ذكر شيء من نعيم الجنة

محمد بن صالح بن عثيمين

2015-10-10 - 1436/12/27
عناصر الخطبة
1/الحث على المسارعة إلى الجنة 2/أبواب الجنة 3/بناء الجنة وغرفها 4/شجر الجنة وغراسها وفواكهها 5/أواني أهل الجنة 6/بعض صفات الحور العين 7/خلود أهل الجنة ورضوان الله عليهم 8/رؤية أهل الجنة لربهم عيانا بأبصارهم 9/بعض الصفات المؤهلة لدخول الحنة

اقتباس

بناؤها لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، ملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران.
فيها غرف يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها. للمؤمن فيها خيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون ميلا. في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر في ظلها...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي جعل جنات الفردوس لعباده المؤمنين نزلا، ونوع لهم الأعمال الصالحة ليتخذوا منها إلى تلك الجنات سبلا.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي شمر للحاق بالرفيق الأعلى والوصول إلى جنات المأوى، ولم يتخذ سواها شغلا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما تتابع القطر والندى، وسلم تسليما.

 

أما بعد:

 

أيها الناس: اتقوا الله -تعالى-: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)[آل عمران: 133- 136].

 

سارعوا إلى دار، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

 

مفتاحها؛ قول: "لا إله إلا الله" وأسنانها؛ شرائع الإسلام؛ فمن جاء بمفتاح له أسنان فتح له، ومن جاء بمفتاح بلا أسنان أوشك أن لا يدخل.

 

أبوابها ثمانية؛ فمن أنفق زوجين في سبيل الله دعي من أبواب الجنة -يا عبد الله- هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، وقد يدعى الإنسان من جميع الأبواب.

 

ما بين مصراعين من مصاريعها كما بين مكة وهجر.

 

بناؤها لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، ملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران.

 

فيها غرف يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها.

 

للمؤمن فيها خيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون ميلا.

 

في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر في ظلها مئة عام لا يقطعها، قال ابن عباس -رضي الله عنهما- في قولـه تعالى: (وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ)الواقعة: 30].

 

قال: "الظل الممدود" شجرة في الجنة على ساق ظلها قدر ما يسير الراكب في نواحيها مئة عام، يخرج إليها أهل الجنة أهل الغرف وغيرهم، فيتحدثون في ظلها.

 

غراسها؛ "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر".

 

جنتان: (فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ)[الرحمن:52].

 

وجنتان: (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ)[الرحمن:68].

 

وليست تلك الفواكه والنخل والرومان كهيئتها في الدنيا، وإنما الاسم هو الاسم، والمسمى غير المسمى.

 

قد ذللت: (قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا)[الإنسان: 14].

 

إن قام تناولها بسهولة، وإن قعد تناولها بسهولة، وإن اضطجع تناولها بسهولة.

 

 

كلما قطع منها شيئا خلفه آخر: (كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً)[البقرة:25].

 

في اللون والهيئة، مختلفا في الطعم.

 

(وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)[مريم:62].

 

(يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ)[الدخان:55].

 

من الموت آمنين، من الهرم آمنين، من المرض آمنين، من كل خوف، ومن كل نقص في نعيمهم، أو زوال: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ)[هود:108].

 

(فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ) أي لم يتغير ولا يتغير أبدا

 

(وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ) بحموضة ولا فساد.

 

(وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ) لا يصدع الرؤوس، ولا يزيل العقول.

 

(وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى) تجري هذه الأنهار من غير حفر سواق، ولا إقامة أخدود، يصرفونها كما يشاؤون.

 

(وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ) في جمالهم وانتشارهم في خدمة أسيادهم: (لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا)[الإنسان:19].

 

يطوفون: (عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ * بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ)[الصافات: 45- 46].

 

(بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا)[الإنسان: 15-16].

 

يعطى الواحد منهم قوة مئة في الطعام والشراب، ليأكلوا من جميع ما طاب لهم، ويشربوا من كل ما لذ لهم، ويطول نعيمهم بذلك، ثم يخرج طعامهم وشرابهم جشاء ورشحا من جلودهم كريح المسك، فلا بول ولا غائط، ولا مخاط لهم.

 

(فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ)[آل عمران:15] من الحيض والنفاس والبول، وكل أذى وقذر.

 

(هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِؤُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ)[يــس: 56- 58].

 

أنشأهن الله إنشاءً: (فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا) [الواقعة:36] كلما جامعها زوجها عادت بكرا، وجعلهن: (عُرُبًا أَتْرَابًا)[الواقعة:37].

 

والعروب، هي: المرأة المتوددة إلى زوجها.

 

(أَتْرَابًا) على سن واحد.

 

فيها: (مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)[الزخرف:71].

 

(لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا)[الكهف: 108].

 

ولا هم عنها مخرجون.

 

ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا.

 

وفوق ذلك كله: أن الله أحل عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم أبدا.

 

وفوق ذلك كله ما يحصل لهم من النعيم برؤية ربهم البر الرحيم الذي منَّ عليهم، حتى أوصلهم بفضله إلى دار السلام والنعيم، فإنهم يرونه عيانا بأبصارهم، كمـا قـال تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)[القيامة: 22 – 23].

 

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر؛ فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها؛ فافعلوا"[البخاري ومسلم].

 

فإن سألتم عن أهل هذه الجنات، وساكني تلك الغرفات، فهم الذين وصفهم الله في محكم الآيات بقوله: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)[المؤمنون: 1- 11].

 

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل.

 

اللهم تب علينا واغفر لنا وارحمنا؛ إنك أنت التواب الغفور الرحيم.

 

 

المرفقات

شيء من نعيم الجنة

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات