تعظيم الله تعالى

أحمد بن عبد العزيز الشاوي

2016-05-22 - 1437/08/15
عناصر الخطبة
1/ عظمة شأن الله تعالى 2/ تعظيم الكون والملائكة والأنبياء والصالحين لله 3/ كيفية تعظيم السلف لله 4/ مظاهر ضعف تعظيمنا لله تعالى 5/ أسباب ذلك الضعف 6/ ضعف تعظيم الله مصيبة تستوجب التحذير والمحاسبة.

اقتباس

وقال ابن مندة في كتاب الإيمان: "والعباد يتفاضلون في الإيمان على قدر تعظيم الله في القلوب، والإجلال له، والمراقبة لله في السر والعلانية". وإن عدم تعظيم الله في القلوب مصيبة عظيمة؛ فلا بد من المحاسبة والمراقبة0

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله رب العالمين، لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، وقيوم السموات والأرضين، ومالك يوم الدين، الذي لا فوز إلا في طاعته، ولا عز إلا في التذلل لعظمته، ولا غنى إلا في الافتقار إلى رحمته، ولا حياة إلا في رضاه، ولا نعيم إلا في قربه، الذي إذا أطيع شكر، وإذا عصي تاب وغفر، وإذا دعي أجاب، وإذا عومل أثاب.

 

وسبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، وسبحان من سبحت له السموات وأملاكها، والنجوم وأفلاكها، والأرض وسكانها، والبحار وحيتانها، (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [الإسراء:44]، يعلم دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء.

 

وأحمده حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، يملأ أرجاء السموات والأرضين إلى يوم الدين، وأصلي وأسلم على من أرسله الله بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وَ(الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) [الإسراء:111]. فالله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا.

 

الله أكبر! كلمة تجلجل في الأجواء، وتصدح في الفضاء، ينادى بها لكل صلاة، وتستفتح بها كل صلاة، وتزلزل بها عروش الجبابرة والطغاة.

 

الله أكبر! كلمة لو عقلناها لتحركت منا المشاعر واهتز الوجدان.

 

الله أكبر! ردِّدْها فإن لها *** وقعَ الصواعِقِ في سمع الشياطينِ

 

والله أكبر ظاهرٌ ما فوقه *** شيءٌ وشأن الله أعظم شانِ

والله أكبر عرشه وسع السما *** والأرض والكرسي ذا الأركان

وكذلك الكرسي قد وسع الطبا *** ق السبع والأرضين بالبرهان

والرب فوق العرش والكرسي لا *** يخفى عليه خواطر الإنسان

 

ذلكم الله ربي، خرت الجبال من تجليه، وتفطرت من خشيته، (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكَّاً) [الأعراف:143]، (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً) [مريم:9].

 

وشأن الله أعظم من ذلك، يمسك السموات يوم القيامة على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يهزهن ويقول: أنا الملك! أنا الملك! (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ...) [الزمر:67].

 

إنه الله على العرش استوى، وما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة.

 

إنه الله -جل جلاله- غني عن طاعتنا، له ملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لا يعلم عددهم إلا الله، فالبيت المعمور في السماء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلى يوم القيامة.

 

إنه الله الذي تصاغر كل شيء لعظمته وجبروته، فجبريل -عليه السلام- والذي له ستمائة جناح، وبجناحٍ واحدٍ سدّ الأفق، وبطرف جناح اقتلع قرى قوم لوط من جذورها وصعد بهم ثم خسف بهم وأتبعهم حجارة من سجيل، هذا الملك العظيم في خلقته رآه النبي -صلى الله عليه وسلم- بالملأ الأعلى كالحلس البالي من خشية الله -تعالى-، فمن تكون -أيها الإنسان- المتكبر المتعاظم المستنكف عن عبادة ربك وطاعته؟.

 

ذلكم الله ربي، كل ما في هذا الكون شاهد على عظمته وقدرته، فلماذا لا نخاف الله ونعظمه وهو القوي الذي تتصاغر أمام قوته كل قوة، ويتضاءل عند ذكر عظمته كل عظيم؟ لماذا لا نخاف الله ولا نعظمه والملائكة يخافونه من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون وهم من خشيته مشفقون؟.

 

وخافه الأنبياء والمرسلون فكانوا يسارعون في الخيرات ويدعونه رغبا ورهبا وكانوا له خاشعين، وخافه سيد المرسلين -صلى الله عليه وسلم- وقال: "والله إني لأعلمكم بالله، وأشدكم له خشية"، وخافه الصالحون من عباده فكانوا إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تتلى عليهم آياته خروا سجدا وبكيا، لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار.

 

لماذا لا نعظم الله ولا نخشاه؟ لماذا نخشى المخلوق وننسى الخالق؟ لماذا نستخفي من الناس ولا نستخفي من الله وهو معنا إذ نبيت مالا يرضى من القول وكان الله بكل شيء محيطا؟ لماذا لا نعظم الله وقد عظمه أسلافنا وقدروه حق قدره؟.

 

عظموا الله بالاستجابة لدينه، والانقياد لشريعته، والتسليم لحكمه، (الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ) [آل عمران:172].

 

هؤلاء نفر من الصحابة كانوا يشربون الخمر ولا يطيقون عنها صبرا، بيد أنه لما نزل القرآن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة:9]، لما نزل القرآن بذلك تركوها وأقلعوا عنها قائلين: انتهينا انتهينا! وحتى كان أحدهم يمسك الكأس بيده قد شرب نصفها فيأتيه الحكم بتحريم الخمر فما يكملها!.

 

كانوا يعظمون الله بقبول حكمه، وشعارهم: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [النور:51]، ودستورهم: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء:65].

 

زينب بنت جحش -رضي الله عنها- يخطبها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لزيد بن حارثة، فتأبى وتقول: لست بناكحته، فيقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "بلى فانكحيه"، قالت: يا رسول الله، أؤمر في نفسي؟ فبينما هما يتحدثان إذ بالقرآن ينزل: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا) [الأحزاب:36]، فتقول: قد رضيته لي يا رسول الله منكحا؟ فيقول: "نعم"، فتقول زينب: إذن لا أعصي رسول الله، قد أنكحته نفسي.

 

كانوا يعظمون الله بتعظيم نصوص الشريعة واحترامها، والتقيد بها، والرضا بمضمونها ولو خالفت النفس والهوى، روى ابن عمر -رضي الله عنهما- حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنّكم إليها"، فقال بلال بن عبد الله: والله لَنَمنعهن! فأقبل عليه عبد الله بن عمر يسبه سبا لم يسب مثله قط، وضربه مع صدره وقال: أخبرك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتقول: والله لنمنعهن؟.

 

وهذا عبد الله بن مغفل -رضي الله عنه- يرى قريبا له يخذف بالحصا، فنهاه وقال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الخذف وقال: "إنها لا تصيد صيدا، ولا تنكأ عدوا؛ ولكنها تكسر السن، وتفقأ العين"، فعاد إلى فعلته، فقال: أحدثك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الخذف ثم تخذف، والله لا أكلمك أبدا!.

 

كانوا يعظمون الله بتعظيم أمره ونهيه، فلا يعارضون أمره ونهيه بترخص يجفو بصاحبه عن كمال الامتثال، ولا بغلو يتجاوز بصاحبه حدود الأمر والنهي، ولا بحمل الأمر والنهي على علة توهن الانقياد وتضعف التسليم، كمن يتأول تحريم الخمر بعلة إيقاع العداوة والبغضاء، ومن يحمل الأمر بالحجاب على أمن الفتنة، وكم أوهنت هذه العلل من انقياد! وكم عطلت لله من أمرٍ وأباحت من نهيٍ وحرّمت من مباح! وما أجمل ذلك الأثر: "يا بني إسرائيل، لا تقولوا: لم أمر ربنا؟ ولكن قولوا: بم أمر ربنا".

 

كانوا يعظمون الله بتوحيده والإخلاص له، فلم يجعلوا دونه سببا، فلا يوصل إلى الله إلا الله، ولا يقرب إليه سواه، ولا يتوصل إلى رضاه إلا به، ولم يروا لأحد من الخلق حقا على الله، بل الحق لله على خلقه، وأما إثابة الخلق على أعمالهم وتوبته على تائبهم وإجابته لسائلهم فتلك حقوق أحقها الله على نفسه بحكم وعده وإحسانه، وإذا رأيت الله -عز وجل- قد اختار لك أو لغيرك شيئا إما بأمره ودينه وإما بقضائه وقدره فلا تنازع اختياره، بل ارض باختيار ما اختاره لك؛ فإن ذلك من تعظيمه -سبحانه وتعالى-.

 

كانوا يعظمون الله بتعظيم حرماته، (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ) [الحج:3]، (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج:32]. كان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- إذا حضرت الصلاة يتزلزل ويتلون وجهه، فقيل له: ما لك؟ فقال: "جاء والله وقت أمانة عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملتها". قال مجاهد -رحمه الله-: "كان إذا قام أحدهم يصلي يهاب الرحمن أن يشد بصره إلى شيء، أو أن يلتفت أو يقلب الحصى، أو يعبث بشيء، أو يحدث نفسه من شأن الدنيا إلا ناسياً، ما دام في صلاته"، وكان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشوع، وكان مسلمة بن بشار يصلي في المسجد فانهدم طائفة منه فقام الناس وهو في الصلاة لم يشعر، وكان سعيد التنوخي إذا صلى لم تنقطع الدموع من خدَّيه على لحيته.

 

كانوا يعظمون الله بتعظيم كتابه؛ وذلك بالإيمان به، وتصديقه، واتباعه، وتوقيره وإجلاله، وكثرة تلاوته. قال القاضي عياض: "اعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف أو بشيء منه، أو سبهما، أو جحده أو حرفا منه أو آية، أو كذب به أو بشيء منه؛ فهو كافر عند أهل العلم بالإجماع"، وقال ابن حزم في رده على اعتراض النصارى بأن الروافض يزعمون تبديل القرآن: "وأما قولهم في دعوى الروافض تبديل القرآن فإن الروافض ليسوا بمسلمين".

 

كانوا يعظمون الله بتعظيم رسوله -صلى الله عليه وسلم- من غير غلو ولا جفاء؛ امتثالا لأمر ربهم: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً) [الفتح:8]، وتعظيم الرسول بتقديم محبته على النفس والوالد والولد والناس أجمعين، سئل علي -رضي الله عنه-: كيف كان حبكم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فقال: "كان -والله- أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ".

 

وبعد موقعة أحد حيث قتل من قتل من المسلمين، خرجت امرأة من الأنصار متحزمة، فاستقبلت بنعي ابنها وأبيها وزوجها وأخيها، لا يدرى بأيهم استقبلت أولا، كلما مرت على أحدهم قالت: "من هذا؟"، قالوا: أبوك، أخوك، زوجك، ابنك فقالت: "ما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟"، قالوا: هو أمامك بخير، فلما رأته أخذت بثوبه ثم قالت: "بأبي أنت وأمي يا رسول الله! لا أبالي إذ سلمت من عطب، كل مصيبة بعدك جلل"، أي: يسيرة هينة.

 

كانوا يعظمون رسول الله بالأدب معه، والثناء عليه، وكثرة الصلاة والسلام عليه، والإكثار من ذكره، والتشوق إلى رؤيته، والأدب في مسجده، وتوقير حديثه، وسنته، والذب عن عرضه، والدفاع عنه؛ وفوق ذلك كله باتباعه، وطاعته، والاهتداء بهديه، والتحاكم إلى سنته.

 

هكذا كان أسلافنا في تعظيمهم لله، ولدينه، وشعائره، ورسوله، وكتابه، فاستحقوا النصر والعزة، ومكن الله لهم في الأرض فأصبحوا ظاهرين.

 

هكذا كانوا، فكيف كنا؟ أما والله لو رسخ تعظيم الله في قلوبنا لما كان من بيننا من يصدح نداء الحق في بيته فيرضى بأن يكون مع الخوالف، ويأبى إلا أن يبول الشيطان في أذنيه ويستنكف عن إجابة النداء، و"من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر"، فما عذر المتكاسلين القاعدين؟.

 

والله! لو عظمنا شعائر الله وحرماته لما وجد بيننا من يفري في أعراض المسلمين غيبة ونميمة وسخرية واستهزاء وقذفا، وقد قال خالقنا: (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق:18]، وقال رسولنا: "وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟".

 

ولو عظمنا حرمات الله لما رأينا من يأكل أموال الناس بالباطل تحت غطاء الشركات والمساهمات والرشاوى والسرقات، ويتساهل في حقوق الناس وديونهم، ويتدثر بدثار المظهرية الجوفاء من دعاية وإعلانات وسيارات فارهة؛ فأين تعظيم حرمات الله؟ وهو القائل: (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم) [البقرة:188]، ورسوله هو القائل: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم"، والقائل: "يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين".

 

هل عظم الله من تخلى عن نصرة إخوانه المجاهدين والمستضعفين وتغاضى عن مآسيهم وقصر في مناصرتهم وأكثر من التجريح فيهم واتهامهم في مقاصدهم مجاراة لإعلام أعداء الله في لمزهم ووصفهم بما ليس فيهم؟ فأين هؤلاء من وعد الله لأهل النصرة ووعيد رسوله لمن خذل مسلما؟.

 

يوم أن خفت تعظيم الله في القلوب رأينا مظاهر من الموالاة لأعداء الله من تقليد ومحاكاة في الملابس والأشكال والعادات والأفكار، ورأينا من يفضل الكفرة على المسلمين ويقدمهم في الوظائف والأعمال! (وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) [البقرة:221]، وقد قال ربنا: (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) [المائدة:51]، ورسوله هو القائل: "من تشبه بقوم فهو منهم".

 

أين تعظيم الله وتعظيم حرماته يا حملة الجوالات الإباحية والتي تحمل صورا من السخف وقلة الحياء، ومقاطع من السفالة والمجون تدعو إلى الفحشاء والمنكر؟ فوا أسفاه على هذا الانحدار الأخلاقي الذي انتهى إليه بعض شبابنا وفتياتنا! وياحسرتاه على بنات من بلدي يخضن مستنقع الانحراف، ويدخلن نفق الجريمة المظلم، دون إدراك للنهاية المأساوية!.

 

ويا عجبا من فتاة مسلمة تجرؤ على بذل أغلى ما تملك رخيصا بلا ثمن في سبيل شهوة عابرة! ويا خجلتاه من وجود آباء غافلين عما يجري في بيوتهم لا يستيقظون إلا إذا حلت النكسة ووقعت المأساة! فهل عظمتم الله القائل: (قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم:6]، وهل عظمتم رسوله القائل: "ما من راع يسترعيه الله رعية فيموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة".

 

ولكن؛ لا عجب! وشبابنا وفتياتنا يصارعون طوفانا من الغرائز الملتهبة، ونارا من الشهوات، توقدها القنوات الفضائية، والمواقع العنكبوتية، والبرامج الحوارية، والجوالات الإباحية، وتذكيها الصداقات السيئة، والعلاقات غير النزيهة...

 

ولا عجب وفئة من بناتنا ونسائنا يعانين من ظلم الآباء والأزواج، فمن فتاة عضلها وليها، وأخرى خانها زوجها بالمعاكسات، وثالثة حرمت الحنان العاطفي والاستقرار النفسي، فالآباء في سمر وسفر وسهر، والبيت حظه الزعيق والصراخ، وأهل البيت حظهم اللوم والعتاب والتقريع، فلا كلمة حانية، ولا لمسة هادئة، ولا نظرة أبوية، فيبحث الأبناء والبنات عن الحنان المزيف عبر بوابة الهلاك.

 

أين تعظيم الله وتعظيم شريعته وحكمه عند من يجرون وراء المباحات، ويتهربون من العزائم والتكاليف، ويترخصون بالرخص، ويتتبعون الشذوذ من أقوال الفقهاء، ويتذرعون بالخلاف للتحلل من أحكام الدين؟ وهذا مما يورث العبد ضعفا في إيمانه، وتذبذبا في يقينه؛ فإن الشيطان لا يرضى من العبد أن يقف عند حد فعل المباحات، بل يحاول أن ينقله إلى مرحلة الوقوع في المتشابه، ثم إلى الحرام، ومن ثم يظلم القلب ويصيبه الران، والعياذ بالله، ذلك بأن عقوبة المعصية معصية بعدها، والانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق، قال الشاطبي: "إن الترخص إذا أخذ به في موارده على الإطلاق كان ذريعة إلى انحلال عزائم المكلفين في التعبد على الإطلاق، فإذا أخذ بالعزيمة كان حريا بالثبات في التعبد والأخذ بالحزم فيه، فإذا اعتاد الترخص صارت كل عزيمة في يده كالشاقة الحرجة".

 

إن المسلم مطالب بالتسليم التام والخضوع الكامل للنصوص الشرعية، وإن التسليم يعني خضوع القلب وانقياده لربه. فأي تعظيم عند من يحاول ليّ النصوص وتأويل الآثار ليبيح الغناء، أو ليسوغ الربا، أو ليبرر المنكرات، أو ليبطل الصلوات في الجماعات، أو ليهون من شأن حجاب المرأة وعفتها؟.

 

وأي تعظيم لله عند امرأة تتنصل من حجابها، وتتضايق من حشمتها، وتحاول الفرار من جنة الفضيلة إلى حمأة الضياع، عبر عباءات متبرجة، ونقاب فاتن، وكلام خاضع، ومشية متكسرة؛ وما علمت أن العباءة عبادة، وأن تعظيم الحجاب تعظيم لرب الأرباب.

 

إن من يعظم الله ويقدره حق قدره لا يقبل التنازلات ولا المساومات على دينه، بل هو ثابت راسخ رابط الجأش أمام المحن والفتن، يعلم أن الصابر على دينه كالقابض على الجمر، لا تثنيه عن دينه والتعبد لربه رخصة عالم، ولا يلج الحرام لزلة مفت، ولا يأكل الحرام لشبهة مهما كانت..., شعاره: "الإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك"، و"من وقع في الشبهات وقع في الحرام"، و"إن هذا الدين متين"، فخذوا ما آتيناكم بقوة.

 

أين تعظيم الله وتوقيره ورسول الله -صلى الله عليه وسلم ينال من عرضه ويقدح في سيرته بألسنة الصليبيين وأقلامهم، فلا تتحرك مشاعر، ولا تدمع عين، ولا يحزن قلب؛ فماذا يعني أن تتهاوى المقاطعة لمجرد فتوى هزيلة وقرار انهزامي؟ فمتى يكون رسولنا أغلى وأعلى من أبقار الصليبيين ومنتجاتها؟.

 

أين تعظيم الله في أمة يستهان فيها بورثة الأنبياء من العلماء العاملين، فيتعرضون للهمز واللمز والسخرية من قبل سخفاء الصحافة ضعفاء العقول، والأقزام الذين يتطاولون على أكتاف سب العلماء ومحاولة إسقاطهم وتقليل شأنهم؛ لتبقى الأمة بلا مرجعية علمية فينشأ متعالمون ودعاة مضلون يفتون بغير علم فيضلون ويُضلون. قال الإمام أحمد بن الأذرعي: "الوقيعة في أهل العلم، ولا سيما أكابرهم، من كبائر الذنوب".

 

أين تعظيم الله في أمة يسخر بدينها، ويستهزأ بمبادئها، ويتهكم بصالحيها ومصلحيها عبر مسلسلات الطيش والفسوق، وما عجب أن يسخر المنافقون، فتلك سمتهم منذ فجر الإسلام: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ) [التوبة:79]، (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ) [التوبة:65].

 

لكن العجب ممن يحملون قلوبا مؤمنة وأنفسا غيورة ومع ذلك يشاهدون هذا الفسوق، ويتندرون بمشاهد هذا السخف، ومواقفهم لا تتجاوز الضحك والتندر، فأين تعظيم حرمات الله؟ وأين إجلال الله؟ وأين تعظيم نهي الله القائل: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) [الأنعام:68].

 

لو عظمت الأمة ربها وأجلت شريعته وحرماته، وخشيت وعيده، لما وقفت ساكتة أمام سيل المنكرات الذي يؤذن بطوفان عذاب لا ينجو منه إلا المصلحون: (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ) [الأعراف:165].

 

أين تعظيم الله وتعظيم حرماته، ورجال الهيئات والمحتسبون يتعرضون للأذى، ويعتدى عليهم، وتهان كرامتهم على أيدي سفلة من فئران الخراب وجرذان الفساد ممن يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا؟ عدوان بدني، وآخر لساني، وكتبة كذبة يسخرون من الهيئات ورجالها، سخر الله منهم!.

 

ولو كنا أمة تعظم الله، وتجل أولياءه، وتحترم شعائره، لارتفعت بكل عزة وشموخ راية الأمر بالمعروف، وعز رجالها، وأصبح المجتمع يداً تدافع وتنافح وتكافح وتذب عن أعراضهم؛ ولكن إلى الله نشكو غربة هذا الدين، وتطاول المفسدين!.

 

أما والله لو كنا أمة تعظم ربها وحرماته ودينه لما وجد فينا من يسمع الغناء، ولا من يأكل الربا، ولا من يطلق بصره في مشاهدة الفجور والخنا.

 

ولو عظمنا حرمات الله لما جار حاكم، ولا ظلم زوج زوجته، ولا حاف معدد في تعامله مع زوجاته، ولا قطعت رحم، ولا عق والد.

 

فيا أيتها الأمة المرحومة: إن ربكم يناديكم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ) [المائدة:2]، ويخاطبكم: (فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) [المائدة:44]، ويخبركم: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج:32].

 

فمن منا يجيب النداء، ويعظم رب العزة والكبرياء؟ ومن منا يقدر الله حق قدره، ويجل شرعه وأمره ونهيه؟ من منا يسلم نفسه لله وهو محسن، ويحتكم إلى شريعة ربه في كل أمره، ولا يجد في نفسه حرجا ويسلم تسليما؟ من منا إذا دعته امرأة ذات منصب وجمال قال: إني أخاف الله رب العالمين؟ ومن منا إذا سولت له نفسه اتباع الشهوات ومخالفة رب الأرض والسموات، وجل قلبه، واستشعر عظمة الله في قلبه وقال: إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم؟.

 

وعلى قدر ما يكون في القلوب من تعظيم الله، يكون القرب من الله، (إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [الأعراف:56].

 

وقال ابن مندة في كتاب الإيمان: "والعباد يتفاضلون في الإيمان على قدر تعظيم الله في القلوب، والإجلال له، والمراقبة لله في السر والعلانية". وإن عدم تعظيم الله في القلوب مصيبة عظيمة؛ فلا بد من المحاسبة والمراقبة.

 

فيا أخي المسلم، ويا أختي المسلمة: إني أحذركم ونفسي مقاما عنت فيه الوجوه، وخشعت فيه الأصوات، وذل فيه الجبارون، وتضعضع فيه المتكبرون، واستسلم فيه الأولون والآخرون بالذل والمسكنة لرب العالمين، فانظر بأي بدن وبأي قلب تقف بين يديه، وبأي منطق ستجيبه.

 

أسأل الله أن نكون ممن يعظم ربه، ويقدره حق قدره، ويخشاه حق خشيته، وأن يمن علينا بتعظيم شريعته، والانقياد لحكمه، والتسليم لأمره.

 

 

 

المرفقات

الله تعالى

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات