حادون في الركاب

عاصم محمد الخضيري

2022-10-10 - 1444/03/14
عناصر الخطبة
1/ العلم سبيل الانتهاض 2/ العلم، كما ينبغي أن يكون 3/ قبسات من غار حراء منيرات لسبيل التعليم

اقتباس

ومن ذلك المعلم، وفي تلك المدرسة، ومن أولئك التلاميذ، صيغت العرب من رعاة للغنم إلى رعاة للأمم، وكلاهما وظيفة للأنبياء، ومن طلاب دم إلى طلاب علم، ومن قتال على ناقة، وعزة مراقة، ونوم وفاقة، إلى سماء الإفاقة...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله غافر الزلات، باسط للخير واهب للهبات، الحمد لله؛ من سواه يختص بالحمد؟ أم مَن غيره يرتجى لكشف الترات؟ الحمد والشكر له والمدح والثناء، له النعم الحسنى، له الكرم الأسمى.

 

له كل ما في القلب من سابغ الرضا *** وكيف وقد أغنى؟ وكيف وقد أقنى؟

 

لا أحصي ثناء على ربي، هو كما أثنى على نفسه. اللهم زدنا منك فضلا، ثم زدنا منك شكرا.

 

فالفضل والإنعام والشكران لك

أنت الذي ما خاب عبد لاذ بك

لولاك كنت هالكاً فيمن هلك

لولاك كل باب موصد لمن سلك

وقد رضيت فيك ربا.. لا شريك لك

وقد وثقت أنه.. ما خاب عبد أمَّلك

فيك المرجى يا مليك كل من ملك

فالفضل منك، ثم فيك، ثم عنك، ثم لك

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبدك ورسولك.

 

صلى  عليه الله ما نادى المؤذن كل حين أشهد..

وعليه صلى فهو محمود وأحمد..

يا رب صلّ على الشفيع المصطفى.. يا رب أنت المرتجى والمقصد

 

اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.

 

أما بعد: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

 

أرأيتم إن أخبرتكم عن ألطف نفْيٍ في كتاب الله؟! استفهام يراد به النفي، ونفي يتضمن النهي!

 

لا تجهلوا لا تجهلوا..

فالجهل أمة السوأتين: الكبر والظلمُ

الجهل هذا، قل هل يستوي والعلم

لا تجهلوا لا تجهلوا..

فالله قال بحكمه ولربنا التقديس والحكم

(قل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟),

 

من ألطف الأساليب التي تبين بُعد المقامين هذا الاستفهام: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ لا يستويان، الحمد لله، بل أكثرهم لا يعلمون!.

 

هل يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة؟ هذا فارق المنزلتين بين النار والجنة، هو الفارق بين العلم والجهل، والفارق بين البدعة والسنة، والفارق بين الصبح والدجنة.

 

هل يمكن تعريف الجهل؟ نعم، هو الذي لا يمكن تعريفه إلا بذكر مقابله وهو العلم؛ تنبيها على تحقيره وتصغيره!.

 

أين تسمو الأمم، إلا حيث يتلى العلم؟ وأين تحمد الرتب، إلا حيث تثنى بمجالس العلم؟

 

يرفع الله نجوم العلما *** في محيط شامخ نحو السما

فعالمون قدرهم مثل السما *** وجاهلون قدرهم مثل الدمى

 

بأي محلة تسمو بلادي

بحيث العلم يتلى في النوادي

وحيث النور في التعليم والتصـنيع والإبداع

والأعلام تعلو كل وادي

 

أول ما صدر للبشرية في هذا الشأن العظيم: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا)، أول خطاب قرآني في كتاب الله: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق:1]، ألطف نفي استواء في القرآن: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [الزمر:9]؟  أول أمر للنبي -صلى الله عليه وسلم- بالازدياد منه: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا)، أول معلم في هذه الأمة هو محمد -صلوات الله وسلامه عليه-، وأول مدرسة في الإسلام كانت في ناحية المسجد الحرام عند جبل الصفا، مدرسة دار الأرقم.

 

ومن ذلك المعلم، وفي تلك المدرسة، ومن أولئك التلاميذ، صيغت العرب من رعاة للغنم إلى رعاة للأمم، وكلاهما وظيفة للأنبياء، ومن طلاب دم إلى طلاب علم، ومن قتال على ناقة، وعزة مراقة، ونوم وفاقة، إلى سماء الإفاقة، على تلكم الصهوات التي طاولت البدر، بدر السماء، من البدر حتى محاقه. العلم بدر البدور، ولكنه بدر لا يتكرر كل ستين سنة، إنه بدر:

 

يضيء لك الصدر في أبد الآبدين

ويحمله القلب بشرى ونورا إلى العالمين

ينير لك الدرب دوما إذا احتدمت في الطريق عواء السنين

 

العلم يجب أن يكون هو العنوان الأسمى لعنوان البشرية العظمى في الاهتداء إلى الله، وفي الحضارة على اسم الله، وفي أرض الله.

 

لكم أن تتخيلوا امة لا تحب العلم، ولا تبجل العلماء، ولا تقدر طالبيه، ولا تعلي من شأن رواده؛ كيف سيكون حالها؟ وإلى أين سيفيء مآلها؟.

 

لقد جرت سنة الله الكونية أن الحضارات لا تقوم إلا على العلم حتى لو كان علما أرضيا وضعيا، فإن الله -عز وجل- بسنته سيعلي الأمم علوا ماديا بقدر علمها حتى لو تخلفت عن ركب الإيمان؛ فكيف بأمة تستوقد علمها من حرارة الإيمان، ومن بركان اليقين بوعود الله؟ إذا؛ سينفجر العالم علما نورانيا وحضاريا وتقنيا!.

 

هذه الأمة التي تلقت الرسالة الأولى لها في غار حراء يجب أن تعود إلى نفس تلك الرسالة التي شهقت لنا أكناف الغار.

 

اقرأ فغار حراء يصطلي قبسا *** من التلاوات في ترتيلها الشرفُ

اقرأ فأنت أبو التعليم رائده *** من بحر علمك كل الجيل يغترف

إن لم تصغ منك أقلام معارفها *** فالزور ديدنها والظلم والصدف

 

هذا التأخر الذي اعتادته عباراتنا لن يكون تقدما حتى تكون أيام الدراسة أشهى لدى الأجيال من أيام الإجازة، وحتى يكون التعليم رسالة لا مجرد وظيفة، وحتى يكون العلم مقربا إلى الله قبل أن يكون مقربا إلى حضارة العالم في أرض الله.

 

قبسات غار حراء تتلى مرة أخرى، قبيسات مضيئات تروم قلبك إن أردت ضياء، وتنير عقلك إن أردت بهاء.

 

القبس الأول لطلاب العلم: إنه لن ينير أمر هذه الأمة إلا ذلك الأمر الذي أشرقت به أكناف الغار، فعودوا إلى ذلك النور الأول أيها الطلاب.

 

الهدي المحمدي ما لم يقد مراحل التعليم الأولى والأخرى فهو وبال على الديار، وماحق للبركات التي عقدنا لأجلها المواثيق في هذه الأرض وفي هذه البلدة، وصاحبها كالأنعام وإن كان أعلم الناس بظاهر الحياة الدنيا.

 

تعليمنا إن لم يقد فتياتنا وفتياننا إلى الله فهو ظلمة في الطريق حقها الإشعاع، لا أن يتركوا في ظلمات لا يبصرون! يدرسون ستة عشر عاما، الرجوع مثل الرواح، لا نية معقودة ولا إخلاص مستوثق! فأنيروا طرقات التعليم بالإخلاص إلى الله أيتها الأجيال المؤمنة.

 

الرفعة الحقيقية هي في هذا الطريق وإن طال، فقد قضى الله وقدر أن تكون الرفعة على قدر ما عندك من علم يدفعك إلى الله -عز وجل-: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة:11].

 

نعم، إنها الدرجات -أيها الطلاب- للفخر الرفيع وللهدى، العلم هو الجهاد الطويل على ساح الفتوح، وهو أصعب من القتال في سبيل الله؛ الجهاد على ساح المعارك ووخز الرؤوس هو جهاد مؤقت، الطلقة فيه واحدة، والنفس فيه يتيم أوحد، أما الجهاد على ساح المعارف والعلوم والدعوة إلى الله -عز وجل- والإصلاح فهو جهاد مطلق، طلقاته كثيرة، وتتقطع الأنفاس دون بلوغه؛ ولذا صار عند أهل العلم هو أعظم وأفضل من القتال في سبيل الله، ولا يمكن أن يكون جهاد إلا بعلم وبصيرة، وإلا صار زيغة من الزيغات الماحقة.

 

ولولا العلم ما شرفت نفوس *** ولم تطعم من الجلى طعاما

 

ومداد ما تجري به أقلامهم *** أزكى وأفضلُ من دم الشهداءِ

يا طالبي العلم الشريف عبادة *** ما أنتم وسواكمُ بسواءِ

الله فضلكم وأعلى قدركم *** وسما بفضلكم على الجوزاء

لكم المهابة والجلالة والنهى *** جلت فضائلكم عن الإحصاء

 

يا طلاب العلم في المدارس والمساجد والجامعات: كل يوم تذهب فيه إلى المدرسة والجامعة والمسجد بلا نية معقودة فهو وبال عمري تذروه الرياح، دون أن تجني من الأرباح.

 

يا طلاب العلم في المدارس والمساجد والجامعات: الشيء الذي افترقنا به عن النصارى وغيرهم من أصناف الضالين الذين ذكرتهم سورة الفاتحة هي أنهم عملوا بلا علم فصاروا ضالين مضلين، والشيء الذي افترقنا به عن معشر يهود هي أنهم علموا ولم يعملوا؛ وإني أعيذكم بالله من هاتين الخلتين: الجهل، والعلم بلا عمل.

 

يا طلاب المفاخر والرشاد: الدراسة النظامية هي مفاتيح للعلوم فحسب، أما العلم الذي يتلقى خارج أسوار المدرسة والجامعة فهو العلم الذي تدخل فيه على الساحات الضخمة التي توصلك إلى العلم الديني والدنيوي.

 

يا طلاب المفاخر والرشاد، والسؤدد العالي على هام السداد: الدراسة على الشيوخ في المساجد هي ذروة سنام الصحوة الكبرى، فمهما كانت برامج الشات في قراءته وفي علمه فلن يستغني عن شيخ يتذاكر معه العلوم النافعة، والمعارف الجامعة، في البكورات والآصال.

 

إذا رمت العلوم بغير شيخ *** ضللت عن الصراط المستقيم

وتلتبس الأمور عليك حتى *** تصير أضل من "توما الحكيم"

 

من هذه البلاد قدرها قدر العلم والدين، ولكنك تعجب من بعض أبنائها وبعدهم عن حلق الذكر في المساجد! فهي -والله- جماع البركة في كل أمر، وداعية إلى الثبات، وعاصمة من الالتفاتات.

 

فأحيوا الدروس بإحيائكم *** لها إن ترك الدروس دروس

وهذي المساجد فيها الثنا *** ءُ وعلمٌ وأجر وطهر نفوس 

 

إذا لم تظفر بالعلم بالمسجد فلن تعدم من نية طيبة ومن بركة الجلوس فيه، ومن فضل تغشي الرحمة ومن تنزل السكينة ومن إحفاف الملائكة، ومن ذكر الله لك في الملأ الأعلى.

 

اللهم اهدنا للهدى، وجنبنا الردى، واغفر لنا في الآخرة والأولى، (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه:114]، اللهم زدنا علما وفهما، وعملا صالحا متقبلا.

 

أستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين. واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما.

 

أما بعد: روى ابن مسعود وأبو موسى الأشعري -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ أَيَّامًا يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ، وَيُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ"، والهرج القتل. متفق عليه.

 

انتشار الجهل بدين الله -تعالى- من أشراط الساعة المؤذنة بقرب قيامها، كما في حديث أنس -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، وأن يثبت الجهل، وأن يشرب الخمر، وان يظهر الزنا" متفق عليه. وفي لفظ للبخاري: "إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويكثر الجهل، ويكثر الزنا، ويكثر شرب الخمر".

 

اللهم اعصمنا بهداك، وثبتنا على قولك الثابت، واجمع لنا حسن العلم والعمل.

 

القبس الثاني:

أمعلمي الوادي وساسة نشئه *** والطابعين شبابه المأمولا

والحاملين [لواءه] ليعلموا *** عبء الأمانة فادحا مسؤولا

 

أهي أمانة؟ نعم والله إنها أمانة! وهضمها خيانة! والممتري في هذه خوّان! الوظائف كثيرة، وثغور العمل تدعو إلى الاحتيار بالاختيار، ولكنه قسم بما لا يقسم الإنسان إلا فيه بالله بالرحمن ذي الملكوت.

 

إن رسالة المعلم هي أشمخ وأرسخ وأعرق رسالة، وهذه الوظائف الكثيرة لا تساوي فتات ما تصنعه هذه الرسالة في قلوب وفي عقول الأجيال.

 

يريدون أن يساووا المعلم بغيره! هيهات! لا يستوي من علم الناس عن غيره! أيماري الليل نبراسه؟!.

 

يريدون أن يساووا المعلم بغيره؟! هيهات! فأين قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله وملائكته وأهل السماوات ليصلون على معلم الناس الخير".

 

يريدون أن يساووا المعلم بغيره! وأين قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى, كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ, لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا, وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ, كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ, لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أوزارهم شَيْئًا".

 

يريدون أن يساووا المعلم بغيره؟! من هذا الذي يريد؛ ورسالة أعظم معلم هي التعليم، والتعليم هو وظيفة خير معلم؟!.

 

أرسَلْت بالتوراة موسى مرشدا *** وابن البتول فعلم الإنجيلا

وفجرت ينبوع البيان محمدا *** فسقى الحديث وناول التنزيلا

 

يا حامل رسالة التعليم: كما كان درجاتكم ليست كغيركم فيجب أن تكون همومكم ليست كغيركم، رسالة التعليم ليست مرتبا في آخر الشهر، ولا وظيفة يتقاعد منها، ولا منهاجا ينقضي بانقضاء السنة الدراسية، ولا درسا يتلى قبل فراغ وقت الدرس والمحاضرة.

 

إن هذه الرسالة هي روح تقذف، ونفس تهتف، وعقل يعرف، وعلم يغرف من هدي النبوة والكتاب الهادي.

 

أعظم المعلمين أمانة هو الذي تتربى الأجيال على كلماته؛ لأنها خرجت من روح مشرفة، ومن نفس مرهفة، ولم تخرج تأدية للواجب الوظيفي فحسب.

 

وإنني زعيم وضمين بأن جميع من مروا على التعليم كانت الحلقة الأولى لاندفاعهم نحو الصعود ومراقي العلى والصعود من خلال بوابة المعلم وإن كثرت الأبواب، فهي البوابة الأولى؛ فــ                   يا حاملا نبراسه بيمينه *** [...] مني إليك سلامُ

 

سيغثون من قدرك كثيرا لأنك عصي على مراداتهم، وسيزعزعون من مكانتك ويطلقون الاتهامات عليك برداءة المنتج التعليمي؛ لأن أهواءهم لم تتحقق فيك، وجدارك لم يسقط من قذائفهم.

 

كلماتك التي تلقى على الأجيال وعلى الأسماع لن تضيع، ولئن نسيت زمانا فستذكر عبر الزمان، كنا ونحن صغار نسمع كلامك فنظن أنه تجاوزته الآذان، فإذا هو في وعاء منيع، وقباء رفيع، مكانه الصدور، وإن لم تكتبه السطور.

 

كلماتك التفكيرية للشباب ولجموع الشباب بالعودة إلى الله، وبالتوبة النصوح، وبالإخلاص، وبالعلم والعمل، هو السلاح لهذا الجيل التي تحاول اختطافه اللصوص وأعداء النصوص، فذكِّرْهم بالله، وبأيام الله، وكن حصنا عن التّرّهات والتفاهات، واغرس فيهم حسن الهتافات.

 

القبس الثالث: نداء إلى رائدات الهدى ومنار الشموخ وحسن الثبات، هذا نداء للمعلمات، السلام، وأنفاس الحمام، من ترى في رسالة التعليم، قربها الجم من جنان النعيم.

 

نداء للمعلمات: كما ابتدأت بهذا النداء إلى من يعلمنا:

أثنّي النداء إلى من تُعلّم زهر الربيع

وترسم للجيل أطواقه من نبات مريع

 

نداء الصدق للشهد المحلى *** هتاف المجد للنجم الرفيع

 

أيتها المعلمات:

الرائدات العاليات عن الهوى *** وعن الدناءة في مهازيل الزمن

 

سلام الله ثم سلام مجدٍ *** على أخواتنا مثل النسيم

 

هذا التعليم الذي تشقين بغرسه في صدور البنات وتزرعين به سرادق المكرمات، هو الذي يبقى حين تهيم النيات عند طلاب رواتب آخر الشهر الشمسي!.

 

لا خير في رسالة التعليم إذا كان المعلم والمعلمة ما دخلوا هذه الصروح إلا لأجل لعاعة مال، وتجميل حال!

 

وعندهم ذاك أسمى الطموح

تموت الصروح

إذاً.. وتموت الفتوح!

 

الذي يبقى -أيتها المعلمة- هو الرسالة التي تقذفينها على أذن الطالبة، فتحيا بعد موات، وتهتدي بعد ضلال، لا تحتقري أي جملة تعليمية ولا تذكيرية ولا تربوية تقودهن إلى التمسك بالثبات.

 

الثبات

إلى أن يحين الممات

وأنت تزفينها بالشموع إلى حفلة المكرمات

 

ربّي البنات على التطهر والحيا *** ربي البنات على الحجاب الضافي

ربي الأزاهر أن يرتلن الضيا *** من سورة الأنفال والأعراف

 

ظهرت لنا أنياب جديدة لم نجرب سمومها بعد، لكننا نقول أجمعين: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم.

 

يقولون: المرأة ستخرج من وصاية بيتها، ومن بيت وليها، وستسعى نحو حريتها، وستخلع حجابها رويدا رويدا! ونحن نقول :

على اسم الله نحن به شداد *** ولو كان المهدد فيه عاد

 

يا رائدات عفافنا: وثبات وسائل التواصل الجديدة تهدد هؤلاء الصغيرات، وتطبع عندهن الانخلاع عن الستر والمكرمات.

فباسم الله ثم بِكُنَّ تبقى الصـ *** ــروحُ مشيدات بالبناء

 

نحن -إن شاء الله- حرب ضروس تجاه كل هذه العوائد الدخيلة على مجتمعنا باسم الانفتاح، وان شئت فقل باسم الانبطاح، وعلى السفور باسم العبور إلى التحرر والتقدم، أتعس خاطر يمكن أن يخطر على أذن المعلم والمعلمة هو: وماذا أنت صانع والطلبة والطالبات يتلقون الرسائل من غيرك؟ والجواب على هذا الخاطر: إن الذي يمكن أن نطمئن له أن الله لن يسألنا عن عمل غيرنا لهذا الدين، وإنما سيسألنا عن أعمالنا له.

 

سلام على من علم الناس قيمة *** تشع بهم كالبدر في ظلمة الليلِ

سلام عليهم، كلما لاح بارق *** وهُتِّكت الأستار من سدفة الجهل

 

القبس الرابع والأخير: لمن أمره الله أن يقي نفسه وأهله نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد، إلى أولياء الأمر: ليس أداء الأمانة بمطعوم ولا مشروب ولا ملبوس، بل إنها مرحلة تالية بعد أداء القيمة والدين والعلم، لم يقل رسول الهدى -عليه الصلاة والسلام- كما في الحديث الصحيح الشهير: فأبواه يطعمانه أو يجيعانه أو يظمآنه، بل قال: "فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"؛ فأحيوا فطرة الله في قلوب الرعية، فطرة الله الذي فطر الناس عليها.

 

أيها الولي: إنك لن تهدي من أحببت، ولكنك تدل إلى الطريق من أحببت، ووالله! إنه لا عذر لولي أن يقطع حبال المواثيق في رعيته، ومن قطعها جاءته يوم القيامة وهي لفائف على عنقه؛ جزاء وفاقا.

 

أيها الولي على المجتمع: نصيب أو كفل منك، لا يصح أن تخرج من صلبك أولادا حظهم منك الشم والتقبيل، ثم ماذا؟ أعرفت حق الله فيهم؟ يولدون ثم إذا بلغوا سن العلم كانوا  عالة على مجتمعهم، ومعلميهم، وعليك أنت!.

 

أيها الولي: إن هذا المجتمع لم يطلب منك عسيرا بل يطلب يسيرا: جرعة ثقة، وجرعة مراقبة، وتربية نظيفة، وصحبة صالحة، ودعاء صادقا، وصلاحا في نفسك؛ (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) [الكهف:82].

 

إن هذا المجتمع لم يطلب منك تربية الزبير، ولا حزم الفاروق، ولا حرص والدة الإمام احمد، ولا شجاعة صفية، وإن طلبناها منك في الأصل! المجتمع يطلب منك بذل الخير؛ وإلا يكن فلتدع وأولادك الشر؛ فإنها صدقة تتصدق بها على نفسك وأولادك؛ (أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) [الأنفال:28]، (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) [الكهف:46].

 

 اللهم اهدنا للهدى، وجنبنا الردى، واغفر لنا في الآخرة والأولى...

 

 

المرفقات

في الركاب

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات