سبأ

عبد الرحمن بن صالح الدهش

2013-06-18 - 1434/08/09
عناصر الخطبة
1/مسكن قوم سبأ 2/بعض نعم الله على قوم سبأ 3/جحد قوم سبأ لنعم الله 4/بعض ما أنزل الله من العقوبات على قوم سبأ 5/كلمة قصيرة عما يجري للشعب السوري من مآسي

اقتباس

حديثنا إليكم -معاشر الإخوة- هذه الجمعة من أحاديث القرآن، وقصة قوم جحدوا نعم الرحمن. بل هم قوم طالت عليهم مدة النعمة فملوا، وبَطِروا، وآثروا الذي هو أدنى بالذي هو خيرٌ. فجعل اله. خبرهم أحاديث وعبرة، وفي مجازاتهم آيات وعظة. إنهم قوم سبأ قبيلة من قبائل العرب سكنوا أطراف....

 

 

 

الحمد لله رب العالمين، أثنى على الشاكرين، وتوعد الكافرين، وأشهد ألا إله إلا الله أكمل الدين، وأتم النعمة على المؤمنين، وأشهد أنَّ محمدا عبده ورسوله بلَّغ عن ربه البلاغ المبين، وجاهد في سبيله حتى أتاه اليقين.

 

أما بعد:

 

فما أقبح كفر النعمة، وما أقسى قلوب من بدَّلوا نعمة الله كفراً.

حديثنا إليكم -معاشر الإخوة- هذه الجمعة من أحاديث القرآن، وقصة قوم جحدوا نعم الرحمن.

 

بل هم قوم طالت عليهم مدة النعمة فملوا، وبَطِروا، وآثروا الذي هو أدنى بالذي هو خيرٌ.

 

فجعل الله خبرهم أحاديث وعبرة، وفي مجازاتهم آيات وعظة.

 

إنهم قوم سبأ قبيلة من قبائل العرب سكنوا أطراف الجزيرة العربية من جهة الجنوب أنعم الله عليهم بنعم شتى ابتدأ الله نعمهم بحسن المكان وجمال المسكن، فقال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ) [سبأ: 15].

 

أدرَّ الله عليهم نعماً، وصرف عنهم من البلاء نقماً.

 

وفَّر الله لهم الماء الغزير الذي هو مادة الحياة، وبه تقوم المصالح، فكان الماء يأتيهم من بين جبلين، وتجتمع إليه أيضاً سيول أمطارهم وأوديتهم، فكان من حسن رأيهم أن بنوا سداً عظيماً بين الجبلين ليتحكموا في الماء ويصرفوه لمزارعهم وحاجاتهم.

 

واستغلوا جانبي الجبلين فغرسوا أشجارهم، وأقاموا مزارعهم.

 

(جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ) [سبأ: 15].

 

فيهما أرزاقهم، ومنهما يأخذون قوتهم فلا يتكلفون طلب معيشتهم.

 

بل بلغ من رغد عيشهم ما قاله قتادة - رحمه الله -: إنَّ المرأة كانت تمشي تحت الأشجار، وعلى رأسها مكتل أو زنبيل فيتساقط من الأشجار ما يملؤه من غير أن يحتاج إلى كلفة، ولا قطاف، لكثرته، ونضجه، واستوائه.

 

وعلى إثر ذلك طابت بلادهم: (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ).

 

فحسن هواؤها، وقلَّ وخمها، وصحة أجسام أهلها.

 

امتن عليهم بعد ذلك، فقال: (كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ).

 

فأباح لهم الأكل، وأمرهم بالشكر لأنَّ الشكر قيد النعم، وسبب في زيادتها: (لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ) [إبراهيم: 7].

 

ثمَّ أتبع الله عليهم نعمة الدنيا بنعمة الدين والآخرة: ( وَرَبٌّ غَفُورٌ) [سبأ: 15].

 

تيسير في الأرض بالنعمة والرخاء، ومغفرة للذنب من رب السماء.

 

فهذه حال هؤلاء القوم في مساكنهم وخيرات أراضيهم، وأمَّا حالهم في تنقلاتهم وأسفارهم فهو التيسر لهم وعدم الكلفة في السفر والأمن التام في شتى أمورهم.

 

قال الله -تعالى-: (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ) [سبأ: 18].

 

فكانوا في أسفارهم لا تنقطع بهم القرى والمدن فما أن يخرجوا من قرية إلا ويدخلون في قرية أخرى، قرى متواصلة متقاربة، بعضها من بعض، مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها، فكانت أسفارهم نزها لهم، ومتعة في حياتهم، بحيث إن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زاد، ولا ماء، بل حيث نزل وجد ماءً وثمراً، يقيل في قرية، ويبيت في أخرى، وهم على هذه الحال حتى يصلوا إلى القرى التي بارك الله فيها، وهي بلاد الشام وبيت المقدس مسيرة أربعة أشهر.

 

وهم في كل هذا التنقل يسيرون آمنين: (سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ) [سبأ: 18].

 

فلو فقد الأمن لم يكن للنعم السابقة ذوق ولا طعم.

 

وبدأ الله بالليل فهم أمنوا في وقت يغلب فيه الخوف وينشط فيه السراق، فأمنهم في النهار أكثر وأكثر، وذكر الله أمنهم حال سفرهم فأمنهم حال إقامتهم أولى وأحرى.

 

فماذا بعد ذلك؟

 

إلا قبول النعمة، وشكر للمنعم بها، إذ كفرها خلل في العقل والفطرة قبل أن يكون ذنباً في الدين والشرعة.

 

ولكن صدَّق عليهم إبليس ظنه، وحملهم على جحد النعمة، بل ردِّها، قال الله - تعالى – عنه: (ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) [الأعراف: 17].

 

(قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [ص: 82-83].

 

فانظر إلى الشقاوة التي سبقت لقوم سبأ!.

 

طلبوا بُعْد الأسفار وكلفة التنقل، ولم يرتضوا اليسر في ذلك، كفراً للنعمة.

 

وأعرضوا عن أي شيء؟!

 

عن خالقهم الذي أمدهم وأعدهم، وعلى كثير من خلقه فضلهم.

 

أعرضوا عن توحيد الله وعبادته، وشكر نعمه.

 

قال الله - تعالى -: (فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ) [سبأ: 16].

 

أرسل الله عليهم سيل العرم، أي: سيل الهلاك، وفجَّر الله عليهم سدَّهم فأتلف جنتيهم، وخرَّب بساتينهم، وقلع أشجارهم، وصار بدلها شجرٌ لا نفع فيه.

 

تبدلت إلى شجر الأراك والأثل، والسدر وهو النبق، وهو أجود الأشجار المبدلة مع شوكه الكثير، لكنه أيضاً قليل.

 

فسبحان الله! بعد الثمار النضيجة والمناظر الحسنة، والظلال العميقة، والأنهار الجارية، تبدلت إلى ضدها.

 

فهذه حال خيراتهم ومساكنهم، وأما حالهم هم بعد الاجتماع والألفة، وقلة الكلفة، قال الله - تعالى -: (وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) [سبأ: 19].

 

فرَّق الله شملهم، وقطع وصلهم، فانتشروا في البلاد كل في ناحية.

 

(ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) [سبأ: 17].

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله...

 

فاشكروا نعمة الله عليكم، وانظروا كيف عاقبة المفسدين، انظروها في كتاب الله مسطرة، وانظروها في دول حولكم، وشعوب مجاورة لكم.

 

وإن ما تسمعونه وتشاهدونه من تلك الاضطرابات والحروب التي شنها العدو تجاه أناس ما نقموا منهم إلا أن يقولوا ربنا الله.

 

قتل بأبشع طرق القتل، وحشية قد لا تقوى عليها نفوس الحيوانات المتفرسة فهي ترحم فريستها.

 

ولكن نفوس المجرمين في بلاد الشام وغيرها قويت عليها، واستهانت بها، وتفننت في ظلمها.

 

وحال العالم كما ترون صمت مطبق، بل ذل مخزي، وهوان على الناس ومن يهن يهن الهوان عليه.

 

والدول راعية السلام، وحاملة لواء حقوق الإنسان لا تزال تبحث هل استخدام النظام السوري أسلحة كيماوية أو لم يستخدم بعد.

 

إذن ليس النقاش في قتل الشعوب المغلوبة ولكن النقاش في آلة القتل وكيفية تصفيتهم والقضاء عليهم في دورهم.

 

أيها الإخوة: هذه الأحداث لا تجري على كوكب آخر، وعلى خلق مغاير لنا.

 

إنهم على كوكبنا وعلى مقربة منا ويتوجهون إلى قبلتنا

 

شعوب تمتحن في دينها وأخلاقها وأعراضها.

 

طال ليلهم، وأشتد كربهم، ولا نشكو حالهم إلا إلى العالم بأمرهم.

 

كل هذه تجري وحظنا منها ما تنقله وسائل الإعلام.

 

ونحن في ترفنا ماضون، وأفراحنا مبتهجون، ومناشطنا ومهرجاناتنا مواصلون.

 

حتى أسفارنا وسياحتنا لم يختل نظامها غاية ما غير السائحون إثر هذه الأحداث التي تشيب لها الولدان أنها غيروا جهة سفرهم، ووجهة رحلاتهم.

 

فسبحان الله الذي خلق فسوى وقدر فهدى.

 

سبحان الذي أحصى خلقه وعددهم عداً وكلهم آتيه يوم القيامة فردا.

 

نسأل الله أن لا يغير علينا بذنوبنا.

 

وأن لا يجعل فيما نحن فيه من النعمة سبباً في أشرنا وبطرنا.

 

ألا فلنحذر المنكرات وكفران النعم، فلا يكن في حفلات أعراسنا شيء من مزامير الشيطان، من آلات الموسيقى المباشرة أو عبر وسائل التسجيل، وإنما رخص في العرس بالدف فقط يضرب في أوساط النساء، واحذروا التساهل في الاختلاط، ودخول الرجال على النساء في الأعراس أو المنتزهات وأماكن الترفيه فكل هذه مقدمات فساد عريض وشر مستطير.

 

اللهم احفظ لنا ديننا...

 

 

 

المرفقات
إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات