خذ العفو

عبد الرحمن بن صالح الدهش

2014-11-29 - 1436/02/07
عناصر الخطبة
1/ أطيب حياةٍ يعيشها المؤمن 2/ أولى الناس بحسن الخلق 3/ مداخل الشيطان في إفساد العلاقات بين الناس 4/ شأن القرابةِ والرحم شأنٌ عظيمٌ 5/ سمو أخلاق المسلم وكرمه في معاملة أهل بيته 6/ آكد صور الإعراض عن الجاهلين.

اقتباس

إنَّ أطيبَ حياةٍ يعيشها المؤمنُ في هذه الدنيا حينما يكونُ مراقِباً لله، حسنَ الطويةِ لعباد الله، أصلح ما بينه وبين الله، فأصلح الله له ما بينه وبين عباد الله.. طهَّر قلبه من الشحناءِ والحسدِ؛ فظفر بقلبٍ سليمٍ، ونفسٍ راضيةٍ.. علم أنَّ الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوه بشيء لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه.. عامل الناس بالعفو مع أمره بالمعروف، وإعراضه عن الجاهلين، امتثالاً لما أرشد الله -تعالى إليه- نبيه محمداً -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)...

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله بيَّن لعباده سبيل الفلاح، ورتَّب على ذلك استقامة الحال والنجاح، وأشهد ألاَّ إله إلا الله أمر عباده بالعفو عن المسيء مادام في ذلك إصلاح، فقال تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) [الشورى: 40]، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما عسعس ليلٌ وتنفس صباح.

 

أما بعد: فإنَّ أطيبَ حياةٍ يعيشها المؤمنُ في هذه الدنيا حينما يكونُ مراقباً لله، حسنَ الطويةِ لعباد الله، أصلح ما بينه وبين الله، فأصلح الله له ما بينه وبين عباد الله.

 

طهَّر قلبه من الشحناءِ والحسدِ؛ فظفر بقلبٍ سليمٍ، ونفسٍ راضيةٍ.

علم أنَّ الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوه بشيء لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، ولو

اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه.

 

عامل الناس بالعفو مع أمره بالمعروف، وإعراضه عن الجاهلين، امتثالاً لما أرشد الله -تعالى إليه- نبيه محمداً -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [الأعراف: 199].

 

قال مجاهد في قوله: (خُذِ الْعَفْوَ) قال: من أخلاقِ الناس وأعمالهم من غير تجسس.

فهو لا يكلف الناس ما يشقُّ عليهم ولا يطالبهم بما يعسر منهم.

وإنَّ أولى الناس أن تمتثل الآيةُ معهم من كثرت بهم صلتك وتردد عليهم مجيئك بحكم قرابةٍ أو جوارٍ أو زمالةِ عملٍ أو سفرٍ.

فالأقاربُ حقهم عظيمٌ، وصلتهم واجبةٌ، وأعظمُ الأقاربِ حقاً الوالدان.

 

واعلم أنَّ للشيطان مداخلَ في العلاقة مع الأقاربِ يتخللُ منها الشيطانُ ليوقعَ الإنسانَ في قطيعة أقاربه، وعدمِ صلتهم، وهذا من كبائر الذنوبِ.

 

لقد نزغ الشيطان بين بعض الأقارب، وأفسد الودَّ الذي بينهم، فعادَوْا أقاربهم، وقطعوا أرحامهم على أمور قديمة انقضت، أو لم تنقض بعد، ولكنها لا تقوى على أن يخاصم الإنسان أقاربه، ويعيبهم في مجلس القاصي والداني، وامتدَّ ذلك إلى أولاد الطرفين فنشأ الجيل الثاني على خصومات آبائهم، ومعاداة أرحامهم.

 

ولقد نفخ الشيطان في هذه الخصومات، وسعَّرها مِن الناس مَن قلَّ دينه وضعفت بصيرته من الطرفين، فوصلت الحال إلى الهجر التام، فلم يعد أحدهما يزور الآخر، بل ولا يسأل عنه، ولو جمعته مع قريبة مناسبة أو أخرى أعرض عن قريبه، وفرَّ منه فراره من الأسد، بل وصلت حال بعضهم أن مرض قريبُه المخاصمُ له ولزم فراشه فلم يعده بل مات ولم يشيعه!! قتل الإنسان ما أكفره !!

 

إنَّ الناظر في أسباب ذلك يجدها جملة أمور، منها أمور مالية تركت لم تقسم، أو قسمت ولم يرضَ القسمة، أو خلاف حول أراضٍ وعقارات، وغالبها أمور نفسية فهو شَرِهٌ، لا يمرر أيَّ كلمة، ولا يتجاوز عن أيِّ فعلة.

 

كبَّر الشيطانُ أخطاء أقاربه في عينه، وأظهرهم بمظهرِ المقصرين في حقه، فلا يزالُ الإنسانُ يفسر كلَّ تصرفٍ منهم أنه من احتقارهم له، وعدمِ الاهتمام به، فإن طالت غيبتهم أو تباعدت زياراتهم، أو لم يدعَ إلى عرسٍ، أو وليمةٍ عندهم؛ فليس لهذا معنى عنده إلا المعاداةُ المكشوفةُ، والمنابذة الواضحة من قبلهم له، وعدم الرغبةِ فيه.

 

ولم يجعل لحسنِ الظنِّ والتماس العذر مجالاً في حياته.

فلا يزالُ من هذا طبعُه متعباً نفسه!

خواطرُ مقلقلةٌ، وظنونٌ سيئةٌ!

 

ولا يزالُ متعباً لغيره، فالناسُ يتعاملون معه بحذرٍ شديدٍ، وحيطةٍ مفرِطةٍ، يخشونَ مِن تقصيرٍ غيرِ مقصودٍ، أو خللٍ غيرِ مرادٍ يقطعُ علاقتهم معه، ويئد صلتهم به.

فأين هؤلاء من قوله تعالى: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) [النور: 22]؟!

وأين هم من قوله تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [الشورى: 43]؟

 

فاتقوا الله – يا عباد الله – واعلموا أنَّ شأنَ القرابةِ والرحم شأنٌ عظيمٌ، استعاذت بالله من القطيعة، فقال الله لها: "من وصلك وصلته، ومن قطعك قطعته".

 

واعلموا أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ليس الواصل بالمكافئ، ولكنَّ الواصِلَ الذي إذا قطعت رحمه وصلها" (رواه البخاري).

 

وإنَّ من أولى مَن تعاملُه بالعفو تتلمس عذره، وتتجنب مخاصمته هي من خُلِقَت من ضلعٍ أعوج، فإن ذهبت تقيمُه كسرته، وإن تركته استمعت بها، وفيها عوج.

فلقد أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- بالزوجاتِ خيراً، وجعل الله القوامة من الرجال على النساء، وقال: (وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [التغابن: 14].

 

فلا تستقيمُ حياة الزوجين ولا يصفو كدرها ويذهبُ شرُّها إلا بالعفو والتغاضي عمَّا يسعُ فيه العفو والتغاضي، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يَفْرَك مُؤمِن مُؤمِنة إن كره منها خُلقاً رَضِي منها خلقاً آخر".

 

ولقد أباح النبي -صلى الله عليه وسلم- الكذب بين الزوجينِ فيما لا يُسقط واجباً عليهما، أو يوقعُ في محرَّمٍ منهما.

 

وذلك أنَّ الكذبَ بينهما قد يُحتاجُ إليه أحياناً؛ بحيثُ يخفي أحدُهما عن الآخرِ ما قد يسبب النفور أو يثير النِّزاعَ، ويزرعُ الشقاق.

 

وإنَّ الأخذ بالعفو مطالبٌ به المسئولُ مع موظفيه، والموظفُ مع مراجعيه، فلا يكلف شططاً، ولا يرهقُ عسراً يتذكرون جميعاً قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشقَّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به" (رواه مسلم).

 

فخذوا –رحمكم الله– بتوجيه ربكم وأعطوا كُلَّ ذي حقٍّ حقه، وتجاوزوا عن التقصير، وغضوا الطَّرفَ عن النقص، ولا تتكبروا على صغيرٍ لصغره، ولا على جاهل لجهله، ولا على فقيرٍ لفقره، والتمسوا الأعذارَ، واحملوا المحامل الحسنة، ولا تدعوا للشيطانِ مدخلاً تسيئون به الظن …

 

أقول قولي هذا …

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه …

أما بعد: فآخر التوجيهات الربانية في الآية الكريمة (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [الأعراف: 199].

 

فبعد أخذك العفو، وأمرك بالعرف، وهو المعروف، لا بد من أذية الجاهل؛ فيستطيل عليك بلسانه أو يده، فهذا علاجه الإعراض عنه، ولا يُقابَل الجاهل بجهله، فإن قطعك فَصِلْه، وإن حرمك فلا تحرمه، ومن ظلمك فاعدل فيه.

 

ولك في سُنة النبي -صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة. تقول عائشة – رضي الله عنها – "ما ضرب رسول الله شيئاً قطٌّ بيده، ولا امرأة، ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نِيلَ منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله –تعالى- فينتقم لله تعالى" (رواه مسلم).

 

وجبذ أعرابي النبي -صلى الله عليه وسلم- أي: شده بقوة، حتى أثَّر ذلك في صفحة عنقه، وقال: "مُرْ لي من مالِ الله الذي عندك، فالتفت إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- فضحك ثم أمر له بعطاء" (متفق عليه).

 

وجاءه رجل يتقاضاه حقّاً له حتى أغلظ عليه فهمَّ الصحابة به فنهاهم النبي ثم قال: "أعطوه سناً مثل سنه". قالوا: يا رسول الله لا نجد سنّاً إلا مثل سنّه. قال: "أعطوه فإن خيركم أحسنكم قضاءً".

كل هذه وغيره كثير تطبيق لقوله تعالى: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [الأعراف: 199].

 

وإن من آكد الإعراض عن الجاهلين ما تشهده الساحة الإلكترونية من المهاترات الكلامية، والإسفاف في القول في بعض مواقع التواصل، وما يجري بين المتعصبين للرياضة، وفيما يسمى بالمجموعات (الجروبات) من رديء الكلام، وقد لا يسلم كثير من غيبة أو نميمة، ناهيك عن فحش القول، وعبارات السب واللعن!!

 

فانظر يا عبدالله: كيف رخصت الأخلاق في هذه التجمعات، وكيف يُبَدّد الإنسان حسناته حين يأتي يوم القيامة وقد تكلم في هذا وظلم هذا؟!

 

فاللهم إنا نعوذ بك أن نَضل أو نُضل، أو نزِلَّ أو نُزَلَّ.. اللهم أعنا على أنفسنا …

 

 

 

المرفقات

العفو

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات