زلزال العيص

سامي بن عبد العزيز الماجد

2011-03-07 - 1432/04/02
التصنيفات: الأحداث العامة
عناصر الخطبة
1/ النظرة الإيمانية لأقدار الله 2/ استلهام العِبَر من الأحداث 3/ نار الحجاز وأشراط الساعة

اقتباس

إن المؤمن ينظر من وراء كل حدث إلى قدَر الله الذي قدَّره، وتدبيره في خلقه، ولا تقف بصيرته أمام الحوادث والكوارث دون أن تقول: قدَّر الله وما شاء فعل. هذا خَلْق الله وهذا قدَره، وبهذه النظرة الإيمانية كان -صلى الله عليه وسلم- يعيش مع الكون موصولاً بخالقه، ينظر إلى الخالق في خلقه، وإلى القدير في قَدَرِه، وإلى الحكيم في تصريفه.

 

 

 

 

أما بعد: فإن كلَّ ما في الحياة من حركة وسكون، ومن جمال خلقٍ ودِقة نظام، ومن انتظامٍ واختلال، يشهد لعظمة الخالق وقدرته، ومن وراء ذلك مشيئته وحكمته.

إن مَشاهدَ قدرةِ الباري لا تنحصر في بديع خلقه للكون وانتظام حياة الكائنات فيه؛ ولكنها تمتدُّ لمشاهد الكوارث؛ لترينا كيف هي عظمتُه -سبحانه- وقدرتُه، ولتكشفَ لنا ضعفَ العباد وعجزَهم وقلةَ حيلتهم إذا نـزل بهم أمرُ الله، لا يملكون كشفَ الضُّرِ عنهم ولا تحويلاً، (وهُو القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ) [الأنعام:18].

هنالك في أطراف أرض الحجاز زلزلت الأرض زلزالها، وكادت أن تقذفَ الأرضُ حِمَمَها، طرفةُ عين كانت هي الفارقَ بين الأمن والفزع، والطمأنينة والهلع، والسكنِ والتشرد، فُجاءةٌ تذكرنا بقوله -جل جلاله-: (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) [القمر:50].

إن المؤمن ينظر من وراء كل حدث إلى قدَر الله الذي قدره، وتدبيره في خلقه، ولا تقف بصيرته أمام الحوادث والكوارث دون أن تقول: قدَّر الله وما شاء فعل. هذا خَلْق الله وهذا قدَره، وبهذه النظرة الإيمانية كان -صلى الله عليه وسلم- يعيش مع الكون موصولاً بخالقه، ينظر إلى الخالق في خلقه، وإلى القدير في قَدَرِه، وإلى الحكيم في تصريفه، فكان إذا نزل الغيث حسر ثوبَهُ ليتلقَّى آثارَ رحمة الله، وإذا كسفت الشمس خرج فزعاً أن يكون هذا التغير نذيرَ عذابٍ على أمته.

أيها المسلمون: وينظر المؤمن إلى مشاهد الزلزال بدمارها ومآسيها نتيجة هزة أرضية لثوانٍ معدودة، فيتذكر عظيم النعمة التي تمتَّع بها طويلاً، والتي لا نعرف قدرها إلا بمشاهد فقدها. كم قرأنا الآيات وسمعنا: (أمن جعل الأرض قراراً) [النمل:61]، (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا، وَالسَّمَاء بِنَاء) [غافر:64]، (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ) [النحل:15]، ولا ندرك من عميق معناها، وعظيم المنّة بها، كما ندركه ونحن ننظر آثارَ تلك الأرض التي مادت ثوانيَ معدودات.

ويرى المتَّعظون المتدبرون آثارَ حركة يسيرة في بقعة محدودة من الأرض، فيتساءلون في تدبر واتعاظ: فكيف لو رجفت الراجفة بالأرض من أقطارها، وهزَّتْها من كل أنحائها، من أدناها إلى أقصاها؟ أي قرار بعد ذلك لأهلها؟ وأي عمار سيكون على ظهرها؟ بل كيف لو اضطربت الحركة في نظام الفَلَك بمجراته وشموسه وكواكبه؟ فكم في هذا الكون الفسيحِ من ساكن لو تحرك، أو متحركٍ لو سكن، لاضطرب نظامه، وانهار بناؤه!.

إنها نعم الله التي نتمتع بها طويلاً ولا نعرف قدرها إلا عند فقدها، (وإنْ تعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحصوها) [إبراهيم:34، النحل:18].

يقول ابن القيم -رحمه الله-: "تأمَّل خلق الأرض على ما هي عليه حين خلْقها واقفةً ساكنةً؛ لتكون مهاداً ومستقراً للحيوان والنبات والأمتعة. ولو كانت رجراجة متكفِّئة لم يستطيعوا على ظهرها قراراً ولا هدوءاً، ولا يثبت لهم عليها بناء، واعتبِر بما يصيبهم من الزلازل على قلة وقتها، كيف تضطرهم إلى ترك منازلهم والهرب عنها! وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله: وَأَلْقَى فِى الأرْضِ رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ.

وقد يُحدث الله فيها الزلازل العظام؛ ليحدث من ذلك لعباده الخوف والخشية والإنابة، والإقلاع عن معاصيه، والتضرع إليه، والندم"اهـ.

أيهاالمسلمون: لقد صح من علامات الساعة قولُه -صلى الله عليه وسلم-: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حتى تَخْرُجَ نَارٌ من أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى". رواه الشيخان.

وبصرى بلدة صغيرة في جنوب الشام، وهذه النار هي ما يعرف اليوم بالبركان، وليس ببعيدٍ أن تتكرَّر هذه الآية العظيمة، وأشهر ما وقع من ذلك كان قبل سبعِ مئةٍ وستةٍ وسبعين عاماً؛ إذ اتَّفق المؤرخون على استعظامها، حتى لقد ظن الناس أنها القيامة.

ونقل أبو شامة المقدسي عمَّن كتبوا إليه من المدينة يصفونها فقال: "جاء إلى دمشق كتبٌ من المدينة بخروج نار عندهم في خامسِ جُمادَى الآخرةِ، وكُتبت الكتب في خامس رجب والنار بحالها بعد. ووصف أحدهم كيف بدأت تلك النار العظيمة -التي هي البركان في ظاهر الأمر- فوصف في كتابه إلى أبي شامةَ بدايتَها فقال: ظهر بالمدينة دويٌّ عظيم، ثم زلزلة عظيمة، فكانت ساعة بعد ساعة إلى خامسِ الشهر، فظهرت نار عظيمة في الحرة... والله لقد خرجنا جماعة نبصرها فإذا الجبل تسيل نيرانه... يخرج من وسطها مهودٌ وجبالُ نارٍ تأكلُ الحجارةَ... نبصرها في الليل من المدينة كأنها مشاعل".

ونُقل عن آخر قوله: "ظهر بالمدينة صوت كالرعد البعيد، فبقي يومين، وفي ثالث الشهر تعقَّبه زلزالٌ ثلاثة أيام، وقع في اليوم والليلة أربع عشرة زلزلة. فلما كان يوم خامسه انبجست الأرضُ من الحَرَّة بنارٍ عظيمة، وهي برأي العين من المدينة تُشاهد، وقد سال من هذه النار واد يجري على وجه الأرض بصخر يذوب، فإذا خَمَدَ صار أسود، وقبل الخمود لونه أحمر. وقد حصل إقلاعٌ عن المعاصي، وتقرُّبٌ بالطاعات. وخرج أمير المدينة عن مظالمَ كثيرة".

وكتب قاضي المدينة في ذلك الوقت لأبي شامة يقول: "لقد والله زلزلت مرة ونحن حول الحجرة النبوية، فاضطرب لها المنبر والقناديل." اهـ.

أيها المسلمون: إن الزلازل والبراكين ليست حوادثَ مجردة، بل هي لحكمة وغاية، إنها ابتلاءٌ من الله لأقوام، وعذابٌ على آخرين، يبتلي بها بعض عباده لعلهم أن ينيبوا، ويعذب بها آخرين جزاء فجورهم وكفرهم بالله، وقد عذب بزلزلة الأرض بعض الطغاة والمتجبرين، اعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ، فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا، وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ، وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ، وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا. وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ، وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) ومن الخسف بالأرض ما يكون بسبب زلزلةِ الأرض من تحت أقدامهم.

 

 

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

 

 

أما بعد: فإن بين أحاديثَ نارِ الحجاز، وبين كثرة الزلازل في آخر الزمان ارتباطاً وثيقاً، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حتى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ... " رواه البخاري.

كما يرى أهلُ العلم أن وقوع الزلازل والبراكين في جزيرة العرب أمارةٌ على ظهور أمارةٍ من أمارات الساعة، وهي عودةُ جزيرةِ العرب مروجاً وأنهاراً كما كانت من قبل؛ وذلك بتغير تضاريس الأرض وأجوائها. قال -صلى الله عليه وسلم-: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتى يَكْثُرَ الْمَالُ وَيَفِيضَ؛ حتى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فلا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا منه، وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا". أخرجه مسلم.

وهذه الحوادث العظيمة من تتابع الفتن، وكثرة القتل، ووقوعِ الزلازل في سائر الأرض، وبلوغِها جزيرةَ العرب، وما قد يعقب ذلك من براكين وزلازل أعظم، كل ذلك -وإن كان من علامات الساعة- فإنه قد يكون إنذاراً من الله تعالى لقوم، وعذاباً على قوم، وابتلاءً لآخرين؛ إذ لا تعارض في ذلك؛ فإن ربنا -سبحانه- علام الغيوب، وهو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير؛ فيوقع عز وجل إنذاره وعذابه وابتلاءه في لحظةٍ واحدةٍ، ويكون مع ذلك كله أمارة من أمارات الساعة، وهذا من كمال قدرته، وعجيب تدبيره وصنعه.

ولا يعارض ذلك أيضاً التفسيرات العلمية للزلازل والبراكين؛ فإن ذلك كله من عند الله تعالى، وبأمره سبحانه، وتحت قهره وسلطانه، ووقوع الشيء مفسَّراً لا يجرِّده من مشاهد العبرة والعظة، ولا ينافي أن يكون آية عذابٍ أو تخويف.

وقد تكون الزلازلُ والبراكين إنذاراً لحوادث أعظم وأكبر تعقبها؛ حتى يتوب العباد من ذنوبهم، ويؤوبوا إلى ربهم، ويراجعوا دينهم، ففي رمضان من السنة نفسها التي خرجت فيها نار الحجاز احترق المسجد النبوي كله، واغتمَّ المسلمون لذلك غماً شديداً، وفيها وقع غرقٌ عظيم في بغداد أهلك خلقاً كثيراً، وأتلف زروعاً وثماراً، وهدَّم دوراً، وفيها كان مسير التترِ إلى بلاد المسلمين، وما مضت سنتان من نار الحجاز حتى استباحوا بغداد، وقتلوا أهلها، وأفسدوا فيها، وجرى على المسلمين ما يَجِلُّ عن الوصف؛ ومن سنة الله تعالى في عباده أنه ينذرهم بالآيات، ويخوفهم بالنذر عقب النذر؛ لعلهم يذَّكرون وصدق الله -جل جلاله-: (وَمَا نُرْسِلُ بِالآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) [الإسراء:59].

اللهمَّ الطف بإخواننا الفزعين في أرض "العيص" وما حولها، اللهم آمن خوفَهم، وسكِّن روعهم، وآوِهم إلى ما يحفظهم ويسترهم، واجعل لنا ولهم من كل هَمٍّ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجا، ومن كل بلاءٍ عافية.

 

 

 

 

 

المرفقات

العيص

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات