بين علي وفاطمة

د عبدالعزيز التويجري

2022-01-28 - 1443/06/25 2022-02-05 - 1443/07/04
عناصر الخطبة
1/ قصة عجيبة 2/كيفية إدارة المشكلات الزوجية 3/وجوب ستر أسرار البيوت وعدم إفشائها 4/وصية ربانية لإصلاح البيوت.

اقتباس

العظيمات في بيوت القامات تختصر دورات واستشارات، حين يضيع أفراد الأسرة من أجل لهث خلف كوب ودعابة ونزهة، حقّ لكل أسرة أن تفتح صفحة من تلك البيوت الراقية تتثقّف بتعاملها وأدبها، وتتربّى على وفائها وحُسن عشرتها، لا مَن يصنعون خناجر في الصدور باسم الحرية والعيشة المستقبلية، الأعراض والحرمات ليست سلعًا يُتاجَر بها..

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

الحَمْدُ للهِ الرحِيمِ الرحْمَنِ، نَشْكُرُ ربنا على ما منَّ علينا من الخير والبر والإحسان، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ؛ هَدَانَا لِلْإِيمَانِ، وَعَلّمَنَا القُرْآنَ؛ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ والتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين.

 

أَمَّا بَعْدُ: فاتقوا الله أيها المؤمنون، واعلموا أنكم ملاقوه، واعملوا صالحًا.

 

قصة غريبة فريدة، قليلة في مبناها، عظيمة في معناها، يرويها سهل بن سعد -رضي الله عنه-، كما في البخاري ومسلم، قال: جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيت فاطمة فلم يجد عليًّا في البيت، فقال: "أين ابن عمك؟"؛ قالت: كان بيني وبينه شيء، فغاضبني، فخرج، فلم يقل عندي. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لإنسان: "انظر أين هو؟"، فجاء فقال: يا رسول الله، هو في المسجد راقد، فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو مضطجع، قد سقط رداؤه عن شقه، وأصابه تراب، فجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمسحه عنه، ويقول: "قم أبا تراب!، قم أبا تراب!".

 

أرأيتم إلى هذا الحدثِ القصيرِ، والموقفِ اليسيرِ، لا يتجاوزُ مضمونَه أربعةِ أسطرٍ، لكنَّ محاورَه تُقامُ بها درواتٌ واستشاراتٌ، بفهمه يُنهى في المحاكمِ جلسات، وببيانهِ يُخرس ألسنة فرقت بيوتات، وبتعقله يلتم شملُ أُسَر لعبت بها المغرياتُ.

 

المشهدُ والقصةُ تمت بلحظات، لكنها قاعدةٌ لسنوات، وعلاجٌ لكثيرٍ من المشكلات.

 

وإليكم القصةُ ببيانِ تفاصيلها، بيت زوجية حديث عهده بزواج، يُيَمِّمُ والدُ الزوجةِ نحو بيتِ ابنتهِ يتحسس أخبارَهم، ويطمئنُ على حياتِهم، ويتفقدُ أحوالهَم، فيطرقُ بيتَهم، فتخرجُ له ابنتهُ وريحانتهُ وجمّارةُ قلبهِ، فيسلمُ عليها، وقبلَ أن يدخل يسأل عن زوجِها وعن أحوالِه، فتفاجئُه ابنتهُ بأنهُ قد جرى بينهما خلاف في أمرٍ وصل إلى حد الغضبِ بينهما، وعند شدةِ الخلافِ وتفاقمِ المشكلةِ، خرج الزوج من البيت غاضبًا، ولم تعلم أين ذهب.

 

فماذا صنع والدُها؟، وما هي درجاتُ الحنقِ التي انصبت عليه؟ وإن تعجبوا فاعجبوا من عرض البنت للمشكلة لأبيها؛ لم تخبره ماذا حدث بينهم، وماذا حصل.. فلم تزد على أن قالت: "كان بيني وبينه شيءٌ فغاضبني فخرج".

 

 يا ترى ما هو هذا الشيء؟ الفرصةُ مواتيةُ لبوحِ كلِّ شيءٍ، وفتحِ ملفاتٍ سابقةٍ، وشحناتٍ على الزوجٍ ماضيةٍ، لكنَّ الزوجة التي ملأت البيتَ عقلاً ورجاحةً وفطنةً، لم تكن لتُفشّي سرَّ زوجها، أو تخلخل جدران العلاقة مع من أسكنها من مالهِ، وغذاها من طعامهِ، وأشركها حياته؛ وفاءً لمعروفهِ ولو غاضبها، بقاءً في عصمتهِ ولو خالفها.

 

لم تكن البضعةُ المحمديةُ لترفسَ النعمةَ التي بين يديها، وهي التي تخرّجت من أعظمِ جامعة في الدنيا، وحصلت على أعظمِ وسام تفوُّق في الحياةِ الأسريةِ، وتربّت في كنفِ أعظمِ بيتٍ؛ لم تذكر الخلافَ والمشكلةَ لأبيها، ولم تستغل الحدث لتأليبه على زوجها.

 

لأنه لم يكن مصدر ثقافتِها، ومَن يحكم حياتَها الأسريةِ، ومسيرتهَا الشخصيةِ، مجاهيل لما خسروا حياتَهم ولم يكن لهم رقم في عالم الإنجازِ عندها أخذوا معولَ الشهرةِ ليحطّموا من خلالِها جُدُر البيوت، واستخدموا عاطفةَ النساءِ بسلبِ عقولِهنَّ عن بيوتهنَّ، والابتعاد عن أزواجهنَّ وأوليائهنَّ، بعرضِ متاعِ الحياةِ والخضرةِ والنزهة، وتأليبهنَّ على مَن يرعاهنَّ ويحفظُ كرامتهنَّ. فأصبحوا شُركاءَ في سرايا إبليس لتفريقِ الأسرِ وهدمِ جدرانِ الألفة.

 

ما كانت لتفعل ذلك، وهي الدرة المصونة.

هي بنت من؟ هي أم من؟ هي زوج من؟ *** مَن ذا يداني في الفخار أباها؟

في روض فاطمة نما غصنان لم *** ينجبهما في النيرات سواها

هي أُسوة للأمهات وقدوة *** يترسم القمر المنير خطاها

جعلت من الصبر الجميل غذائها *** ورأت رضا الزوج الكريم رضاها

 

وبعد ذلك ينطلق والدها يبحث عمَّن أغضب ابنته، فيجده نائمًا في المسجد فيا ترى؟ هل ركله بقدمه وعنَّفه؟، قال سهل بن سعد فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعليٌّ مضطجع، قد سقط رداؤه عن شقه، وأصابه تراب، فجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمسحه عنه التراب، ويقول: "قم أبا تراب، قم أبا تراب".

 

بكل رحمة وأدب يجلس بجانبه ويزيل الغبار والتراب عن ظهره، وكأن شيئًا لم يحدث، وأغلقت ستار المشكلة، وانتهت حلقاتها؛ فالبنت لم تخبر أحدًا، والأب لم يسأل ولم يعنّف، والزوج قام راضيًا.

 

ووالله وبالله إن هذا الحديث، وهذه القصة لو قُرِئَتْ في البيوت، وتربَّت عليها الأُسَر، لما اشتكت المحاكم من كثرة الخلاف والنزاع والشقاق على دنيا دنية، وحظوظ نفسية، ولدُحِرَ الشيطان، وانخنس دعاة الشهرة على عواتق العواطف.

 

في أحاديث السيرة تربية، وفي مواقف الرعيل مدرسة، حين تفر الزوجة لأن زوجها أعف بالحلال نفسه وأخذ بكلام ربه (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ)[النساء: 3].

 

العظيمات في بيوت القامات تختصر دورات واستشارات، حين يضيع أفراد الأسرة من أجل لهث خلف كوب ودعابة ونزهة، حقّ لكل أسرة أن تفتح صفحة من تلك البيوت الراقية تتثقّف بتعاملها وأدبها، وتتربّى على وفائها وحُسن عشرتها، لا مَن يصنعون خناجر في الصدور باسم الحرية والعيشة المستقبلية، الأعراض والحرمات ليست سلعًا يُتاجَر بها، الأعراض ليست دعايات للترويج من خلالها.

ومن لا يذد عن حوضه بسنانه  *** يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم

 

 أعاذنا الله من كل شر حاسد إذا حسد، ومن كل مبطل ومفسد.

أستغفر الله لي ولكم....

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله وآله وأصحابه.

 

أما بعد: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1].

 

يا أيها الناس اتقوا الله في بيوتكم وأزواجكم.. واقنعوا بما آتاكم الله؛ (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)[طه:131-132]؛ هذه هي الوصية الربانية التي معها طمأنينة في الدنيا وفلاح في الآخرة.

 

 واعلموا أنه لا يدوم للإنسان إلا ذريته الطيبة، فهي الذخر في الآجل.. ربُّوا أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم على أن ما في أيدي الناس ذُلّ، وأن اتّباع كل ناعق مذلة وخسران، وأن القناعة والكفاف عز.

 

يقولون لي فيك انقباض وإنما  *** رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما

أرى الناسَ من دانهم هان عندهم  *** ومن أكرمته عزةُ النفس أكرما

أُنزّهها عن بعض ما لا يشيُنها *** مخافة أقوالِ العِدا فيم ؟ أو لِمَا

وما كلُّ برق لاح لي يستفزُني *** ولا كلُّ من لاقيتُ أرضاه مُنعِما

وإني لما فاتني الأمر لم أبت *** أُقلّب كفي إِثرهُ متندِّما

وكم نعمة كانت على الحرِّ نقمة *** وكم مغنم يعتده الحرُّ مغرما

وإني لراضٍ عن فتى متعفّف *** يروح ويغدو وليس يملكُ درهما

 

اللهم اهدنا، ويسر الهدى لنا، واصرف عنا وعن المسلمين كل سوء وفتنة.

 

المرفقات

بين علي وفاطمة.pdf

بين علي وفاطمة.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات