خمس وصايا تجاه ما يحل بالمسلمين من محن ورزايا وخاصة في مصر والشام

أحمد بن ناصر الطيار

2013-08-28 - 1434/10/21
عناصر الخطبة
1/ الأمة تمر بأزمات عصيبة 2/ وصايا للأمة تجاه ما يحل بالمسلمين 3/ التحذير من الاشتراك في الظلم 4/ الابتعاد عن ذكر الجماعات بأسمائها 5/ أن لا يفتي في قضايا الأمة من لا علم له 6/ أن لا تكون الأزمة سببًا للتفرق 7/ الاتحاد ضد العدو العلماني

اقتباس

الأمة تمرُّ بأزماتٍ عصيبة، وصراعاتٍ وخلافاتٍ شديدة، جعلت الكثيرَ من الناس يخوض فيها، بتحليلاتٍ وتصنيفاتٍ مَقيتة، بلا علمٍ ولا دليل، سوى ما يسمعه من التخمينات والأباطيل. فأُوصيكم ونفسي بِخَمْسِ وَصَايا، تِجَاهَ ما يَحلُّ بالْمُسلِمِينَ مِنْ الْمِحَنٍ وَالرَّزَايَا، مبنيَّةً على الدليل والبرهان، بعيدةً عن العواطف والْمُحاباة.

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيراً. 

 

أما بعد:

 

فاتقوا الله -عباد الله-، واعلموا أنَّ الأمة تمرُّ بأزماتٍ عصيبة، وصراعاتٍ وخلافاتٍ شديدة، جعلت الكثيرَ من الناس يخوض فيها، بتحليلاتٍ وتصنيفاتٍ مَقيتة، بلا علمٍ ولا دليل، سوى ما يسمعه من التخمينات والأباطيل.

 

فأُوصيكم ونفسي -يا أمةَ الإسلام- بِخَمْسِ وَصَايا، تِجَاهَ ما يَحلُّ بالْمُسلِمِينَ مِنْ الْمِحَنٍ وَالرَّزَايَا، مبنيَّةً على الدليل والبرهان، بعيدةً عن العواطف والْمُحاباة.

 

الوصيةُ الأولى: أنْ نحذر أشدَّ الحذر: أنْ نكون شركاءَ الظالمين والمجرمين، وذلك بتبريرِ أفعالهم، واعتبارِهم أنَّهُم على حقٍّ فيما يقومون به، والنبيلِ مِمَّن خالفهم ووقف في وجههم، ولَمْزِهِمْ بأنهم حزبيُّون ومُتشدِّدون.

 

فلْنتق الله -يا أمةَ الإسلام-، فالكثير من القنوات تنقل الصورةَ على غير حقيقتها، بل تنقل الأخبار على حسب أهوائها وأهواء مُلاَّكها.

 

فما علينا إلا أنْ ندعو للمظلومين، وندعو على الظالمين، فكلُّ ظالمٍ ومظلومٍ على وجه الأرضِ ستصيبه دعوتنا، فنكونُ قد أبرأنا ذمتنا، وناصرنا إخواننا، ووقفنا في وجه أعدائنا، هذا بالنسبة لعامة الناس، أما بالنسبة للعلماء وأولي الأمر، فيزيدون على ذلك بما لا مَجَال في هذا المنبر لطرحه.

 

الوصيةُ الثانية: أنْ نبتعد عن ذكر الأسماء والجماعات، في منابرنا ومَجالسنا العامة، فإنَّ ذلك لا يُقدِّم ولا يُؤخر، وما يُحدثه من الشر أكُّثرُ ممَّا يُحدثه من الخير.

 

واعلموا -يا أمة الإسلام- أنَّ الصدعَ بالحق لا يعني التصريح دائمًا، بل إنَّ الحكيم العاقل: هو الذي يقول كلمةَ الحق بلا تبعاتٍ سيِّئةٍ لها، والمتهورَ الْمُندفع: هو الذي يُطلق التصريح في أمرٍ يُغني عنه التلميح، وخاصةً إذا ترتب على تصريحه ما يُسبب فرقةً، ويُحمل كلامُه على أسوأ محمل.

 

وإنَّ لنا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أُسوةً حسنة، فقد كان كثيرًا ما يُلمِّحُ ولا يُصرح، وذلك لأنه يُريد أنْ يُؤلفَ بين القلوب، لا أنْ يفضحَ ويتشفَّى بذكرِ العيوب.

 

تقول عائشةُ -رضي الله عنها-: كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، إذا بلغه عن الرجل شيئًا لم يقل: ما بال فلانٍ يقول كذا؟! ولكن يقول: ما بال أقوامٍ يقولون كذا وكذا؟!

 

هكذا كان -صلى الله عليه وسلم- يقول، عندما يرى خطأً صريحًا.

 

فمن الخطأ أنْ نعتقد أنَّ الشجاعة الْمحمودة: هي في التصريح دائماً، والكلامِ عن كلِّ شيء، ولو ترتب على ذلك مضرَّةٌ للقائل أو لغيره.

 

فهذا أَبو هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- يقول: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وِعَاءَيْنِ -أي نَوْعَيْنِ مِنْ الْعِلْم-، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ. رواه البخاري.

 

قال ابن حجرٍ -رحمه الله-: "وَحَمَلَ الْعُلَمَاءُ الْوِعَاء الَّذِي لَمْ يَبُثّهُ عَلَى الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا تَبْيِين أَسَامِي أُمَرَاء السُّوء، وَأَحْوَالهمْ وَزَمَنهمْ، وَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَكُنِّي عَنْ بَعْضه وَلَا يُصَرِّح بِهِ، خَوْفًا عَلَى نَفْسه مِنْهُمْ، كَقَوْلِهِ : أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ رَأْس السِّتِّينَ، وَإِمَارَة الصِّبْيَان، يُشِير إِلَى خِلَافَة يَزِيد بْن مُعَاوِيَة؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ سَنَة سِتِّينَ مِنْ الْهِجْرَة". انتهى كلامه.

 

فليس من الحكمة ولا من الشجاعة في شيء: أنْ نُصرح بأسماء الأمراء والرؤساء، إذا ترتب عليه فتنةٌ وبلاء، وخاصةً في منابرنا ومجالسنا، التي ينبغي أنْ نَطرح فيها ما يجمع القلوب، ويُوحِّد الصف.

 

الوصية الثالثة: أن لا يُفتيَ ويخوضَ بقضايا الجهاد وقضايا الأمة المصيرية، مَنْ لم يُحط بالواقع والحال، فلا يحقُّ له ذلك ولو كان عالماً ومُفتيًا.

 

كما لا يحقّ لمن لم يكن عالمًا مُتضلِّعًا في العلم، أن يُفتي ويخوضَ فيها ولو كان عارفًا بالواقع والحال، ومن باب أولى: من لم يكن عالماً ولا عارفًا بالواقع، كحال الكثير من العلمانيِّين والجاهلين، وحال الكثير من عامةِ الناس في مجالسهم. 

 

قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "والواجب أن يعتبرَ في أمور الجهاد، برأي أهل الدين الصحيح، الذين لهم خبرةٌ بما عليه أهل الدنيا، دون أهلِ الدنيا، الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين، فلا يؤخذ برأيهم، ولا برأي أهل الدين، الذين لا خبرة لهم في الدنيا". انتهى كلامه.

 

الوصيةُ الرابعة: أن لا تكون سبباً في تفرقتنا واختلافنا.

 

وإن الملاحظ علينا -معاشر المسلمين- أنَّ أدنى أزمةٍ تمر بنا أو بالمسلمين: من شأنها أنها تُفرقنا لا أنْ تجمعنا، والعقل والدين يقتضيان: أنْ تكون الأزماتُ عواملَ جمعٍ لا تفرقة، ومُحاورة لا مُناحرة.

 

لماذا لا نفعل في هذه الأزمات الشديدة، وعند اختلاف وجهات النظر الكثيرة -ولو كانت سيئةً وخاطئة- كما كان يفعل قدوتنا وإمامنا -صلى الله عليه وسلم-، عندما تمرُّ به أمثالُ هذه الأزمات العصيبة؟!

 

ولنأخذ مثالاً لذلك: حينما فعل حاطب فعلته التي هي بظاهرها خيانةٌ، لا يختلف اثنان بخطئه واستحقاقه للتعزير والتأنيب، فهل أصدر -صلى الله عليه وسلم- أوامره بقتله، أو على الأقل بسبِّه وشتمه؟! مع أنه تحقق من قبح صنيعه بالوحي من السماء؟! لا، بل استدعاه وحاوره وناقشه، فلمَّا أبدى عذره لم يره كافيًا في تبرير فعلته، لكنه عفا عنه لكونه ممَّن شهد بدرًا.

 

وحينما مرَّت أزمةٌ خطيرةٌ جدًا، وهي حادثة الإفك، وما حصل من كلام المنافق عبد الله بن أبي، وما تلاه من تصريح بعض الصحابة الكرام، فيقف -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على المنبر ويقول: "مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي"، فدبَّ الخلافُ بينهم، واختلفتْ وُجهاتُ نظرهم، حتى وصل الأمر إلى السبابِ والاتِّهَامات، فما كان منه إلا أنْ نَزَلَ فَخَفَّضَهُمْ حَتَّى سَكَتُوا.

 

أزماتٌ مرَّتْ به وبأصحابه، وأحداثٌ شديدةٌ تعرَّضوا لها، فكان لا يدع فرصةً للخلاف أنْ يحل، ولا لِرأس الفتنة أنْ يُطل.

 

ولو كانت هذه وأمثالها في وقتنا، ماذا كانت ستُحدث من التفرقة والتناحر؟! ليس بين عوام الناس، بل بين العلماء وطلاب العلم، كم ستختلف وجهات النظر في تفاصيلها، التي من شأنها أن تُحدثَ شرخًا كبيرًا فينا، لا أنْ تبني صرحًا يجمعنا.

 

فكان -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في كلِّ هذه الأزمات، يجمع بين القلوب الْمُتنافرة، فيعفو عن هذا؛ لئلا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه، ويُسامح هذا؛ لأنه وجد له عذرًا يدرأ به عن عرضه ودمه.

 

فيا ليت أهلَ العقلِ والحكمةِ والعلم، يتواصلون فيما بينهم عند اشتداد الأزمات، لا أنْ يُجرح بعضهم بعضاً، فإنَّ التجريح والسب سهلٌ لا يُكلف شيئاً، ولكنَّ الشأن كلَّ الشأن: فيمن يلتمس الأعذار لهم، ويتصلُ بهم، أو يذهب بنفسه إليهم -إن استطاع-.

 

عندما جاءت أحداث مصر الحبية، وأرض الكنانة الجريحة، من الطبيعي أنه ستختلف وجهات النظر، وهذه طبيعة البشر، فحينما أدلى بعض أهل العلم بدلوه، وقال برأيه، وما يدين به ربَّه، رأينا طرفاً آخر يُهاجمهم ويُجرحهم، أليس الأولى بهم أنْ يتصلوا بهم ويستفسروا منهم؟! أو يُناصحوهم ويتواصلوا بينهم؟!

 

وأقلُّ الواجب على مَن أراد أنْ يردَّ على مَنْ أخطأ: أنْ يردَّ على قوله لا على شخصه، خاصةً إذا كان من أهل الفضل والدين.

 

فما أشدَّ أنْ يكون خصومُنا يوم القيامة العلماء، أو الدعاةِ والمصلحين الفضلاء، الذين قد يكونون قد أخطؤوا في نظرنا، ولكنْ لا يُبرِّرُ لنا ذلك أن نُجَرِّحَهُم، أو نشكك في أمانتهم ودينهم، كيف ننسى ما قدموه وبذلوه قبل ذلك.

 

فيا من وقعت في أعراضهم، اتق الله وحاسب نفسك، فإنَّ لحوم العلماء مسمومة.

 

نسأل الله تعالى أن لا يجعل بأسنا بيننا، وأنْ يحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، إنه سميعٌ قريبٌ مُجيب.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

 

والوصيَّةُ الخامسة -أيها المسلمون- أنْ نعمل بالقاعدة المهمَّةِ التي تقول: إذا حاربَ العدوُّ من العلمانيِّين وغيرِهم أهلَ الإسلام: فيجب علينا أنْ نتَّحدَ ضدَّه، ولا نشتغلَ بالتصنيفات، وذكرِ معايبِ بعض الجماعات الإسلامية.

 

وقد ذكر العلاَّمةُ الألبانيُّ -رحمه الله- الذي كان يُنافح عن السنة الْمُطهَّرة، ويُنكر على كثيرٍ من الجماعات بشتَّى أنواعِها، أنه يجب أنْ يتوقف الإنكار عليها في حالةٍ واحدة: إذا حصل حربٌ وصراعٌ بين الإسلام وبين العلمانيَّة، يقول -رحمه الله-: "ففي هذا الوضع، ما ينبغي الدخول في هذه التفاصيل، ما دامت الجماعةُ الإسلامية كلُّها ضدَّ هذه الهجمةِ الشرسةِ العلمانية، فهنا ما فيه مجالٌ أن يقول: هؤلاء من الإسلاميين، هؤلاء على الحق، وهؤلاء منحرفون قليلاً عن الحق، وهؤلاء منحرفون كثيراً عن الحق، فهنا لا ينبغي لأحدٍ، أن يُريَنا موقفه المحددَّ الدقيقَّ، عن كلِّ هذه الجماعات الإسلامية، لأنه لكلِّ مقامٍ مقال". انتهى كلامه -رحمه الله-.

 

فاتقوا الله -معاشر المسلمين- واشْتغلوا بالعدوِّ الْمُتَّفَقِ على عداوته، وتُسفَكُ دماءُ الْمُسلمين على يده، واتركوا من لم تتحققوا فساد منهجه، وانحرافَ مُعتقده، مِن أفرادٍ وجماعات، فإنكم مسؤولون عن ذلك يوم القيامة: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا).

 

نسأل الله تعالى أنْ يجمع شمل المسلمين، ويخذُلَ الكفار والمنافقين، إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.

 

 

 

 

 

المرفقات

وَصَايا، تِجَاهَ ما يَحلُّ بالْمُسلِمِينَ مِنْ مِحَنٍ وَرَزَايَا، وخاصةً في مِصر والشام

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات