خدعة الاحتجاج بالخلاف

عاصم محمد الخضيري

2022-10-09 - 1444/03/13
عناصر الخطبة
1/ المدافعة باقية إلى قيام الساعة 2/ التصدي للعدو الداخلي أصعب من نظيره الخارجي 3/ صمود الشريعة في وجه الحروب 4/ جهاد أفكار الضلالة 5/ من مجالس الشبهات

اقتباس

ليس خفيًا عليكم أصول الحرب الفكرية في عالمنا الإسلامي، حتى أتى اليوم الذي أصبحنا نقول فيه: رحم الله أيامًا كنا نواجه عدونا وجهًا لوجه! ليست غريبة هذه الحروب الفكرية في تاريخ الأمة الطويل، ولكن الغريب في ذلك أن تُصدَّر هذه الحروب منا وإلينا، وأغرب منه أن تستمر هذه المعركة لتصبح شيئًا عاديًا مع طول الزمن، بل ويُدعى الناس لنسيانها.

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله في الأولى والآخرة وهو الحكيم الخبير، يهب الرضا لمن اهتدى ومن يضلل يذقه من عذاب السعير.

 

الحمـد لله يعطي الذي يعطي *** وحـاشا جـوده أن يبخلَ

جلت جلائل فضله عن عدها *** وهو الذي في إكرامه قد أسبلَ

ملكـوته في كل شيء رحمة *** متفضـل ما شـاء أن يتفضلَ

وله سؤال الخلـق فيما شاءه *** قد جل جبار السـما أن يُسألَ

 

وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا شريك له في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمدًا بن عبد الله عبد الله ورسوله.

 

صلى عليـه الله في ملكـوته *** ما ضوَّت الشِّعرى وما بدر سرى

وعليه من لدن الإلـهِ تحـيةٌ *** رَوْحٌ وريحـانٌ وطـيـب أثمـرَ

بأبي وأمي أنت يا خيرَ الورى

 

صلى الله عليك وعلى آلك وصحبك أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعد:

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً).

 

قضى الله أن المدافعة باقيةٌ إلى قيام الساعة، قضى الله أن أعداء الملةِ هم أكثرُ من في الأرض، قضى الله أن الباطل لا تقف جولاتُه، فكلما استراحت جولة أعقبتها أخواتُها، للحق لون واحد، وللباطل ألوان، للنور إشعاع واحد، وللظلمات أودية السراب، (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ).

 

يروى فيما يروى أن عدوًا من الأعداء أراد أن يقتحم أحد الحصون المنيعة، فأبت عليه هذه الحصون، فلما كان من الغد أطلق العدو مجموعة من الذئاب العاوية فجعلت تعوي لإخافة أهل الحصن، ثم تحاول اقتحامه، ولكنها في كل كرة ترتد حسيرة منهزمة، ولم يزل أهل الحصن في صمودهم وثباتهم، فلما كان بعد ذلك أرسل العدو مجموعة من الفيلة لضرب باب الحصن وخلعه واقتلاعه، ولكن أبى باب الحصن إلا الصمود، العدو يحاول متربصًا بكل خطة ماكرة لإسقاط الحصن بمن فيه، وهم في كل طلعة شمس يزيدون امتناعًا وقوة وعنفوانًا، وفي غمرة التكالب المسعور، وفي ليلة ليلاء، ليلةٍ رسم العدو بها مكر النهايات، ليلة مكروهة الظُّلمات والعتمات، في ليلة رؤي العدو بها وهو يفاوض مجموعة من المأجورين من داخل الحصن ليفتحوا عليهم الباب، وفي طليعة يوم غد، سقط الحصن بالذي فيه.

 

حصونٌ أبت إلا امتناعًا وعزة *** فطاف بها من ليلة الغدر طائفُ

 

الحروبُ التي تشنها الأسود ليست هي الحروب التي يشنها بنو آوى، العداوات التي يعلنها العدو لنا في وضح النهار، ليست كالعداوات التي تخفى في القلوب، ثم تقذف عند أول فرصة غدر، إن الحرب القذرة لا تتحفظ من أيِّ شيء حتى لو كان التفاوض فيها مع الشيطان ضد الإنسان، قد تستهين بأي عدو يحاربك تحت ضوء الشمس، لا يخفى عليك شيء من أمره، ولكن ما حيلتك في عدو يستعد أن يحاربك حتى بالأسلحة المحرمة دوليًا أو عرفيًا أو أخلاقيًا، أو باستئجار أقوام من بني أمك تبيع للعدو جلودها.

 

إن لدينا استعدادًا أن نقابل أي عدو خارجي نعرف ما هي أدوات الحروب التي معه فنهزمه بها، ولكن أنى لنا أن نحارب عدوًا يهندس الحرب الخفية معنا، أو يفاوض أقوامًا منا للكر على صفوفنا.

 

ليس عن الحروب التترية أحدثكم، ولا عن الحروب الصليبية، ولا عن الحروب المجوسية، ولا عن حروب بني الأصفر، ولا عن محاكم التفتيش في القرون الوسطى، ولا عن فرق الحشاشين في هندسة الاغتيالات، إني أحدثكم عن حروب وقعت على دين الله، من أناس ينتسبون إلى دين الله.

 

ليست هذه المقدمة إلا تبيانًا لواقع نعيشه، ودين ننتمي إليه، وشريعة ننتسب إليها، هذه الشريعة الإسلامية أبت على كل الضربات والهزات أن تُحْدِث فيها شرخًا، أو تستفز فيها دمًا، هذه الشريعة الإسلامية باتت عصيةً على كل مواجهة ساخنة تُدار بينها وبين أعداء الأمة الظاهرين.

 

تأبى هذه الشريعة على كل حرب عتية فتية حامية أن تهز غصنًا من أغصانها، تأبى هذه الشريعة على كل عدو يستبيح ييضتها، أو جبان يحرك ريحها.

 

إن الجبال لتأبى أن يحركها *** عصف من الريح أو قصف من البرد

 

ولما أبت هذه الشريعة على أعدائها التقليديين الذين يحاولون طمسها بطمس أتباعها، أتوا بحيلة سريعة ليحاربوا فيها شريعة الله بالحفر تحت حصونها.

 

جبناءُ دجالون، أيَّ ذميمة *** علقت بهم فاستمرؤوا الغدراتِ

 

إنها حرب الأفكار، في عالم يقول: البقاء للأقذر حجة، وليس للأقوى حجة.

 

ليس خفيًا عليكم -معاشر الكرام- أصول الحرب الفكرية في عالمنا الإسلامي، حتى أتى اليوم الذي أصبحنا نقول فيه: رحم الله أيامًا كنا نواجه عدونا وجهًا لوجه! ليست غريبة هذه الحروب الفكرية في تاريخ الأمة الطويل، ولكن الغريب في ذلك أن تُصدَّر هذه الحروب منا وإلينا، وأغرب منه أن تستمر هذه المعركة لتصبح شيئًا عاديًا مع طول الزمن، بل ويُدعى الناس لنسيانها.

 

شاهدوا أي مجلس من المجالس اليومية، ستجدونها عجّت باليوميات من الأحداث السريعة التي تأكل أوقاتنا بلا بناء علمي أو فكري صحيح، أو فائدة يجتمع عليها الجالسون!! مع أن الحرب الفكرية التي نواجه لا تقل خطرًا عن الحرب الأممية التي قذفتنا بها الأمم في محشر واحد!!

 

وليست فتنة الأمة في حروبها العسكرية والسياسية بأشد من فتنتها في عدو داخلي أو خارجي، يفتنها في أصل دينها ومذهبها، بل إن هذه المجالس اليومية تصدر لنا بعض حروب الضلالة، ولا تجد من يدفعها، في مجالس زحفت بها أفكار الضلال، حتى استمرأتها النفوس، في مجالسَ تتبدل معالمها يومًا بعد يوم، والشيطان ناصب بها عرشه، في مجالس تروج بها سلع الحرب الفكرية، والمدافع الشبهاتية، حتى ينحلَّ دين الله عروة عروة في قلوب الأجيال، إن غالب ما يبدأ به سعار الشهوات، من أثر الشبهات.

 

في مجالس غاب عنها الجهاد الغائب: إنه جهاد أفكار الضلالة، جهاد قذف الحق على الباطل، جهادُ الحجة الباقية على الحجة الفانية: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ)، جهاد يقول: (فَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً).

 

فإليكم شيئًا من مجالس هذه الشبهات، وإلى شيء من جهادها.

 

أستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، وأشهد ألا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعد:

 

يقول ابن القيم -رحمه الله-: "إن جهاد النفاق والمنافقين أصعبُ من جهاد الكفار، وهو جهاد خواص الأمة وورثة الرسل، والقائمون به أفراد في العالم، والمشاركون فيه وإن كانوا هم الأقلين عددًا، فهم الأعظمون عند الله قدرًا". وهو "أكبر الجهادين، فإن المنافقين لم يكونوا يقاتلون المسلمين، بل كانوا معهم في الظاهر، بل ربما كانوا يقاتلون عدوهم معهم، ومع هذا فقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ)". انتهى كلامه.

 

ومع أن الله تكفل بحفظ دينه، وشرعته، وملته، وأنه لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق، لا يضرهم من خالفهم حتى يأمر أمر الله، فإنه من أوجب الواجبات المتحتمات على كل فرد في الأمة، أن يذود عن حياض دينها بما استطاع، وأن يجاهد زيغ الأفكار والضلالات بما يدفع به نقمة الله.

 

اشهدوا معي هذه المجالس التي غاب عنها الجهاد الفكري:

 

يقابلك أحدهم ثم يستفتيك في مسألة شرعية، ثم تذكر له الحكم الشرعي مقرونًا بالدليل الشرعي الصحيح الصريح، ولكنه حين يسمع ذلك، يفاجئك بهذا السؤال: هل المسألة فيها خلاف؟! فتقول له: ولم؟! فيجيبك: إذا كان في المسألة خلاف كنا في سعة من أمرنا، وكان في أحد الأقوال مندوحة عن سواه.

 

اشهدوا هذا المجلس الآخر:

 

ما الذي تغير فيك يا فلان؟! يجيبك: لم يتغير شيء!! بلى تغير فيك شيء!! ثم يرد: لم يتغير شيء، إلا أننا كنا نرى رأيًا ثم غيرناه، ولم غيرت رأيك يا فلان؟! هل غيرته لأجل دليل بدا لك من بعد؟! فيجيبك: كلا، ولكن علمنا أن في المسألة خلافًا!! فما أحببنا أن نشدد على أنفسنا، وقد وسَّعته الأقوال الأخرى!!

 

والله لقد ود الشيطان أن يظفر منا بهذه الأحابيل، ما أسعد الشيطان وهو يرى بضاعته قد راجت في ضعاف مهازيل، تهزه أيُّ شبهة، ويُخدع بالبضائعِ الصفراء، ما أسعد الشيطان وهو الذي كان يقود الحروب العسكرية في كل زمان، أن يقود هذه الحرب الضروس على مقدساتنا وشرائعنا، بالطريقة الناعمة الحانية!!

 

ما أسعد الشيطان -وهو الذي قد أيس أن يعبده المصلون- ما أسعده وهو يرى أفكاره يحتفل بها الناس في مجالسهم ومحافلهم، ويسهل فيها خداع البله والبسطاء، والأغرار، ما أسعد الشيطان وهو في كل حين يصدر لنا شبهة، نرمي بها ديننا، ونكسر بها معولاً من ثوابتنا!!

 

ما أسعد الشيطان وهو ينفِّذ قسمه الشهير حين لعنه الله ثم أقسم: (لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً * وَلأضِلَّنَّهُمْ وَلأمَنِّيَنَّهُمْ)، ما أسعده وهو يرى تحقيق قسمه في عباد الله بهذه الشبهات!! ألا ما أشد شبهات هذا الزمان!

 

أتظنون أن الشيطان قد أزَّ الكفرة من الأمم أن يجبرونا على تغيير أدياننا ومذاهبنا بالقوة!! ولّى الزمان الذي يفرض فيه الإقناع بالقوة، ليأتي الزمن الذي نجبر فيه على تبديله بالتخدير السريع المريح، والخداع المستعجل، أوَدين الله يؤخذ بالتشهي والتحلي والتمني؟!

 

لقد كثر الخداع علينا باسم الدين، وفي كل يوم شبهة تطل برأسها، وإني أَعِدُ من هذا المنبر، أن نكسرها وإياكم، حتى نحطم أغلالها وآصارها، وقَدَر هذه الخطبة أن تكون عن الخداع باسم الخلاف.

 

تقابل أحدهم، وقد زمجر صوت الغناء في سيارته، راقصًا مع هذه الألحانِ، ألحانِ الخطيئة، منتشيًا غاويًا في سكرتها، ثم ترشده بطريق حسن، لكي يغلق صوت الشيطان ومزمار النكران، ثم بدل أن يقول لك: جزاك الله خيرًا على نصحك وإرشادك، يفاجئك بقوله: وماذا في الغناء، أليس قد ورد فيه خلاف؟!

 

وهم عبدوا الخلاف وما أرادوا *** وحاشا الدين من عبث الخلاف

 

في كل يوم تفاجئنا الموضات النسائية والأزياء العالمية بلبوس عبوس، وأكسية عارية، صواحبها مائلات مميلات، تزف لنا الأسواق العالمية ألبسةً وعباءاتٍ، كل شيء تجده بها إلا الستر والعفاف.

 

ونساء هذه الأمة يُقَدْن طيِّعاتٍ إلى هاوية الأكسية، أفي كل يوم موضة؟! أفي كل يوم عادةٌ لباسية يموت بها الحياء!! ثم لن تعجب بعد ذلك وأنت ترى هذه الشهواتِ اللباسية، قد سبقتها شبهاتٌ فكرية.

 

تقول لإحدى النساء: استري جمالك، ستره الله بستره، وتسرد عليها: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ)، (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ)، و(يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ)، (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ)، وغيرها من النصوص الحاثة على الستر والعفاف، ثم تفاجئك بقولها: وماذا في ذاك؟! تغطية الوجه مسألة خلافية.

 

وهم عبدوا الخلاف وما أرادوا *** وحاشا الدين من عبث الخلاف

 

أوَدين الله يؤخذ بالتشهي والتحلي والتمني والتسلي؟!

 

أخبروني هل قال الله لنا في كتابه: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الخلاف أم قال: (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً).

 

يظلم الرجل لحيته، ويأخذ من شعراتها شيئًا فشيئًا، حتى إذا لم يبقَ فيها إلا ما يستر به جلده، فإذا قلت له: يا فلان اتق الله، ثم تسرد له النصوص الحاثةَ والموجبةَ على إعفاء اللحى، وإكرامها، وتوفيرها، ثم إذا هو لا يلبث رادًا عليك وهو يقول: المسألة هينة، سيما أن العلماء قد تنازعوا فيها.

 

وهم عبدوا الخلاف وما أرادوا *** وحاشا الدين من عبث الخلاف

 

يقول الشاطبي: "وهذا خطأ فاحش، وقد أمر الله تعالى المتنازعين أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، ولو لزم أن نحل ما ورد به الخلاف للزم جواز المعاملة بالربا، والصرف ونكاح المتعة؛ لأن الأمة قد اختلفت بها".

 

ينظر الرجل إلى وجه امرأة في الشاشات أو الأخبار، أو الفواصل الإعلانية، ثم لا يصرف بصره كما أمره به رسوله -عليه الصلاة والسلام-، وإذا حدثته عن ذلك حدثك عن حل النظر بغير شهوة، وأنها مسألة ليست مجمعًا عليها، يسمع الموسيقى والأنغام بغير طرب، وينظر للمردان، ثم يحدثنا أن الأمر أهونُ بكثير مما نتصوره، لأن الأمة لم تجمع على مسألة كهذه.

 

إننا لن نحتاج إلى جهود إفسادية منذ أن نصرف للناس أقراص الأخذ بالخلاف، سنجدهم بعد حين مدمني معازف، عاقري شهوات بحجة وقوع الخلاف فيها، سنجدهم بعد حين آخذين من لحاهُم بحجة وقوع الخلاف، سنجدهم بعد حين قد هجروا صلاة الجماعة بعد أن كانوا من المسابقين لها، بحجة وقوع الخلاف، تكشف المرأة وجهها، فإذا سئلت قالت: مسألة فيها خلاف.

 

تسافر من غير محرم، وهي التي سمعت قول نبيها -عليه الصلاة والسلام-: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم". ثم تهوِّن المسألة بحجة الخلاف.

 

يسبل الرجل إزاره فإذ سئل قال: لا أجرّه خيلاء، وهي مسألة فيها خلاف، يخرج الرجل عورته فإذ قيل له قال: العورة وحدها مسألة فيها خلاف.

 

وهم عبدوا الخلاف وما أرادوا *** وحاشا الدين من عبث الخلاف

 

هؤلاء دخلوا في سلطان النص عبر باب الانقياد، وخرجوا منه عبر نافذة الخلاف، يقول ابن عبد البر -رحمه الله-: "الاختلاف ليس بحجة عند أحد علمته من فقهاء الأمة إلا من لا بصر له ولا معرفة عنده، ولا حجة في قوله".

 

أيها الجيل العظيم: لم يكن الحديث عن رجال فضلاء، رأوا مسألة من المسائل واجتهدوا فيها أو قلدوا فيها عالماً ثقة، إنما الحديث عن عامة جعلوا الخلاف حجة في كل مسألة، يقول ابن حزم -رحمه الله- في كلام مخيف: "ولو أن امرأً صار لا يأخذ إلا بما أجمعت عليه هذه الأمة، ويترك ما اختلفوا فيه مما جاءت به النصوص، لكان فاسقًا بإجماع الأمة".

 

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن بعض من ينتسب لهذا الدين صار يأخذ في كل مسألة بقول، حتى اجتمع عنده الشرُّ كلُّه، ويتزندق من حيث لا يعلم.

 

تنزل بأحدهم نازلة، ثم يستفزع لها العلماء، فإذا أفتاه أحدهم بما يريد، أخذ به، وترك الحق ودليله، وهكذا في كل نازلة، وكأن دين الله حانوت حطب، أو معرِض أزياء.

 

يقول الإمام أحمد: "ولو أن رجلاً عمِل بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة، لكان فاسقًا بإجماع الأمة".

 

لم يكن الحديث -أيها الجيل العظيم- عن مراعاة الخلاف ومعرفته، وعدم تحميله فوق قدره، والشطط على عباد الله به.

 

ولم يكن الحديث عن مجرد الاحتجاج بما فيه سعة، كأن تكون هناك مسألة فرعية، ويختلف العلماء فيها هل هي سنة أم مباح، فإذا وجدنا رجلاً لا يأخذ بسنيتها ثربنا عليه، لم يكن الحديث عن هذا، ولا عن الإشارة إلى وجود الاختلاف في المسائل حتى لا يغلو الناس في المسألة ولا يشتدوا في الحكم على المخالف، فهذا شيء آخر، فليس من خالف فيما أُجمع عليه كمن خالف فيما اختلف فيه، واختلاف أهل العلم بين حق وصواب، والحق واحد لا يتعدد.

 

بل هو عن رجال تحللوا من دين الله ومن الأخذ بشعائره بحجة وقوع الخلاف في آحاد المسائل، حتى لو صح نص صريح، متى عبدنا الله بأقوال الرجال!! نحن من أمة يقوِّمها الشرع، وتقفو درب الدليل الصحيح.

 

إن الحديث عن رجال جعلوا الحجة بأقوال الرجال من أوليات إسلامهم، فإذا قلت له: قال الله، قال لك: قال فلان، حتى لو كان هذا الفلان لا يسند رأيه لدليل شرعي صحيح.

 

إن الحديث عن رجال تتبعوا أقوال الناس، حتى صار

 

لهم في كـل مسألة إمام *** ومـا لهم بأهواء زمام

ترى لهم هوى في أي قول *** وما لهم بما صح المرام

 

فلا هو بالذي استمسك بالدليل الشرعي، ولا هو الذي قلد عالمًا وثقه ليأخذ منه جميع المسائل الفقهية، بحيث يُلجم بها أهواء نفسه في كل مسألة.

 

اللهم إنا نعوذ بك من الأهواء والأدواء، ونعوذ بك من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إمامًا.

 

اللهم صل وسلم...

 

 

 

 

المرفقات

الاحتجاج بالخلاف

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات