حال الناس بالنسبة لولاتهم وحال أهل الخير

محمد بن صالح بن عثيمين

2016-07-31 - 1437/10/26
عناصر الخطبة
1/المحبة والتعاون بين المؤمنين 2/بعض أخطاء الناس في التعامل مع ولاة الأمور 3/الواجب تجاه أخطاء ولاة الأمور 4/أقسام الناس وكيفية التعامل مع أخطائهم 5/الواجب تجاه أخطاء الناس

اقتباس

نحن لا نشك: أن ولاة الأمور قد يسيئون وقد يخطئون، كغيرهم من بني آدم، فإن كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون. ولا نشك أيضا: أنه لا يجوز لنا أن نسكت عن أي إنسان ارتكب خطأ، حتى نبذل ما نستطيعه من واجب النصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم. فإذا كان كذلك، فإن الواجب علينا إذا...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي جعل المؤمنين فيما بينهم إخوانا، وأوجب عليهم أن يكونوا في نصرة الحق أعوانا، والحمد لله الذي ربط الأمور بأسبابها وجعل أفضل طريق للوصول إلى المقصود أن تؤتى البيوت من أبوابها.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرجو بها النجاة من النار وعذابها، ونأمل بها الفوز بدار النعيم، وطيب مأكلها وعذب شرابها، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أنصح من وعظ، وأحكم الخلق فيما قصد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيلهم في المقال والفعال والمعتقد، وسلم تسليما.

 

أما بعد:

 

أيها الناس: اتقوا الله، وكونوا كما وصف الله به المؤمنين إخوانا في المحبة، أعوانا في الحق، لا تأخذهم في الله لومة لائم، لا يألون جهدا في نصح الخلق، ونصرة الحق.

 

واسلكوا في ذلك طريق الحكمة، لعلكم تفلحون.

 

فإن من سلك طريق الحكمة، وأخلص في النية، فاز بما أراد.

 

ومن لم تكن له نية أو لم يكن له حكمة فاته المقصود والمراد.

 

أيها المسلمون: إني أريد أن أضمن خطبتي هذه موضوعين هامين يحتاجان إلى بسط كثير، ولكني أشير إليهما بموجز من القول، وربما أغنى القليل عن الكثير.

 

الموضوع الأول: حال الناس بالنسبة لولاتهم، فإن بعض الناس ديدنه في كل مجلس من مجالسه الكلام في ولاة الأمور، والوقوع في أعراضهم، ونشر مساوئهم وأخطائهم، معرضا بذلك عما لهم من محاسن أو صواب.

 

ولا ريب أن سلوك هذا الطريق، والوقوع في أعراض الولاة، لا يزيد الأمر إلا شدة، فإنه لا يحل مشكلا ولا يرفع مظلمة، وإنما يزيد البلاء بلاء، ويوجب بغض الولاة وكراهيتهم، وعدم تنفيذ أوامرهم التي يجب طاعتهم فيها.

 

ونحن لا نشك: أن ولاة الأمور قد يسيئون وقد يخطئون، كغيرهم من بني آدم، فإن كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون.

 

ولا نشك أيضا: أنه لا يجوز لنا أن نسكت عن أي إنسان ارتكب خطأ، حتى نبذل ما نستطيعه من واجب النصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم.

 

 

فإذا كان كذلك، فإن الواجب علينا إذا رأينا خطأ من ولاة الأمور: أن نتصل بهم شفويا أو كتابيا ونناصحهم، سالكين بذلك أقرب الطرق في بيان الحق لهم، وشرح خطئهم، ثم نعظهم ونذكرهم فيما يجب عليهم من النصح لمن تحت أيديهم، ورعاية مصالحهم، ورفع الظلم عنهم، ونذكرهم بما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من قوله: "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه"[مسلم (1828) أحمد (6/93)].

 

وقوله صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة"[البخاري (6731) مسلم (142) أحمد (5/27) الدارمي (2796)].

 

ثم إن اتعظ بواعظ القرآن والحديث فذلك هو المطلوب، وإن لم يتعظ بواعظ الحديث والقرآن وعظناه بواعظ السلطان بأن نرفع الأمر إلى من فوقه ليصلح من حاله.

 

فإذا بلغنا الأمر إلى أهله الذين ليس فوقهم ولي من المخلوقين، فقد برئت بذلك الذمة، ولم يبق إلا أن نرفع الأمر إلى رب العالمين، ونسأله إصلاح أحوال المسلمين وأئمتهم.

 

أما الموضوع الثاني: فهو حال أهل الخير السابقين إليه، والمقتصدين فيه، مع الظالمين لأنفسهم، العاصين لربهم.

 

فإن مجتمعنا ككل مجتمع فيه أهل خير وأهل شر، وأهل طاعة وأهل معصية.

 

وإن كثيرا من أهل الخير يسلكون بالنسبة إلى أهل المعصية مسلكا غير حكيم، فتجدهم يكرهونهم كراهية مطلقة، ويتكلمون في أعراضهم في كل مجلس، وينفرون منهم.

 

وهذا مسلك لا يحل المشكلة، ولا يقيم الأمور على ما ينبغي، فأهل المعاصي من المؤمنين فيهم خير وفيهم شر، فيجب أن نحبهم على خيرهم، وهو ما معهم من الإيمان، ونكرههم على شرهم، وهو ما حصل منهم من المعاصي.

 

أما أن نكرههم كراهية مطلقة ونعاديهم عداء مطلقا، فهذا غير صحيح شرعا ولا عقلا.

 

ثم إن الواجب علينا نحوهم: أن نتصل بهم ونتكلم معهم، ونزيل الوحشة التي بيننا وبينهم، فكلنا إخوان في الدين ما دمنا مؤمنين، فإن المعاصي لا تزيل الإخوة الإيمانية بين المؤمنين، فنناصحهم، ونبين لهم مفاسد المعاصي ومصالح الطاعة، وأن لزوم الطاعة أمر يسير لا يمنع منه إلا ضعف العزيمة وذلة الاستسلام للهوى والتقليد الأعمى، ونسعى نحن وهم في إصلاح أمورهم ما استطعنا؛ لأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا.

 

ومثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.

 

أما البعد عنهم واعتقاد أننا في واد وهم في واد، ثم تركهم وأنفسهم لا نعينهم عليها، فهذا خطأ يؤدي إلى شر كبير، وتفكك في المجتمع، وتفرق في آرائه وأحواله.

 

مع أننا -أيها الإخوان-: بيننا وبين أهل المعاصي من المؤمنين رابطة قوية وهي الإيمان.

 

فعلينا: أن نعزز هذه الرابطة بالسعي بإصلاح ما اختل منها لا أن ندعها تتفكك وتتشتت، والله ولي التوفيق.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قال الله -تعالى-: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)[المائدة: 2].

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ... إلخ ...

 

 

 

المرفقات

الناس بالنسبة لولاتهم وحال أهل الخير

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات