خطر وضرر الشكاوى الكيدية والدعاوى الباطلة

عبد الله بن علي الطريف

2021-01-15 - 1442/06/02 2021-11-20 - 1443/04/15
التصنيفات: قضايا اجتماعية
عناصر الخطبة
1/تحريم الظلم 2/تعريف الشكاوى الكيدية 3/التحذير من هذه الشكاوى 4/تحريم أكل أموال الناس بالباطل 5/النهي عن الدفاع عن الظلمة

اقتباس

فالوكيل إذا علم أن موكله مُبْطِلٌ في دعواه، لم يحل له أن يخاصم عنه لخيانته, كما قال -تعالى-: (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا)[النساء: 105]؛ أي: لا تُخَاصِمْ عَنْ مَنْ عَرَفْتَ خِيَانَتَه، مِنْ مُدَّعٍ ما لَيْسَ لَهُ، أو مُنْكِرٍ حَقًّا عَلَيْه، سواء علم ذلك أو ظنه...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام, وحبانا بالأمن والأمان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الديان، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله خير الأنام, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما تعاقب الجديدان.

 

أما بعد (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]

 

أيها الإخوة: اختلاف الناس وتقاضيهم سنة بشرية، ومن توفيق الله لأي أمة أن يكون القضاء فيها وفق شرع الله ومنهاجه، وعلى كل مسلم أن يحذر الظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وقد حَرَّمَه -تَعَالَى- عَلَى نَفْسِهِ وَجَعَلَهُ بَيْنَ عِبَادِهِ مُحَرَّمًا.

 

وَمِنْ مَظَاهِرِ الظُّلْمِ إقَامَةُ الدَّعَاوَى الْكَيْدِيَّةِ الَّتِي لا أَصْلَ لَهَا، والمقصود بالدعاوى الكيدية: التي لا يُقصد من ورائها مصلحة مشروعة، وإنما يُقصد من ورائِها الكيدُ بالخصم، والإساءةُ إليه وإلحاقُ الضررِ به؛ لأخذِ ماله ظلماً، أو لمجرد إلحاق الأذى به أو إزعاجه.

 

وقد حذر من ذلك رسولُنا -صلى الله عليه وسلم- أشدَ تحذيرٍ, فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؛ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ، وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ؛ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ عَنْهُ، وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ؛ أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ"(رواه أبو داود وصححه الألباني, وفي رواية لابن ماجة: "مَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ، أَوْ يُعِينُ عَلَى ظُلْمٍ؛ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ"(صححه الألباني عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-).

 

ومعنى قولَه: "مَنْ خَاصَمَ"؛ أَيْ: جَادَلَ أَحَدًا, "فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ"؛ أَيْ: يَعْلَمُ أَنَّهُ بَاطِلٌ, أَوْ يَعْلَمُ نَفْسَهُ أَنَّهُ عَلَى بَاطِلٍ, أَوْ يَعْلَمُ أَنَّ خَصْمَهُ عَلَى حَقٍّ وَيُصِرُّ عَلَيْهِ, "لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ -تَعَالَى-"؛ أي: غضبه الشديد, "حَتَّى يَنْزِعَ"؛ أَيْ: يُقْلِع عَما هُوَ عَلَيْهِ، وهذا وَعِيدٌ شَدِيدٌ يُفِيدُ أَنَّ ذَا كبيرةٌ؛ ولذلك عَدَّهُ الذَهَبِيُ مِنْ الكَبَائِرِ.

 

وفي هذه الأيام تظل الدعاوى أشهراً وربما سنوات طويلةً في المحاكم, فكم سيظل هؤلاء في سخط الله وغضبه منذ أَنْ خاصموا!, نعوذ بالله من هذه الحال وسوء المآل.

 

قَالَ ابنُ رَجَبٍ -رحمه الله-: "فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ ذَا قُدْرَةٍ عِنْدَ الْخُصُومَةِ -سَوَاءٌ كَانَتْ خُصُومَتُهُ فِي الدِّينِ أَوْ فِي الدُّنْيَا- عَلَى أَنْ يَنْتَصِرَ لِلْبَاطِلِ، وَيُخَيِّلَ لِلسَّامِعِ أَنَّهُ حَقٌّ، وَيُوهِنَ الْحَقَّ، وَيُخْرِجَهُ فِي صُورَةِ الْبَاطِلِ، كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَقْبَحِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَمِنْ أَخْبَثِ خِصَالِ النِّفَاقِ".

 

أيها الإخوة: بعض الناس دأبهم الخصومة بحق أو بغير حق، وهؤلاء شر الخلق عند الله -تعالى-، والألد الخصم هو المجادل الذي قال الله -تعالى- فيه: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ)[البقرة:204], وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- محذراً من اللدد في الخصومة, وهي الشدة في الخصومة، والمذموم منها ما كان بالباطل في رفع حق أو إثبات باطل: "أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الخَصِمُ"(رواه البخاري ومسلم عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-).

 

والخصام بالباطل ليس في دعاوى الحقوق التي يُحتاج فيها إلى القضاء فقط، بل في أي جدال يخاصم فيه ويعاند, وهو يعلم أنه مُبْطِلٌ غَيرُ صادق، فإن ذلك يشمله حسماً لمادة النزاع والجدل.

 

أسأل الله -تعالى- أن يعيذنا من الكيد، وكيد الكائدين, ويجعلنا هداة مهتدين.

 

أقول قولي هذا, وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب وخطيئة, فاستغفروه يغفر لكم؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الحَمدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ, والشُكرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وامتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ تَعظِيماً لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الـمُؤيَدُ بِبُرهَانِـهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ, وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِراً, أَمَا بَعْدُ:

 

أَيُهَا الإِخْوَةَ: اتَقُوا اللهَ حَقَ التَقْوَى، واعْلَمُوا أَنَّ الله حَذَّرَ من أكل أموال الناس بالباطل فقال: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)[البقرة:188]؛ أي: لا يحلُ أكل مال الآخرين بالباطل، بأي وجه من الوجوه، حتى ولو حصل فيه النزاع وحصل الارتفاع إلى حاكم الشرع، وأدلى من يريد أكلها بحجة باطلة غلبت حجة المحق، وحكم له الحاكم بذلك؛ فإن حكم الحاكم لا يبيح محرماً، ولا يحلل حراماً، والحاكم إنما يحكم على نحو مما يسمع، وإلا فحقائق الأمور باقية، فليس في حكم الحاكم للمبطل راحة، ولا شبهة، ولا استراحة، فمن أدلى إلى الحاكم بحجة باطلة وهو عالم بذلك، وحُكِمَ له بها، فإنه لا يحل له، ويكون آكلاً لمال غيره، بالإثم والباطل، فيكون أبلغ في عقوبته، وأشد في نكاله.

 

وعلى هذا فالوكيل إذا علم أن موكله مُبْطِلٌ في دعواه، لم يحل له أن يخاصم عنه لخيانته, كما قال -تعالى-: (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا)[النساء: 105]؛ أي: لا تُخَاصِمْ عَنْ مَنْ عَرَفْتَ خِيَانَتَه، مِنْ مُدَّعٍ ما لَيْسَ لَهُ، أو مُنْكِرٍ حَقًّا عَلَيْه، سواء علم ذلك أو ظنه؛ ففي هذا دليل على تحريم الخصومة في باطل، والنيابة عن المبطل في الخصومات الدينية والحقوق الدنيوية, ويدل مفهوم الآية على جواز الدخول في نيابة الخصومة لمن لم يعرف منه ظلم.

 

وقال ابن القيم -رحمه الله-: "مَنْ كَادَ كَيْدًا مُحَرَّمًا, فَإِنَّ اللَّهَ يَكِيدُهُ وَيُعَامِلُهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ وَبِمِثْلِ عَمَلِهِ، وَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ فِي أَرْبَابِ الْحِيَلِ الْمُحَرَّمَةِ, أَنَّهُ لَا يُبَارِكُ لَهُمْ فِيمَا نَالُوهُ بِهَذِهِ الْحِيَلِ، وَيُهَيِّئُ لَهُمْ كَيْدًا عَلَى يَدِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ؛ يُجْزَوْنَ بِهِ مِنْ جِنْسِ كَيْدِهِمْ وَحِيَلِهِمْ".

 

أيها الإخوة: ليس حكم الحاكم محلاً لغير الحق، وَمَنْ أَدْلَى إلى الحاكمِ بِحُجَّةِ باطِلَةٍ، وحَكَمَ لهُ بذلك؛ فإِنَّهُ يكونُ آكِلًا لمالِ غَيْرِهِ بالباطِل، فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- زَوْجَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَتْ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ، فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ، فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا"(رواه البخاري ومسلم), يا الله قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ!, هَلْ لَكَ -أيها العبدُ- الضعيفُ قُدرة عَلَى أخذها؟!.

 

أيها الإخوة: وقد ذكر الفقهاء بناء على نصوص الكتاب والسنة، علاجاً لهذا الاعتداء, وذلك بالحكم بتعزير من ثبتت كيدية دعواه، وكذا الحكم عليه بمصاريف التقاضي, وقد أخذ المنظمون في بلادنا بهذا الحكم, وأدرجوه في الأنظمة, وأثبتوا على من حُكِمَ على دعواه بالكيدية بالتعزير وتحميله تكاليف التقاضي.

 

المرفقات

خطر وضرر الشكاوى الكيدية والدعاوى الباطلة.doc

خطر وضرر الشكاوى الكيدية والدعاوى الباطلة.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات