ساعة العسرة

عبدالعزيز بن محمد النغيمشي

2021-07-02 - 1442/11/22 2021-07-14 - 1442/12/04
التصنيفات: السيرة النبوية
عناصر الخطبة
1/الاستعداد لغزوة تبوك وسببها 2/مسير الرسول إلى تبوك ومعسكره فيها 3/سورة التوبة تفضح المنافقين 4/من بذل المؤمنين في هذه الغزوة 5/دروس وعبر من غزوة تبوك

اقتباس

ساعةُ العُسرة, كانت دعوةٌ للنفيرِ إلى مواجهةِ عدوٍ شديدٍ في بلادٍ بعيدٍ، في شدةِ حَرٍّ وظمأٍ وحاجةٍ ومسغبة, ففازَ في تلكَ العُسرةِ رجالٌ مؤمنون استجابوا سِراعاً لله ولرسولِه, وكَمْ مِنْ ساعةِ ابتلاءٍ وعُسرةٍ تَمُرُّ بالمؤمنِ, لا تُقارِبُ في قسوتها تلك الساعةِ، يستبينُ له فيها...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ, نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ, مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ, وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ, وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

 

أَمَّا بَعْدُ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102], (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1], (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70، 71].

 

أيها المسلمون: في شهر رجبَ من السنة التاسعةِ للهجرة، دعا داعي النفيرِ للخروج جهاداً في سبيل الله, في غزوةٍ هي آخرُ الغزواتِ التي قادها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بنفسه.

 

غزوةٌ عسيرةٌ شاقةٌ مُكلِفَةٌ مُؤَرِقة, طريقها بعيدٌ، وَعَدُوُّها عنيدٌ، في صميمِ صيفٍ قائظٍ، ولهيبٍ سمومٍ حارٍّ, على حينِ قِلَّةٍ في العتادِ، وضعفٍ في المؤونةِ، ونَقْصٍ في الراحلةِ والزاد!.

 

دعا داعي النفير للخروج في سبيل الله, حين طابت الثمارُ في المدينةِ، وطاب الرُّكونُ إلى الظلِ, في امتحانٍ عسيرٍ للنفوس، وابتلاءٍ شديدٍ للإيمان.  

 

غزوةٌ يُقْطعُ المسيرُ إليها ذهاباً وإياباً شهراً كاملاً من المدينةِ حتى تَبوك؛ ليواجهَ المسلمون هناكَ جيشاً عظيماً من جيوشِ الرومِ وحُلفائِهِم, الذينَ أجمعوا على غزو المدينةِ لاستئصالِ الكيانِ الإسلامي فيها كما زعموا.

 

فجاءَ التوجيهُ النبويُّ المؤيدُ بالتنزيل: أن ينفِرَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إليهم ويَغْزُوَهُم في دارِهم؛ لكسرِ شوكتِهم، ولقمعِ هيبتِهم، ولتأمينِ أرضِ المسلمين من خرابهم وفسادِهم.

 

فنادى منادي النفيرِ في المسلمين, في هذه الغزوةِ الشَّاقةِ المُكْلِفَة المُضنيةِ، فَلَم يتركْ عُذراً لمُقتَدِر: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)[التوبة: 41], ثم يأتي التوبيخُ القرآنيُ، بل التهديدُ الربانيُ لكل مُتوانٍ عن الاستجابةِ لهذا النفيرِ مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[التوبة: 38، 39].

 

فاجتمع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاثون ألفاً مِن أصحابِه، خرجوا جميعاً معه في سبيل الله, فلما دنوا مِن أرضِ تبوك، وَعَلِمَ الرومُ بمقدمِهم، قذف اللهُ في قلوهم الرُّعْبَ فانهزموا قبل أن يواجهوا رسولَ لله -صلى الله عليه وسلم- ومن معه، وتفرقوا في كُل صَوْب, فبقي رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في تَبُوك عشرين يوماً؛ مُثْبِتاً قُوَّتَه، ناشراً رسالتَه، مُؤَمِّناً أرضَ المسلمين من فَسادِ الكافرين.

 

ثُم قَفَلَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عائداً إلى المدينةِ منتصراً مؤزراً, له في قلوب أعدائهِ هيبةٌ، وله في قلوبِ المؤمنين تأييدٌ ومناصرةٌ واقتداء.

 

عباد الله: تلكم هي غزوةُ تبوك، وذلكم هو جيشُ العُسرة, جاءَ بيانُ كثيرٍ من فصولِ هذه الغزوةِ وأحداثِها مُفصلاً في سورةِ براءة.

 

غزوةٌ أظهَرَ الله فيها صِدقَ أهلِ الإيمانِ، وكَشَفَ فيها كذب أهلِ النفاق, غزوةٌ مَحَّصَتِ الصفَّ الإسلامي فَنَفَت عنهُ كُلَّ منافقٍ وَدَعيٍّ ودَخِيْل.

 

سورةُ براءة, سورةُ الفاضحة، فَضَحَت المنافقين فلم تترُك لمنافقٍ حيلةً إلا كشفتها، ولا كِذْبَةً إلا بينتها، ولا خَدِيْعَةً إلا أظهرتها, سورةٌ أظهَرَت وجَلَّتْ جُلَّ صفات المنافقين, كشفت أخلاقَهم، وفَسَّرَت مقاصِدَهم، وأظهرت ضمائرَهم؛ (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ)[التوبة: 64].

 

ومَن تأملَ ذِكْرَ المنافقين في القرآن لَمْ يجد آيةً واحدةً تَكشِفُ عن أسمائهم، وإنما كَشَفَ القرآن أوصافَهم، وأظهرَ أفعالَهم، وبَيَّنَ مقاصِدَهم؛ ليبقى المؤمنونَ على امتداد الأزمان من خطرِهم على حذر, وأظهر القرآنُ أن المنافقين مهما ادَّعوا من صلاحِ المقصدِ، ونُبْلِ الهَدَف, فإنهم كاذبون مُخادعون؛ (وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)[التوبة: 107].

 

تلكم هي غزوةُ تبوك, دعا فيها داعي النفيرِ في سبيل الله، فأعرضَ أهلُ النفاقِ عن الاستجابةِ لله ولرسوله؛ بل سعوا في بَثِّ الوهَنِ وتخذيلِ الناسِ عن النفير مع رسول الله؛ (وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ)[التوبة: 81], قال الله لهم: (قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ)[التوبة: 81], (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)[التوبة: 81].

 

وأما المستضعفون الذين عذرهم الله، فقد آلمهم أن يخرجَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مجاهداً في سبيل الله وهم قعودٌ؛ (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ)[التوبة: 92], فكتبَ الله لهم بِصدقِ نِيَّتِهِم أجرَ العاملين، وأثبت لهم ثوابَ المجاهدين, عَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه- قَالَ: رَجَعْنَا مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: "إِنَّ أَقْوَامَاً خَلْفَنَا بالمدِينةِ, مَا سَلَكْنَا شِعْباً وَلاَ وَادِياً إِلاَّ وَهُمْ مَعَنَا؛ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ"(رواه البخاري), (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)[الأعراف: 42].

 

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 

أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله-.

 

أيها المسلمون: إنها غزوةُ تبوك, سماها الله في القرآنِ؛ (سَاعَةِ الْعُسْرَةِ)[التوبة: 117], في عُسرةٍ متناهيةٍ لا نظير لها, قامَ فيها لمؤمنونَ لِرَبِهم خيرَ قيام, فأنفقوا من أموالِهم، أنفَقَ فيها عثمانُ -رضي الله عنه- مالاً كثيراً, وكان من أثرياء المهاجرين, فجاءته البُشرى من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما ضَرَّ عثمانُ ما عمل بعدَ اليومِ، ما ضرَّ عثمانُ ما عملَ بعد اليوم", وأنفقَ فيها الفقراءُ ما يقدرون عليه مِنْ مُدٍّ وصاعٍ وشيءٍ يسير.

 

والمنافقون قابضون أيديَهم لا يُنفقون, وهم مِن المؤمنينَ في سخريةٍ ولمزٍ وتشكيك؛ (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)[التوبة: 79].

 

ساعةُ العُسرةِ, أنزلَ اللهُ فيها على الأمةِ ابتلاءً شديداً, فأظهرَ فيها نفاقَ أقوامٍ كانوا بجلباب الإيمانِ يستترون, ولولا العُسرةُ والشِّدةُ والابتلاءُ لما ظَهرَ نفاقُهمْ، ولما استبانَ خَبَثُهُم, وفي كُل مواقف الشدةِ التي يُنزلها الله بالمؤمنين عبر القرون, تتكشَّفُ سوءاتٌ, وتتهاوى راياتٌ, وتُفضَحُ خفايا.

 

ساعةُ العُسرة, تخلى فيها المؤمنونَ عن كثيرٍ من حظوظِ نفوسِهم لله, فآثروا اللهَ ورسولَه على كُلِّ ما سواهما, ولكلِّ مؤمنٍ ساعةُ عُسرةٍ يبتليه الله بها، شهوةٌ تستعرُ في النفسِ، أو هوىً يعصِفُ بالقلبِ، أو غضَبٌ يَثُورُ في الفؤاد, فَمَن قادَ نَفْسَهُ في ساعةِ عُسرَته بزمامِ الإيمانِ نجا, ومَنْ تَرَدَّتْ نَفْسُه في ساعةِ عُسْرَتِه هَلَك؛ (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)[النازعات: 40، 41].

 

ساعةُ العُسرة, كانت دعوةٌ للنفيرِ إلى مواجهةِ عدوٍ شديدٍ في بلادٍ بعيدٍ، في شدةِ حَرٍّ وظمأٍ وحاجةٍ ومسغبة, ففازَ في تلكَ العُسرةِ رجالٌ مؤمنون استجابوا سِراعاً لله ولرسولِه.

 

وكَمْ مِنْ ساعةِ ابتلاءٍ وعُسرةٍ تَمُرُّ بالمؤمنِ, لا تُقارِبُ في قسوتها تلك الساعةِ، يستبينُ له فيها حُكمُ اللهِ ورسولِه، في أمرٍ أوْجَبَهُ اللهُ عَلَيْه، أو أمرٍ حَرَّمَهُ الله عليه، فيعيشُ صِرَاعاً طَوِيْلاً في القبولِ والانقياد!.

 

فَمَن كانَ لأمرِ اللهِ أسرعَ استجابةٍ؛ كان بمغفرة الله له وتوبته عليه أحرى وأقرب, (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)[التوبة: 117].

 

المرفقات

ساعة العسرة.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات