توحيد الله فوز وفلاح ونجاة في الدارين

فؤاد بن يوسف أبو سعيد

2015-12-20 - 1437/03/09
التصنيفات: التوحيد
عناصر الخطبة
1/حرص الناس على الدنيا واهتمامهم بها وغفلتهم عن الآخرة 2/منزلة التوحيد وفضله 3/مفهوم التوحيد ومجالاته وثمراته 4/تفشي الشرك ومظاهره وبعض عقوباته 5/فضل التوحيد في الآخرة

اقتباس

توحيد الله، فيه الفلاح، وفيه الفوز في الدارين في الدنيا والآخرة، وفي الضدِّ؛ الشركِ بالله، وتركِ التوحيد، فيه الذِّلَّةُ والعار، وإن وصل أهل الشرك إلى القمر، أو إلى المريخ، فهم مشركون، ما قيمتهم عند الله؟ لا يساوون جناح بعوضة، وإن تلبَّسوا بالأخلاق والآداب، وإن أخذوا بعلوم الدنيا، وصنعوا الصناعات، وطاروا في الطائرات، والصواريخ، وسفن الفضاء...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الحمدَ لله، نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضللْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن "لا إله إلا الله" وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) [النساء: 1].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) [الأحزاب: 70 - 71].

 

أما بعد:

 

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

 

أعاذنا الله وإياكم من النار، ومن كل عمل يقرب عمل إلى النار، اللهم آمين.

 

عباد الله: الناس في هذا الزمان كلٌّ قد ركَّز على أمر مَّا في حياته الدنيا، يسعى لتحقيقه، وكلٌّ قد جعل له هدفا يريد أن يصل إليه، وربما هذا الهدف أو الأمر الذي ركز عليه هذا أو ذاك، أو أولئك أو هؤلاء ربما يكون ليس من الأهمية في هذه الحياة الدنيا بمكان، له أهمية لكن! ليس كل الأهمية.

 

إن الله -عز وجل- خلق الخلق لأمر عظيم، فإن أخذوا بهذا الأمر أفلحوا ونجحوا، وفازوا وعلوا في الأرض، وعلوا في الآخرة، وإن تركوا هذا الأمر واهتموا بغيره وغفلوا عنه؛ فشلوا وانهزموا وانخذلوا، وخسروا في الدنيا والآخرة، أتعلمون ما هو الأمر الذي أراد الله -عز وجل- من العباد أن يفعلوه؟ والذي خلق الخلق له ومن أجله، لماذا خلقنا نحن؟ لماذا خلقت الجن والإنس؟

 

الجواب في كتاب الله -عز وجل-، قال سبحانه: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). -عبادة الله، توحيد الله- (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) [الذاريات: 56- 57].

 

توحيد الله -سبحانه وتعالى-، جاءت الرسل لتذكر الناس بالفطرة، بالعهد الذي أخذه الله على آدم وذريته، عندما استخرج الذرية من ظهر آدم، ونثرهم بين يديه، وقال: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)؟ الذريةُ كلُّها قالت: (بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) [الأعراف: 172].

 

وما أكثر الغافلين في هذا الزمان؟ وأزمنة متعددة، فجاءت الرسل والأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، جاؤوا ليذكروا الناس بالعهد الأول، بالعهد الذي أخذه الله علينا، على ذرية آدم: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [المؤمنون: 32].

 

(وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) [النساء: 36].

 

"قولوا: "لا إله إلا الله".

 

"لا إله إلا الله" قالها الرسل لأقوامهم؛ فمنهم من استمع وأطاع، وأكثرهم عصى: (ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى) [النازعات: 22].

 

وقالها محمد -صلى الله عليه وسلم- لمشركي مكة؛ للعرب، قال للعرب: "قولوا: "لا إله إلا الله" تفلحوا، قولوا: "لا إله إلا الله"، تملكوا بها العرب والعجم".

 

فما كان من الأقوام -الغالبية- إلا أن كذبوا.

 

توحيد الله، فيه الفلاح، وفيه الفوز في الدارين في الدنيا والآخرة، وفي الضدِّ؛ الشركِ بالله، وتركِ التوحيد فيه الذِّلَّةُ والعار، وإن وصل أهل الشرك إلى القمر أو إلى المريخ، فهم مشركون، ما قيمتهم عند الله؟ لا يساوون جناح بعوضة، أي والله! إن الكافر المشرك لا يساوي عند جناح بعوضة، وإن تلبَّس بالأخلاق والآداب، وإن أخذ بعلوم الدنيا، وصنع الصناعات، وطار في الطائرات، والصواريخ وسفن الفضاء، لا يساوي عند الله جناح بعوضة.

 

والموحِّد –وحدوا الله -يا عباد الله- "لا إله إلا الله"- الموحِّدُ عند الله عزيز، عند الله، غالٍ أيُّها الموحِّد، لست برخيص عند الله، وإن كنت عاصيا، لكن لا يحبُّ منك المعصية، الله يتقرَّب ويتودَّد إلى عباده بالنعم، والعباد يتبعَّدون عنه بالمعاصي، فهو يتحنَّن إليهم ويتودد إليهم، فاسمه الودود، واسمه الحنَّان، واسمه الغفور، واسمه الرحمن الرحيم، يرحم من؟ العاصي حتى يتوب، فيرفعه من الرحمة إلى المحبة، فإذا أحبَّك الله كان سمعك وبصرك، يوفِّقُ أعضاءَك لعبادته وطاعته.

 

التوحيد "لا إله إلا الله"، من أقبل بها على الله قَبِلَهُ الله، ما دام مات عليها، وأخلص فيها لله -سبحانه وتعالى-، ولم يشرك معه أحدا، أقبل على الله بقلْبِه فقبِلَه، غفور ودود، رحيم جبَّار.

 

والعاصي المصرُّ على معصيته ما دام موحِّدًا يعذبه على مقدار معصيته إن شاء، ويأذن له بدخول الجنة، لا يحرِّم عليه دخول الجنة، مهما بلغ من المعاصي ما دام مات على التوحيد.

 

متى يدخل الجنة؟ بعد ألاَّ تبقى عليه معصية ولا خطيئة.

 

هؤلاء الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-؛ كلمةً قالوها: (اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [الأعراف: 59] فماذا فعل أقوامهم؟

 

عذبوهم شرّدوهم، هجَّروهم قتلوهم كذبوهم، إلا من رحم الله، وكذلك أتباعهم، أتباعُ الأنبياء على طريق الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام، ورضي الله عن أتباعهم-.

 

ونسأل الله أن نكون من أتباع الأنبياء، من أتباع محمد -صلى الله عليه وسلم-، قالوا لهم: "قولوا "لا إله إلا الله"، فمنهم من هاجر، كإبراهيم -عليه السلام-، الذي قال: (إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي) [العنكبوت: 26].

 

ترك العراق، وجاء إلى الشام، ورحل إلى مصر، ثم استقر في فلسطين، في الخليل، استقر الخليلُ في الخليل.

 

وهذا موسى -عليه السلام- جاء إلى فرعون بالآيات والنذر؛ أن يعبدَ اللهَ وحدَه، فلم يجد أُذُنًا صاغيةً فهاجر من مصر إلى سيناء، ولم يدخل الأرض المقدسة.

 

وما فعل محمد -صلى الله عليه وسلم-؟ هاجر من مكَّة إلى المدينة، سنَّةُ الله في أنبيائه -عليهم السلام-.

 

ومنهم من قتله قومُه، وقد حاولوا قتل محمد -صلى الله عليه وسلم- في تلك الليلة التي أمره الله سبحانه بالهجرة فيها، وحاولوا قتل المسيح -عليه السلام-، لكن قتلوا زكريا، وقتلوا ابنه يحيى، وقتلوا جماعة من الأنبياء، قتلهم أقوامُهم.

 

ومنهم -من الأنبياء- من وفَّقَه الله -سبحانه وتعالى-، وجعَلَ له دولةً يدعو فيها إلى التوحيد، وعبادة الله -سبحانه وتعالى-؛ كداود وسليمان -عليهما السلام-.

 

ونبينا محمَّدٌ -صلى الله عليه وسلم-، جمع الله له بين الهجرة، وبين العذاب، وجمع له بين الدولة التي استمرت عشر سنوات، أمر فيها بتوحيد الله، وأقام شرع الله -سبحانه وتعالى- في أرض الله، على أيدي صحابة رسول الله -رضي الله تعالى عنهم- جُلُّهم من العرب، وقليلٌ من العجم من فارس كان سلمان، ومن الحبشة كان بلال، ومن الروم كان صهيب، وغيرهم رضي الله عنهم وأرضاهم.

 

بهذا التوحيد الكامل في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته رضي الله -تعالى- عنهم؛ أمَّا من بعدهم، صار هناك بعض التقصير، وصارت هناك بعض الابتلاءات من الله -سبحانه وتعالى-.

 

فالتوحيد رسالة الأنبياء، ودعوة الرسل والأتباع، وكان هذا الأمر هو الأمر العظيم الذي غَفَل عنه الناس، لا بد من التذكير به، ولابد من تذكير أنفسنا قبل الناس، فالتوحيد تنزيهُ الله -سبحانه وتعالى- عن الشريك، وعن الضِّدِّ، وعن النِّدِّ: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: 11]سبحانه! (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص: 1- 4].

 

من شك في ذلك، فهو غير موحد، خرج من جماعة الإسلام والمسلمين.

 

سبحانه! ليس له شريك، وليس له نظير، وليس له مثيل، وما خطر ببالك، فالله ليس كذلك، ربما يخطر ببالك عن الله -سبحانه وتعالى- صورة معينة، الله ليس كذلك، يقصر الفكر والنظر عن تصور الله -سبحانه وتعالى-، لا إله إلا هو سبحانه.

 

التوحيد، إيمان بالله؛ بأنه "لا إله إلا الله"، إيمان بالملائكة الذين لا نراهم، آمنّا بهم بإخبار الله عنهم، وإخبار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنهم.

 

إيمان بالكتب التي نزلها الله، إيمان بالقرآن والإنجيل والتوراة، والزّبور وصحف إبراهيم وصحف موسى، نؤمن بها كلِّها.

 

الإيمان برسل الله وأنبياء الله: (مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ) [غافر: 78].

 

أسماؤهم في كتاب الله موجودة: (وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) [غافر: 78].

 

لأنهم أكثر من مائة ألف نبي، ومنهم ثلاثمائة وأربعة عشر رسولا -عليهم الصلاة والسلام-، آخرهم محمد -صلى الله عليه وسلم-.

 

ونؤمن باليوم الآخر أنّ هناك جنّة ونارا؛ جنة للموحدين، ونار للمشركين الكافرين.

 

فنسأل الله الجنة، ونعوذ بالله من النار.

 

ونؤمن بما كتبه الله في اللوح المحفوظ، القدر، نؤمن بما قدر الله علينا من خير وشر، حلوٍ ومرٍّ، والإيمان به لا يعني محبَّةَ الأمر المكروه، قد لا تحبُّ شيئا لكن ترضى به، لا تحبُّ الوجع، لكن الله كتب علينا الوجع، فنرضى به، فنأخذ بالأسباب نتداوى نرقي أنفسنا، نقرأ آية، نشرب عسلا، نكتوي بنار إذا كانت النار تنفع، أو نبتعد عن هذا كلِّه ونتوكَّل على الله -سبحانه وتعالى-.

 

فالقدر المخبَّأ لك -يا عبدَ الله- فيه خير بالنسبة لك، وفيه شرٌّ بالنسبة لك، فكما تحب الخير، لا تنكر الشر، كما تحبُّ النعيمَ واللذةَ بشتى أنواعها، كذلك يأتيك يوم فيه ألمٌ، فيه عذابٌ، فيه أنينُ الوجع، حتى يسمعك الله، تقول: "يا الله، يا الله، يارب".

 

هذه الكلمات لا تسمع أثناء قبضكَ لمبلغ آلاف الدنانير، آلاف الدولارات، قد لا تُسْمع: "يارب، يا الله" عندما تدخل على زوجة جميلة، قد لا تسمع: "يارب، يا الله" عندما تأكل طعاما لذيذا، لكن كلمة: "يا الله، يارب" وبصدقٍ ومن القلب، ومن الموحِّد عندما يكون مريضا، عندما يتعذَّبُ ويتألَّمُ من أمر من هذه الأمور الدنيوية: "يا الله، ياربُّ" ويكررها، والله -سبحانه وتعالى- يحب أن يسمعَ من عبده التوسلَ؛ ليرفعَه هناك درجاتٍ في الجنات، ويمحوَ عنه من السيئات في الدنيا.

 

التوحيد، إيمان بأسماء الله وصفاته التي وردت في كتابه، ووردت على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم-، بدون تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل، نؤمن بها كما جاءت على مراد الله، وعلى مراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ونؤمن بربوبيته سبحانه؛ فهو الخالق، وهو الرازق، وهو المحيي، وهو المميت، لا أحد في الأرض يحيي أحدا، ولا أحدَ في الأرض ولا أحد في السماء يميت أحدا، إلاَّ بمشيئةِ اللهِ، وبرضا الله، فكلُّ الأمور بيد الله، بيده مفاتيح كل شيء سبحانه.

 

فلِمَ تبحثُ عن مَّن ليس بيده شيء -يا عبد الله-؟! ولكن اتخذ هذا أو ذاك سببا، واجعل على يديه أن يكون شفاء كطبيب، أو رزق عند مسئول مثلا، أو إنسان عنده عمل تعمل عنده.

 

لكن ثقْ يقينا أن الرزق والشفاء ليس عند هؤلاء، وإنما هو عند الله، الشفاء ليس في الدواء، ولكن في خالق الدواء، عند الله -سبحانه وتعالى-، فعندما تشرب الدواء، أو تطلب العمل من إنسان؛ اعلم يقينا أن الله -سبحانه- هو وفق لذلك فاشكره واحمده ولا تكن كقارون الذي قال: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) [القصص: 78].

 

ذلك هو واحدٌ في ألوهيته سبحانه، في ألوهيته توحِّدُه، فلا تعبدْ معه غيرَه: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: 5].

 

توحيد الألوهية، لا تعبد غير الله، لا تتوكل على غير الله، لا تخف من غير الله، الخوف من الله، الرجاء من الله، طلب النصرة والنصر من الله، ليس بقوتك ولا بالعدة ولا العتاد، ولا بكثرة الرجال: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) [آل عمران: 126].

 

(يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ) [الروم: 6].

 

سبحانه، الله ينصر رسله والمؤمنين.

 

هذا الأمر؛ الألوهيةُ بما فيها الدعاءُ، بما فيها الصلاةُ والصيام والزكاة والحجُّ، كلُّها توحيد.

 

أيها الموحد: لا تقصرْ في واحدة منها، فينقصْ توحيدك، أو يتلاشى أو يذهبْ فتصبح -والعياذ بالله- خارجا من دائرة المسلمين، ينقص توحيدك بالمعاصي والذنوب، وتركِ الواجبات وتركِ الفرائض.

 

يا عبد الله: التوحيد، إحسانٌ وإخلاصٌ لله -عزَّ وجلَّ-، في عبادتك تقفُ بين يدي الله مصليًا، بين يدي الله صائما، بين يدي الله متصدقا مزكيا حاجًّا، كأنك تراه، هكذا فليكن عندك هذا الأمر، تفكَّر ركز على هذا الأمر ولا تركز على غيره: "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

 

فالتوحيد؛ أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

 

التوحيد، هجرة كما هاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة، وقبله التوحيد هجرة من الكفر، تهاجر بقلبك مما فيه من شوائب الشرك والكفر، وعدم الاعتراف بالرب الواحد -سبحانه- إلى الإيمان، إلى التوحيد، إلى الإخلاص لله -عز وجل-.

 

التوحيد، هجرة عن المعاصي والذنوب والخطايا، إلى الطاعات والحسنات، وفعل الخيرات.

 

التوحيد-يا عباد الله- هجرة من أماكن الكفر، ومن أماكن المعاصي التي تذكرك بعهدك القديم، عداوة الله -عز وجل- تهاجر منها إلى عهد يقربك إلى الله ويذكرك بالله، رجل موحد قتل تسعة وتسعين نفسا –تعرفون قصته- والبلاء ما دام هو في تلك المنطقة، هو يبقى يقتل، فاستشار أحد العباد الجهلاء، فأشار إليه أن أهرب عن وجهي، لئلا تأتيك نار من السماء فتحرقني معك، فأكمل به المائة، معه عصاة ثقيلة يقتل، أي أحد أمامه، لكن توحيده وإخلاصه لله منعه من أن يبقى كذلك، توجه إلى الله: يارب دلني، يارب أنا أريدك، وكل مرة يخطئ، الآن أخطأ مائة مرة، والخطأ ليس أمرا بسيطا وسهلا، بعض الدراهم أخطأ فيها فأكلها، أو بعض أعراض الناس انتهكها، أبدا، هو قاتل -يا عباد الله- لنتعلم ونأخذ العبرة، فدل على عالم، فقال له العالم: أنا لست بوابا على رحمة الله، رحمة الله واسعة، فقال: ماذا أفعل؟ قال: اخرج من بلدك السوء، هاجر منها، ولا تبقى فيها، إلى بلد الإيمان، فاعبد الله معهم، هناك أناس يعبدون الله، وكان الرجل صادقا مع كثرة المعاصي والذنوب، صدق الله فصدقه الله، مات في وسط الطريق، قبل أن يعبد الله مع أهل الإيمان، لكنه ترك ماذا؟ ترك أهل الكفر والعصيان، والعبد إذا مات تنزل عليه ملائكة، مخصصة للمكان الذي فيه الروح، ملائكة للعذاب تنزل على الكفار والمشركين، ليأخذوا روحه إلى النار، ملائكة الرحمة تنزل على المؤمنين حتى ولو كانوا عصاة، فتأخذ روحه إلى الجنة، بلاد النعيم، هذا الرجل من أي من نوع الملائكة سيأتيه؟ ألا تعلمون ما قاله صلى الله عليه وسلم؟ قال: "أتته ملائكة العذاب، وأتته ملائكة الرحمة".

 

ما حدث هذا الأمر لأحد قبله، والله أعلم أيضا أنه لن يحدث لأحد بعد هذا الرجل، جاءت ملائكة الرحمة، وجاءت ملائكة العذاب في ساعة واحدة، الكل يقول: نحن أولى به، لأنه لم يركع لله ركعة، وقتل مائة نفس، وهؤلاء قالوا: أقبل على الله تائبا، فاختصموا فيما بينهم، هو لنا، هو لنا، فبعث الله -عز وجل –كما يقول الحديث- رجلا ملكا في صورة رجل، فكان الملائكة يظهرون للناس إن شاء الله، ويختفون حسب المشيئة، إن شاء الله، فعرضوا قضيتهم عليه، فقال: مسألة بسيطة، قيسوا ما بين الأرضين، أرض الإيمان إلى الجسد –الجثة-، وأرض الكفر إلى الجثة، إلى أيتهما أقرب هو من نصيب الملائكة، وكان قد مات في وسط الطريق بالتمام، يعني سيعود الخصام بينهم مرة أخرى، وتداركته رحمة الله، قال الله عز وجل –في رواية- لأرض الإيمان: أن تقاربي، ولأرض الكفران أن تباعدي.

 

وفي رواية أخرى: أن الله بعث ريحا شديدة قوية دحرجت الجثة إلى أرض الإيمان بقدر شبر أو ذراع، فأخذته ملائكة الرحمة.

 

توبوا إلى الله، واستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى من اهتدى بهداه إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

 

عباد الله: التوحيد، فيه الفوز عند الله -عز وجل-، الفوز في الدارين الموحدين مهما تعرضوا لذلة ومهانة، فلم يروا كما رأى الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- من أقوامهم، وهذا لا يدل على أن الله لا يحبنا، ما دمنا موحدين، فإن الله يحبنا، وإن الله -عز وجل- لا يعذبه حبيبه في النار، لن يعذبه، فإذا أحبك الله لن يعذبك في النار: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [آل عمران: 31].

 

هذا هو الطريق إلى محبة الله، اتبع النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي نزل عليه القرآن، الذي نزل عليه الهدى والبيان للدنيا والآخرة، قال العلماء: أرجى آية في كتاب الله -عز وجل-، التي في سورة فاطر، أرجى آية يترجاها يجد فيها الرجاء العاصي والمؤمن الطائع والذي لا يعصي عز وجل، الرجاء فيها لأمثال هؤلاء خصوصا العصاة، قال سبحانه: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) [فاطر: 32].

 

عباد الله: بدأ بالظالم لماذا؟

 

قال العلماء: لئلا يقنط من رحمة الله.

 

ولماذا أخر السابق بالخيرات؟

 

قال: أخر السابق بالخيرات، حتى لا يأخذه الغرور والعجب بأعماله فأخره.

 

فبعض الناس يعمل الصالحات ويمحوها العجب، ويأتي يوم القيامة ليس له أعمال صالحة، محاها الغرور بالأعمال الصالحة.

 

وبعض الناس ظلم نفسه بكثرة المعاصي والذنوب، هو طائع لله، لكن عنده معاصي وذنوب، ظلم نفسه.

 

وأما المقتصد؛ فهذا تساوت حسناته وسيئاته، المقتصد يفعل الواجبات، ويبتعد عن المحرمات، لكن ليس له أثر في قيام الليل، وليس له أثر في التطوعات والتصدقات.

 

وأما السابق بالخيرات؛ فهذا يفعل الفرائض والواجبات ويفعل معها التطوعات، ويبتعد عن المحرمات والمكروهات قدر طاقته واستطاعته: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ).

 

لذلك -يا عباد الله- قال العلماء: بدأ بالظالم لنفسه؛ لأن أهل الجنة أكثرهم ظلمة لأنفسهم؛ لأن العصاة أكثر من الطائعين، العصاة الذين تاب الله عليهم، أكثر من الذين لا يعصون الله مطلقا، فأكثرهم أهل الجنة، والجنة درجات من أراد الدرجات العلا في الجنة؛ فليقلل من ظلمه، من معاصيه، من سيئاته، يقلل  من خطاياه، ويكثر من التطوعات، وكما قال الله -عز وجل-: "وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل" –غير الفرائض- حتى أحبه، وماذا تفعل إذا أحبك الله -يا عبد الله-، أنت تكون من خير خلق الله يا عبد الله إذا أحبك الله.

 

ومن دلائل الموحد على الله: أنه لم يبق في النار موحد، مهما عمل من الذنوب والخطايا ودخل النار، وتعذب عليها مصيره ومآله إلى الجنة هذا إن ما عفا الله عنه قبل ذلك، قال الله -عز وجل-: (وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) [الشورى: 30].

 

اللهم اعف عنا يارب.

 

فلا تظنوا -يا عباد الله- أن كلمة "لا إله إلا الله" قليلة، أن التوحيد شأنه بسيط، فلم العالم بأكمله، وبالأخص المسلمين، لا يركزون على هذه الكلمة، كثير من الناس توجه إلى ذروة سنام الإسلام؛ الجهاد، وتركوا الأساس التوحيد؛ "لا إله إلا الله"، ذروة سنام الإسلام، يعني بعد أن يتمكن الإنسان في الأرض يكون بعد ذلك الجهاد، وهناك أمور أخرى كثيرة جدا.

 

أما وقد تفشى الشرك في الناس ودعاء غير الله، والتوكل على غير الله، وطلب النصر من غير الله -سبحانه وتعالى-، نحتاج إلى توجيه إلى الوجهة الصحيحة، إلى عمل الأنبياء جميعا، ما قصر فيهم واحد أنهم دعوا إلى التوحيد، والدعاة والعلماء الربانيين كلهم دعوا إلى التوحيد، وما قصر في ذلك وركز على غير ذلك أضاع الأمة وفيما نرى الآن من ضياع الأمة، لا تملك نفسها، لا تملك درهمها ولا دينارها، ولا قرشها، وثوبها الذي تلبسه، في الخارج مصنوع، الأمة عالة على غيرها اليوم إلا من رحم الله؛ لأنهم فقدوا التركيز على هذا الأمر، والتشديد عليه، فوالله لو صلى المصلون، وزكى المزكون، وتصدق المتصدقون، وجرى النظام الذي يسير على عدم الفوضى في العالم كله بدون التوحيد لن يفلحوا أمام الله -سبحانه وتعالى-، لن يكون فلاح عند الله -سبحانه وتعالى-، وبالمقابل؛ لن يدخل الجنة مشرك وإن عمل ما عمل في الدنيا من الحسنات والصالحات والخيرات، وبناء المساجد، وبناء المستشفيات، وإقامة دور الأيتام، فعل هذه الأفاعيل كلها وأقبل على الله مشركا، قال الله عنه وعن أمثاله: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) [الفرقان: 23].

 

كل الأعمال لا تنفع، يأتي هذا الإنسان يريد أن يفر من كلمة الشرك، يقال له يوم القيامة مشرك، يعني إلى جهنم وبئس المصير: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) [المائدة: 72].

 

ظنوا يوم القيامة أن ينكروا ذلك، فماذا يفعلون؟ يقولون: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) [الأنعام: 23].

 

ويحسبون أن صلاتهم وصيامهم ينفعهم يوم القيامة، مع شركهم بالله عبدوا غير الله، ودعوا غير الله، وطافوا على غير الكعبة، حول الأضرحة والقبور وما شابه ذلك، ما ينفعهم ذلك عند الله -سبحانه وتعالى-، ما قدموه من خيرات.

 

الفوز والنجاح والفلاح في كلمة: "لا إله إلا الله"، وفي آخر الزمان؛ كما روى صلة بن أشيم عن حذيفة، وحذيفة يخبر أن من علامات الساعة ألا يقال في الأرض: الله الله، حتى تبقى المرأة العجوز سبعين ثمانين تسعين سنة أو أكثر، والرجل العجوز يقول: الله إذا قام، هذا نهاية كلمة الله من الأرض: الله الله، فيسألهم أبناؤوهم وأحفادهم: ما هذه الكلمة؟ ما هذا الشيء؟ الله؟ ما يعرفونها، فيقولون -العجائز- هذه كلمة كنا نسمع آباءنا وأجدادنا يقولونها فنقولها.

 

كلمة: "الله" الآن الفصل بينها إذا مات هؤلاء ما في أحد، يقول: الله الله، فيسأل صلة رحمه الله، وهو من السلف والتابعين، يسأل حذيفة: ما تنفعهم هذه الكلمة، الله، أو "لا إله إلا الله"؟ قال له: تنجيهم من النار يا صلة، يعني لا يخلدون في جهنم، بهذه الكلمة لا يخلدون في جهنم.

 

فهل أنت مستعد لئلا تخلد في جهنم فقط؟! أن تكون من السابقين، أن تكون من المقتصدين.

 

نسأل الله العظيم الجليل أن يغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وأن يوحد صفوفنا، وأن يؤلف بين قلوبنا، وأن يزيل الغل والحقد والحسد والبغضاء من صدورنا.

 

اللهم اغفر لنا وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، إنك قريب سميع مجيب الدعوات، يارب العالمين.

 

اللهم وفقنا دائما وأبدا لما تحبه وترضاه يارب العالمين.

 

اللهم أحيينا على التوحيد، وأمتنا على التوحيد، وانشرنا يارب وابعثنا على كلمة: "لا إله إلا الله".

 

 

 

المرفقات

الله فوز وفلاح ونجاة في الدارين

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات