رسائل توعية للداخل ... وتحذير للخارج

عكرمة بن سعيد صبري

2021-02-07 - 1442/06/25
عناصر الخطبة
1/وجوب الحرص على أموال المسلمين 2/خطر الصراعات المفتعلة على بلاد المسلمين 3/معنى إعداد العدة لإرهاب العدو 4/وجوب الصدق والنصيحة من الراعي والرعية 5/ضرورة اتحاد المسلمين وتكاتفهم لإعادة أمجاد الإسلام 6/رسالة بشأن اعتداء فرنسا على المقدسات الإسلامية 7/رسالة بشأن الاعتداء على الأرواح 8/رسالة استنفار لحماية المسجد الأقصى

اقتباس

إن "الإرهاب" في المفهوم الإسلامي هو تخويف العدو، ولقمعه، ولمنعه من الاعتداء على المسلمين، فالإسلام هو دين العزة والقوة والمنعة...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله إِذْ لم يأتني أجَلِي، حتى اكتسيتُ من الإسلام سربالًا، الحمد لله القائل: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)[الْإِخْلَاصِ: 1-4]، بفضل سورة الإخلاص: اللهمَّ لا تُحوِجْنا إلى أحد، وأَغْنِنا يا ربِّ عن كل أحد، يا مَنْ إليه المستنَد، وعليه المعتَمَد، عاليًا على العلا، فوق العلا، فردٌ صمدٌ، منزَّه في مُلكِه، ليس له شريكٌ ولا ولدٌ، فأنتَ الواحدُ الأحدُ.

 

ونشهد ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، أمَرَنا بقول الحق والصدق، وإقامة العدل، ونهانا عن الظلم والكفر والفسوق والعصيان، وحرَّم التبعيةَ لدول الاستعمار والاستكبار، اللهم احرُسْنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا بعزِّك الذي لا يضام، واكلَأْنا برعايتك في الليل والنهار، في الصحارى والآجام، ونشهد أنَّ سيدَنا وحبيبَنا وقائدَنا وشفيعَنا محمدًا عبدُ اللهِ ونبيُّه ورسولُه، الذي أحبَّ أمتَه، ودافَعَ عنها، وتشفَّع لها عند رب العالمين؛ بقوله: "أُمَّتي يا ربِّ، أُمَّتي يا ربِّ، أُمَّتي يا ربِّ"، صلَّى اللهُ عليكَ يا حبيبي يا رسول الله، وعلى آلِكَ المطهَّرين المبجَّلين، وصحابتِكَ الغرِّ الميامينِ المحجَّلِينَ، ومن تبعكم وجاهَد جهادَكم إلى يوم الدين.

 

أما بعدُ: فيقول الله -عز وجل- في سورة البقرة: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا)[الْبَقَرَةِ: 217]، ويقول سبحانه وتعالى في سورة الأنفال: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ)[الْأَنْفَالِ: 36]، صدق الله العظيم.

 

أيها المسلمون، يا أحبة الله، أيها المرابطون، أيتها المرابطات، وكلنا مرابطون: أتدرون أين تذهب أموال المسلمين في هذه الأيام؟ إنها تذهب إلى دول الكفر والاستعمار والاستكبار؛ لتزويد بعض الدول العربية والإسلامية بالأسلحة الفتَّاكة؛ ليقتل المسلمُ أخاه المسلم، ولتدمير بلاد المسلمين، ونهب ثرواتهم، وتشريد شعوبهم وإزهاق أرواحهم، وتيتيم أطفالهم. والسؤال: لماذا كلُّ ذلك؟ والجواب: إنه كما يزعمون لمحاربة ما يسمَّى بالإرهاب، بأوامر دول الكفر والاستعمار والاستكبار، هذه الدول التي تفتعل الصراعات الداخلية، في بلاد المسلمين، لترويج الأسلحة الفتَّاكة، ثم تقطف هذه الدول المستعمِرة المجرِمة، تقطف ثمار ذلك سياسيًّا واقتصاديًّا، ثم تهدف هذه الدول لترسيخ الاحتلال لفلسطين، ولفرض الهيمنة والسيطرة على المسجد الأقصى المبارك؛ وذلك من خلال ما يسمى بصفقة القرن المزعومة.

 

أيها المسلمون، يا أتباع محمد -صلى الله عليه وسلم-، أيها المرابطون، أيتها المرابطات، وكلنا مرابطون: هل أدرَك المسلمون وغير المسلمين معنى قوله -تعالى- في سورة الأنفال: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)[الْأَنْفَالِ: 60]؟ فإن إعداد القوة هو حماية للمسلمين، وهو أيضًا إرهاب للعدو؛ أي تخويف العدو، وليس للاعتداء عليه، إنما لتخويفه حتى لا يتجرأ، وحتى لا يعتدي أحد على المسلمين؛ لذا فإن الإرهاب في المفهوم الإسلامي هو تخويف العدو، ولقمعه، ولمنعه من الاعتداء على المسلمين، فالإسلام هو دين العزة والقوة والمنعة، أمَّا الإرهاب بالتفسير الغربي هو الاعتداء على الآخَرين بدون حق، وهذا التفسير ينطبق فعلًا على الدول المستعمرِة المستكبِرة نفسِها، التي تعتدي على المسلمين، فهي هذه الدول الإرهابية، وهي التي أشعلَتِ الحروبَ في العالَم، وهي التي قامت بالاعتداء والهجوم على ديار الإسلام سابقًا ولاحقًا، منذ حروب الفرنجة الصليبية وحتى الآن.

 

نعم أيها المسلمون، أما ديننا الإسلامي العظيم فهو دين العزة والعدالة والكرامة، وقد جاء أيضا لإسعاد البشرية جمعاء، ولم يأتِ لقتل الناس.

 

أيها المسلمون، يا أتباع محمد -صلى الله عليه وسلم-، أيها المرابطون، أيتها المرابِطات: أين نحن من فَخَار سيدنا أبي بكر الصديق، الخليفة الأول -رضي الله عنه-؟ الذي قال حينَ تولِّيه الإمامةَ: "أيها الناس، إني قد وُلِّيتُ عليكم، ولستُ بخيركم، فإن أصبتُ فأعينوني، وإن أخطأتُ فقوِّموني، أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإن عصيتُ الله فلا طاعةَ لي عليكم"، هذه -أيها المسلمون- فقرة من فقار أبي بكر الصديق للرعية؛ إنها عبارات إيمانية، إنها عبارات سياسية حضارية، فهل نسمع مثل هذه العبارات من حكام هذا اليوم؟ وهل يجرؤون ويستطيعون أن يقولوا ويصرحوا بمثل ما صرح به أبو بكر الصديق رضي الله عنه؟

 

أيها المسلمون، يا أبناء أرض الإسراء والمعراج: أين نحن من سياسة أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-؟ تجاه الرعية؛ إنه يحثُّ الناس على قول الحق والصدق بقوله: "لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها"، أكرِّر هذه العبارةَ: "لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها"، أي: لا خير في الشعب إن لم يقولوا الحق والصدق والنصيحة ولا خير في الحكام إن لم يسمعوا لهذا الصوت؛ صوت الناس.

 

أيها المسلمون، يا أبناء أرض الإسراء والمعراج: إنه يتوجَّب على المسلمينَ؛ جميعِ المسلمينَ أن يلتزموا بأوامر الله -سبحانه وتعالى-، وأن يُعِيدُوا أمجادَهم التالدة، وأن يوحِّدوا صفوفهم، وأن يحتكموا لكتاب الله، ولسنة رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم-، إن حبيبكم محمدًا -عليه الصلاة والسلام- يخاطبكم في أخريات حياته، من حديث مطوَّل: "فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديينَ، عَضُّوا عليها بالنواجذ"؛ إنه -عليه الصلاة والسلام- يتوسَّم فيكم الخير، فلا تخذلوه، ولا تتخلَّوْا عن سُنَّتِه، إنه ينتظركم على الحوض يومَ القيامة، فهنيئًا لمن اجتاز الصراط؛ ليشرب من حوضه الشريف شربةً لن يظمأ بعدها أبدًا، وتعسًا لمن أشرك بالله، وتبًّا لمن تنكَّر للقرآن الكريم وللسنة النبوية المطهَّرة، تعسًا لمن طبَّع وهروَل نحوَ الاحتلال، تعسًا لمن تنكَّر للرواية الإسلامية، وتعسًا لمن ارتكب الخيانة العظمى، بالتفريط في البلاد، أو تسريب الأراضي والبيوت والعقارات، ورسولنا الكريم الأكرم -صلى الله عليه وسلم- يقول: "مَا ‌مِنْ ‌عَبْدٍ ‌يَسْتَرْعِيهِ ‌اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ غَاشًّا لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ".

 

أيها المسلمون: لا شفاعة للخائنين، لا شفاعة للمتهتِّرين؛ إنما الشفاعة للمسلمين المؤمنين، الموحِّدين الصادقين، المتوضئين، المخلِصين لدينهم ولجهادهم، ولأوطانهم المقدَّسة، جاء في الحديث النبوي الشريف: "إِذَا رَأَيْتَ أُمَّتِي تَهَابُ الظَّالِمَ أَنْ تَقُولَ لَهُ: إِنَّكَ ظَالِمٌ، ‌فَقَدْ ‌تُوُدِّعَ ‌مِنْهَا" صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

ادعُوا اللهَ وأنتم مُوقِنون بالإجابة.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا محمد النبي الأمي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارِكْ على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركتَ على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، في العالَمين إنك حميد مجيد.

 

أيها المصلوُّن، يا أبناء أرض الإسراء والمعراج: أتناول في هذه الخطبة ثلاث مشاكل بإيجاز؛ وهي:

 

الرسالة الأولى: بشأن العداء السافر من فرنسا للإسلام، فقد قام أحد الفرنسيين الحاقدين، خلال هذا الأسبوع بحرق نسخة من القرآن الكريم، وبشكل علني، وذلك في إحدى المدن التي تقع شرقيَّ فرنسا، دون مساءلة ولا حساب لهذا الحاقد، وقد سبَق للحكومة الفرنسية أن أغلَقَت ما يزيد عن ثلاثين مسجدًا؛ بحجة دعوى الإرهاب والعنف، ونحن نرى أن هذا الإجراء الظالم هو إجراء كيديّ، يستهدِف الإسلامَ، قبل أن يستهدف المسلمين الفرنسيين، بالإضافة إلى ذلك أن الرئيس الفرنسي قد قام بعدة تصريحات محمومة، ولم يعتذر، وأيضا أن وزير الداخلية الفرنسي مؤخَّرًا بمعاداته للإسلام، كل ذلك لأنهم لم يجدوا -مع الأسف- مواقفَ حازمةً مِنْ قِبَل الملوك والرؤساء العرب والمسلمين، حتى يرتدع الرئيس الفرنسي عن مواقفه.

 

أما الشعوب العربية والإسلامية فقد انتفَضَتْ؛ نُصرةً لحبيبها محمد -صلى الله عليه وسلم-، وغضبت غضبتها الإيمانية، وقاطعت البضائع والمنتَجات الفرنسية؛ فتحيةً لها، مِنْ على منبر المسجد الأقصى المبارَك، تحيةً لشعوب العرب والمسلمين.

 

أيها المصلون، يا أبناء أرض الإسراء والمعراج: الرسالة الثانية بشأن القتل المتعمَّد؛ نعم بشأن القتل المتعمَّد، واستخدام السلاح ضد بعضنا بعض، فإنه لا يزال مستمرًّا، وبخاصة في مدينة القدس وضواحيها، وكذلك في الوسط العربي، في مناطق ثمانية وأربعين، ونتيجةً لذلك تزُهَق الأرواح، ويُيتَّم الأطفال، تُرمَّل النساء، ولا يدري القاتل العمد بأنه لا توبةَ له، ولا يُدرِك النتائج السلبية لجريمته البشعة، هذا وأطالب أهلَ المقتول ألَّا يسامحوا القاتل العمد؛ حتى يلاقي مصيره المحتوم، إلى جهنم وبئس المصير، حيث لا توبة له؛ هذا وقد سبَق أن أصدرتُ فتوى شرعية بذلك، في الوقت نفسه نُحمِّل سلطاتِ الاحتلال المسئوليةَ الكاملةَ، عن حماية أرواح المواطنين، فهي ملزَمة بذلك؛ حسب القوانين والأعراف الدولية، اللهمَّ هل بلغتُ؟ اللهمَّ فاشهَدْ.

 

أيها المصلون، يا أهل فلسطين المبارَكة المقدَّسة: الرسالة الثالثة والأخيرة: بشأن المسجد الأقصى المبارك وساحة البراق؛ فالبرغم من وباء كورونا فإن الاقتحامات العدوانية للمسجد الأقصى المبارك لا تزال مستمرة، بل في تزايُد؛ وذلك مِنْ قِبَل الجماعات اليهودية، في حين يُضيَّق على المقدسيين باسم وباء كورونا، وبخاصة في البلدة القديمة التي في القدس؛ وبالتالي يُحاصَر المسجد الأقصى المبارَك؛ بهدف التقليل من عدد المصلين المسلمين، بالإضافة إلى التضييق على الحرَّاس واتِّباع سياسة الإبعاد بحقهم، كل ذلك لفرض واقع جديد، في باحات الأقصى المبارَك، وسبق أن أعلنا موقفنا الإيماني الاستراتيجي مرارا، وبكل صراحة ووضوح: أن المسجد الأقصى المبارك بجميع ساحاته ومرافقه، هو أقصى، وهو للمسلمين وحدهم، وأن جميع الإجراءات التي تقوم بها سلطات الاحتلال هي باطلة، ولن تُكسِبَهم أيَّ حق في الأقصى، هذا وقد وقفَتْ منظمةُ "اليونسكو" إلى جانبنا، إلى جانب الحق في هذا الموضوع. اللهمَّ هل بلغتُ؟ اللهمَّ فاشهَدْ.

 

أمَّا بالنسبة لساحة البراق: فهي وقفٌ إسلاميٌّ، ولا يجوز الاعتداء عليها، ونرفض الحفريات التي تجري فيها، بل إن سلطات الاحتلال تهدف إلى تغيير طابع المنطقة، وإلى تغيير الآثار الإسلامية، ونؤكِّد أن هذه الإجراءات هي باطلة أيضا، وما يُنبى على الباطل فهو باطل. اللهمَّ هل بلغتُ؟ اللهمَّ فاشهَدْ.

 

ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نقول: حَمَاكَ اللهُ يا أقصى، قولوا: آمين.

 

أيها المصلُّون: الساعةُ ساعةُ استجابةٍ، فَأَمِّنُوا.

 

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وفرِّج الكربَ عنا، وعليكَ بِمَنْ آذَانَا، اللهم احفظ المسجد الأقصى من كل سوء، اللهم هيِّئْ للمسلمين مَنْ يحذو حذوَ صلاح الدين، اللهم يا الله، يا أمل الخائفين، ويا نصير المستضعَفين، ندعوك بكل يقين، لإعلاء شأن المسلمين، بالنصر والعز والتمكين، اللهم إنَّا نسألك توبةً عند الممات، ورحمةً وعفوًا، اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمتَي الحقِّ والدينِ، اللهم اغفر لأمهاتنا وآبائنا، وللمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.

 

وأقم الصلاة؛ (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[الْعَنْكَبُوتِ: 45].

المرفقات

W6xYjKLxbxZpATSs37x3ynGcpQp0TE0lxwTbbz1S.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات