حقيقة يوم الحسرة

أحمد شريف النعسان

2016-04-17 - 1437/07/10
عناصر الخطبة
1/ قسوة القلوب وهجر القرآن 2/ تفشي ظاهرة القلق والهم والحزن 3/ حقيقة يوم الحسرة وبعض أهواله

اقتباس

الإِيمَانُ باللهِ -تعالى- وباليَوْمِ الآخِرِ الذي هُوَ يَوْمُ الحَسْرَةِ، هُوَ اليَوْمُ الذي يَمْسَحُ على قُلُوبِ المَكْلُومِينَ الذينَ احْتَرَقَتْ قُلُوبُهُم، وَهِيَ تَتَطَلَّعُ إلى مَا أَعَدَّهُ اللهُ -تعالى- للظَّالِمِينَ من بُؤْسٍ وَشَقَاءٍ، وَيُنْسِيهِم كُلَّ هَنَاءٍ كَانُوا يَعِيشُونَهُ في حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا حَسَبَ الظَّاهِرِ...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد:

 

فيا عباد الله: لَقَد قَسَتْ مِنَّا القُلُوبُ فلا تَرَى فِيهَا رَحْمَةً، وَتَحَجَّرَتِ العُيُونُ فلا تَرَى فِيهَا دَمْعَةً خَشْيَةً من اللهِ -تعالى-، وَهُجِرَ كِتَابُ اللهِ -عزَّ وجلَّ- سُلُوكَاً وعَمَلاً، فَقَرَأْنَاهُ والقُلُوبُ لاهِيَةٌ سَاهِيَةٌ في وِدْيَانِ هذهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا.

 

تَرَانَا نَقْرَأُ القُرْآنَ العَظِيمَ في مَآتِمِنَا على مَوْتَانَا، ولا نُحَكِّمُهُ فِينَا وَنَحْنُ أَحْيَاءٌ، جَعَلْنَاهُ بَرَكَةً في حَمْلِهِ وتِلاوَتِهِ، وَتَرَكْنَا البَرَكَةَ الحَقِيقِيَّةَ المُتَمَثِّلَةَ بالائْتِمَارِ بِأَوَامِرِهِ، وبالازْدِجَارِ عَن زَوَاجِرِهِ، وَنَسِينَا قَوْلَ اللهِ -تعالى-: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الأنعام: 155].

 

يَا عِبَادَ اللهِ: لَقَد كَثُرَ القَلَقُ والهَمُّ والحُزْنُ، بِسَبَبِ مَكْرِنَا بِبَعْضِنَا البَعْضِ لَيْلاً وَنَهَارَاً، وَفَشَتِ الكَبَائِرُ والمَظَالِمُ، فَسُفِكَتِ الدِّمَاءُ، وَسُلِبَتِ الأَمْوَالُ، وَهُجِّرَ النَّاسُ، وَفُرِّقَ بَيْنَ الوَالِدِ وَوَلَدِهِ، وَبَيْنَ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ، وَبَيْنَ الحَبِيبِ وَحَبِيبِهِ، وَنَسِينَا يَوْمَ الحَسْرَةِ الذي قَالَ فِيهِ مَوْلانَا -عزَّ وجلَّ- مُخَاطِبَاً سَيِّدَنَا مُحَمَّدَاً -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ-: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) [مريم: 39].

 

يَا عِبَادَ اللهِ: لَقَد أَنْذَرَنَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ الحَسْرَةِ؛ كَمَا جَاءَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ الذي رواه الشيخان عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ-: "يُؤْتَى بِالْـمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ؛ فَـيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ" فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْـمَوْتُ؛ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ. ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ؛ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ. فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْـمَوْتُ؛ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ. فَيُذْبَحُ؛ ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، ثُمَّ قَرَأَ: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ) [مريم: 39]، وَهَؤُلَاءِ فِي غَفْلَةٍ أَهْلُ الدُّنْيَا: (وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) [مريم: 39].

 

يَا عِبَادَ اللهِ: الإِيمَانُ باللهِ -تعالى- وباليَوْمِ الآخِرِ الذي هُوَ يَوْمُ الحَسْرَةِ، هُوَ اليَوْمُ الذي يَمْسَحُ على قُلُوبِ المُسْتَضْعَفِينَ المَقْهُورِينَ المَظْلُومِينَ المُشَرَّدِينَ مَسْحَةَ يَقِينٍ تَسْكُنُ مَعَهُ قُلُوبُهُم، وَهِيَ تَتَطَلَّعُ لِمَا أَعَدَّهُ اللهُ -تعالى- للصَّابِرِينَ من نَعِيمٍ يُنْسَى مَعَهُ كُلُّ ضُرٍّ وَبَلاءٍ وَشَقَاءٍ وَعَنَاءٍ: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر: 10].

 

(أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْـمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) [الرعد: 22- 24].

 

يَا عِبَادَ اللهِ: الإِيمَانُ باللهِ -تعالى- وباليَوْمِ الآخِرِ الذي هُوَ يَوْمُ الحَسْرَةِ، هُوَ اليَوْمُ الذي يَمْسَحُ على قُلُوبِ المَكْلُومِينَ الذينَ احْتَرَقَتْ قُلُوبُهُم، وَهِيَ تَتَطَلَّعُ إلى مَا أَعَدَّهُ اللهُ -تعالى- للظَّالِمِينَ من بُؤْسٍ وَشَقَاءٍ، وَيُنْسِيهِم كُلَّ هَنَاءٍ كَانُوا يَعِيشُونَهُ في حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا حَسَبَ الظَّاهِرِ، قَالَ تعالى: (وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) [الزمر: 47].

 

وقَالَ تعالى: (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون) [الزمر: 48].

 

وقَالَ تعالى عَنْهُم: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ) [الزخرف: 77].

 

وقَالَ تعالى عَنْهُم: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ) [السجدة: 12].

 

وقَالَ تعالى عَنْهُم: (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنَاً كَبِيرَاً) [الأحزاب: 66- 68].

 

وقَالَ تعالى عَنْهُم: (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ) [المؤمنون: 106 - 108].

 

يا عباد الله: الإِيمَانُ باللهِ -تعالى- وباليَوْمِ الآخِرِ الذي هُوَ يَوْمُ الحَسْرَةِ، يُرِيحُ كُلَّ صَاحِبِ قَلْبٍ مَوْجُوعٍ، يُرِيحُ كُلَّ عَبْدٍ مَظْلُومٍ، يُرِيحُ كُلَّ عَبْدٍ مَقْهُورٍ، إِذَا كَانَ صَابِرَاً مُحْتَسِبَاً مُتَّقِيَاً، وَذَلِكَ من خِلالِ قَوْلِهَ تعالى في حَقِّ كُلِّ ظَالِمٍ فَاجِرٍ: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعَاً فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ باللهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِؤُونَ) [الحاقة: 25 - 37].

 

ومن خِلالِ قَوْلِهِ تعالى: (وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ) [محمد: 15].

 

ومن خِلالِ قَوْلِهِ تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ) [غافر: 49- 50].

 

ومن خِلالِ قَوْلِهِ تعالى: (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوَاً وَلَعِبَاً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) [الأعراف: 50- 51].

 

يَا رَبِّ عَجِّلْ بِتَفْرِيجِ كُرُوبِنَا، وَعَجِّلْ بِشِفَاءِ صُدُورِنَا، ولا تَنْزَعِ الرَّحْمَةَ من قُلُوبِنَا، وَاخْتِمْ بالبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ آجَالَنَا وَأَعْمَالَنَا، آمين.

 

أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

المرفقات

يوم الحسرة

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات