد الله- بعضُ الفضائل والآثار, أما المعاني والأسرار, وجليلُ الهدايات والأنوار؛ فذاك بحر زخّار.

 

(الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمينَ)[الفاتحة: 1]؛ ثناء على الله بصفات الكمال، وبما لَه -تعالى- من جليل الألطاف والأفعال, ثناءٌ أَثْنَى بِهِ -تعالى- عَلَى نَفْسِهِ، وأَمَرَ عِبَادَهُ أَنْ يُثْنُوا عَلَيْهِ بِهِ.

 

(رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الفاتحة: 2], (رَبُّ السَّماواتِ وَالأَرضِ وَما بَينَهُما إِن كُنتُم موقِنينَ)[الشعراء: 24]؛ إنه ربُّ العالمين الغنيُّ المعبود المألوه، والخلق عبيدُه وفقراءُ إليه من جميع الوجوه, الذي ربَّى جميع الخلق بنعمه؛ فهو مالكهم وخالقهم، وهو مدبرهم ورازقهم, وخصَّ أولياءه المؤمنين بالإيمان والطاعات، وصَرفَ عنهم الشرور والآفات.

 

ونِعم الله عليكم لا تحصى ولا تعد؛ فقابِلوا نعمَ ربكم بالشكر والحمد, فاللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ مِلءَ السَّماواتِ وَمِلءَ الأَرْضِ, وَمِلءَ مَا بَيْنَهُمَا, وَمِلءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيءٍ بَعْدُ.

 

(الرَّحمنِ الرَّحيمِ)[الفاتحة: 2]؛ اسمان دالان على أنه -تعالى- ذو الرحمة الواسعة والنعمة السابغة؛ فرحمته وسعت كل شيء، ونعمته عمت كل حي؛ فهو رحمان بخلقه في الدنيا عامة، ورحيم في الدنيا والآخرة بالمؤمنين خاصة.

 

(الرَّحمنِ الرَّحيمِ)[الفاتحة: 2]؛ تفضُلٌ بعد تفضل، ووعد من الله لا يُخلَف؛ فاسألوا الله من فضله.

 

(مالِكِ يَومِ الدّينِ)[الفاتحة: 3]؛ يومُ الدين: يومُ الجزاء من العلي الأعلى، يجازي اللهُ العباد فيه بما عملوه في الدنيا؛ (لِيَجزِيَ الَّذينَ أَساءوا بِما عَمِلوا وَيَجزِيَ الَّذينَ أَحسَنوا بِالحُسنَى)[النجم: 31], (يَومَئِذٍ يُوَفّيهِمُ اللَّهُ دينَهُمُ الحَقَّ)[النور: 25]

 

يومُ الدين: هو اليوم الذي تنقطع فيه أملاك الخلق، يستوي فيه الملوك والرعايا والعبيد والأحرار، كلهم مذعنون لعظمته، منتظرون لمجازاته؛ (ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ)[الانفطار: 18، 19].

 

وإذا كان اللهُ -عز وجل- هو ربُ العالمين، وهو الرحمنُ الرحيم، وهو مالكُ يوم الدين؛ فهو -إذن- وحده المعبودُ والمستعان.

 

(إِيّاكَ نَعبُدُ وَإِيّاكَ نَستَعينُ)[الفاتحة:4]؛ لا نعبد يا ربُّ إلا إياك، ولا نستعين بأحد سواك, قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "(إِيّاكَ نَعبُدُ) تدفع الرياء، (وَإِيّاكَ نَستَعينُ) تدفع الكبرياء", ومن أفرد الله بالعبودية؛ نال من ربه السعادة الأبدية.

 

الله أكبر!, (إِيّاكَ نَعبُدُ وَإِيّاكَ نَستَعينُ)؛ عبودية لله وحده، وفق أمره وشرعه، واستعانةٌ به -سبحانه- على عبوديتِه، لا بحولِ العبد وقوته؛ (فَاعبُدهُ وَتَوَكَّل عَلَيهِ)[هود: 123], واسأله الهداية متضرعا إليه.

 

(اهدِنَا الصِّراطَ المُستَقيمَ)[الفاتحة: 5]؛ دعاءٌ صريح لنيل أجلِّ مطلوب، لم يُعطَ أحدٌ أفضل منه.

 

(اهدِنَا الصِّراطَ المُستَقيمَ)[الفاتحة: 5]؛ وفِّقنا إلى معرفةِ الطريق الصحيح وأرشِدنا إليه، قوِّ هدايَتَنا وارزقنا الثبات عليه؛ فقد يكون الإنسان اليوم مهتديا وغدا من الضالين.

 

الصراطُ المستقيم دين الإسلام، ومتابعة سنة خير الأنام -عليه الصلاة والسلام-.

 

الصراط المستقيم لا يهتدي العبد إليه إلا ببذل أسبابه، بمعرفة الحق والعمل به.

 

ولَمَّا طلبَ الهِداية إلى أشرفِ طَريق، ناسَب ذلك سؤالَ أَحسنِ رفيقٍ فقال: (صِراطَ الَّذينَ أَنعَمتَ عَلَيهِم)[الفاتحة: 6].

 

(صِراطَ الَّذينَ أَنعَمتَ عَلَيهِم)[الفاتحة: 6] الذين نالوا الهداية التامة, من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.

 

وكلما استوحشتَ في تفردك فانظر إلى الرفيق السابق، وكُن نِعمَ المتابعَ له واللاحق, كيف لا؛ وهو صراط الأنبياء والصالحين، وطريق السعداء المهتدين؟!.

 

(غَيرِ المَغضوبِ عَلَيهِم وَلَا الضّالّينَ)[الفاتحة: 7]؛ إنه صراط مستقيم, مقتضٍ مخالفةَ أصحابِ الجحيم.

 

(غَيرِ) طريق (المَغضوبِ عَلَيهِم)؛ وهم الذين عرفوا الحق وتركوه، وكتموه وبدّلوه، كاليهود الذين ضلوا قصدا عن سواء السبيل، وغير صراط الضالين، كالنصارى  الذين يتعبدون على غير هدى ودليل.

 

عباد الله: إن الطريقَ الموصلَ إلى الله واحد، وهو ما بعث به الرسول وأنزل به الكتاب، إنه صراط المنعَم عليهم من أولي الألباب، لا يصل إلى الله أحد إلا منه، ولو استفتحَ كلَّ باب.

 

فعليكم بطريق الحق، ولا تستوحشوا لقلة السالكين, وإياكم وطرقَ الباطلِ، ولا تغتروا بكثرة الهالكين.

 

اللهم ارزقنا تدبر آيِ القرآن العظيم، واهدنا صراطك المستقيم، واغفر لنا ذنوبنا؛ إنك أنت الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

 

عباد الله: فما أعظمَ فضلَ الله عليكم بهذه السورة المباركة!، وما أجلَّ منَّته عليكم بقوله -تعالى- في الحديث القدسي: "قسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نِصفين, ولِعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: (الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمينَ)؛ قال الله -تعالى-: حمِدَني عبدي، وإذا قال: (الرَّحمنِ الرَّحيمِ)؛ قال الله -تعالى-: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: (مالِكِ يَومِ الدّينِ)؛ قال: مجَّدَني عبدي، فإذا قال: (إِيّاكَ نَعبُدُ وَإِيّاكَ نَستَعينُ)؛ قال الله -تعالى-: هذا بيني وبين عَبدي ولِعبدي ما سأَل، فإذا قال: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ  صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)؛ قال: هذا لِعبدي ولِعبدي ما سأل".

 

الله أكبر!, ما ألذ قلبَك وأقر عينَك وأسعد حالَك، بقول ربك ومعبودك لك: حمدني عبدني، ومجَّدني عبدي، وأثنى عليَّ عبدي.

 

فوالله لولا ما غَشي القلوبَ من الذنوب؛ لطارت بهذا الخطاب فرحًا وسرورًا.

 

وبعدُ فاتقوا الله -عباد الله-، واعرفوا قدر سورة الفاتحة, وتأملوا عظيم معانيها، وأكثروا تَرداد ألفاظها ومبانيها, صدِّقوا خبرها، وحققوا أثرها، وأكثروا تلاوتها وذكرَها.

 

ثم صلوا وسلموا على سيد ولد عدنان، من دعاكم إلى تدبر القرآن, صلوا وسلموا على من كان مريدا الخير بأمته، وأنالكم الله البركات ببعثته.

 

اللهم صل وسلم على نبينا محمد وأزواجه وذريته؛ كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على نبينا محمد وأزواجه وذريته؛ كما باركت على آل إبراهيم.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واخذل أعداءك أعداء الدين, اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة, اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، واجمع على الحق كلمتهم, ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا ووالدينا عذاب القبر والنار.

 

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ؛ فاذكروا اللهَ يذكُرْكم، واشكُروه على نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.

 

المرفقات

سورة الفاتحة فضائلها ومعانيها.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات