بين القوة والضعف

ناصر بن محمد الأحمد

2010-10-03 - 1431/10/24
عناصر الخطبة
1/ المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف 2/ خطأ الانطلاق في مفهوم القوة من منظور مادي 3/ مجالات القوة المطلوبة في المؤمن

اقتباس

إنها قوة المؤمن التي لا رخاوة فيها ولا قبول لأنصاف الحلول مع الخصوم، إن هذا المؤمن بهذه المواصفات لا يعرف الهزل، ولا يعرف إضاعة الأوقات، بل كله جد وصرامة وقوة، وبقوّة العقيدةِ والإيمان جعلَ الله لرسوله –صل الله عليه وسلم- من الضعفِ قوّةً، ومن القِلّة كثرةً، ومنَ الفقر غِنى، لقد كان فَردًا فصار أمّةً، وكان أمّيًّا فعلَّم الملايين…

 

 

 

 

إن الحمد لله...

أما بعد:

أيها المسلمون: روى مسلم في صحيحه حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان".

إن هذا الحديث العظيم من جوامع كلمه -صلى الله عليه وسلم- تحمل في طياتها معاني عظيمة ومفاهيم عميقة، ففي كلٍّ منَ القويّ والضعيف من المؤمنين خيرٌ لاشتراكهما في الإيمانِ، وقد يكون المؤمِن ضعيفًا في بدَنه قويًّا في إيمانه وماله، وقد يكون نحيلَ الجِسم ولكنّه قويّ الفِكر والقلَم، وإلى هذا تشير الكلمة النبويّة "وفي كلٍّ خير".

والذلُّ قبيح، وفي قَبوله هَلاك، وحينَ يوضَعُ في موضِعِه الصحيحِ يُعد قوّةً وعِزًّا، قال الله تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) [الإسراء: 24].

أيها المسلمون: ينطلِق كثيرٌ منَ الناس -في مفهومِ القوة والضعفِ- من منظورٍ مادّي واعتباراتٍ أرضيّة، فهذا يقدِّر القوةَ والضعف بحسَب إقبالِ الدنيا وإدبارها، وآخرُ يقدِّر القوّةَ بممارسةِ الجبَروت والقهرِ والبغيِ والطغيان، وثالث يظنّ القوةَ لمن كان له جاهٌ أو حَظوة من سلطان، ورابعٌ يركَن في قوّته إلى ماله أو ولدِه أو مَنصبِه، وخامِسٌ يستمدّ قوّتَه من إجادةِ فنون المكرِ والكيد والخِداع، والقدرةِ على التلوّن حسَب المواقف والأحوال.

والقوّة ليست في ذلك كله؛ فما المراد بالقوة إذن؟! وما هي مجالات القوة المطلوبة من المؤمن ليكون أحب إلى الله من المؤمن الضعيف؟!

إن أول ما يجب أن تتمثل قوة المؤمن فيه عقيدته؛ فإن صحة العقيدة وسلامتها على ضوء معتقد أهل السنة والجماعة هو المعين الذي لا ينضب للنشاط المتواصل، والعمل الدؤوب، والحماس في الدعوة الذي لا ينقطع أبدًا، إن الأمة في حاجة إلى ذلك المؤمن القوي في عقيدته، تلك العقيدة التي تضفي على صاحبها قوة تظهر في أعماله كلها، إن الأمة في أوضاعها الراهنة لفي حاجة إلى شباب أقوياء في عقيدتهم، إذا تكلم الواحد منهم كان قويًا واثقًا، وإن عمل كان قويًا ثابتًا، وإذا ناقش كان قويًا واضحًا، وإذا فكر كان قويًا مطمئنًا، لا يعرف التردد، ولا تميله الرياح، ولا تخيفه التهديدات، يأخذ تعاليم دينه بقوة، وينقلها إلى غيره بقوة، ويتحرك ويدعو في مجتمعه بقوة، لا وهن معها ولا ضعف، يستشعر قول الباري -جل وعلا-: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ) [البقرة: 63]، وقوله -جل وعز-: (يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) [مريم: 12]، وقول الله تعالى: (فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) [الأعراف: 145].

إنها قوة المؤمن التي لا رخاوة فيها ولا قبول لأنصاف الحلول مع الخصوم، إن هذا المؤمن بهذه المواصفات لا يعرف الهزل، ولا يعرف إضاعة الأوقات، بل كله جد وصرامة وقوة، وبقوّة العقيدةِ والإيمان جعلَ الله لرسوله –صل الله عليه وسلم- من الضعفِ قوّةً، ومن القِلّة كثرةً، ومنَ الفقر غِنى، لقد كان فَردًا فصار أمّةً، وكان أمّيًّا فعلَّم الملايين، وكان قليلَ المال فصار بالله أغنى الأغنياءِ؛ قال الله تعالى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى) [الضحى: 6-8].

ثانيًا: القوة في الحق: إن المؤمن القوي يبتعد عن المداهنة والمجاملة المذمومة، يواجه الناس بقلب مفتوح ومبادئ واضحة، لا يصانع على حساب الحق؛ لأنه لا يعرف المتاجرة بالباطل، المؤمن القوي غني عن التستر بستار الدجل والاستغلال كأصحاب المبادئ الأرضية، من أجل هذا فإن هذا المؤمن في صدعه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينطلق من هذه القاعدة، ينطلق ونفسه وقلبه في سمو، وقوته الإيمانية تنير له طريقة أمره ونهيه، قوة في استمساكه بالحق الذي معه، ثم قوة في مواجهة من يخالف الحق أو يريد الباطل، لتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطرًا.

إن الأمة في حاجة إلى هذه النوعيات، نريد ذلك المؤمن الذي تكون لديه قوة في مصارحة المخلوقين، قوة في تنبيه المخطئين، قوة في نقد العيوب والمثالب المعلنة، لا خوف من وجيه، ولا حياء من قريب، ولا خجل من صديق، وبعبارة جامعة رائعة: لا تأخذه في الله لومة لائم، وهنا نقطة يجب أن نقف معها ذكرها أهل العلم يجب أن تُعرف وتكون واضحة عند من لهم غيرة على محارم الله، وهي أن المنكر إذا أُظهر وأعلن وأعلي فإنه يشرع إنكاره علنًا، وإذا أخفى وأُسر شرع إنكاره سرًا، وهذا أيضًا نوع من القوة تكون محمودة في معاص معلنة ومذنبين مجاهرين، أولئك الذين تجرؤوا على الله -عز وجل- ولم يخجلوا حتى من عباد الله، وجاهروا بمنكراتهم، وخرجت روائح جرائمهم، لماذا لا يرضون حتى بذكر أسمائهم أمام الناس، فضلاً عن الإنكار عليهم علانيةً، مقابلة بصنيعهم، فيقال لهم: أنتم الذين لا ترضون بذلك، لا تعلنوا منكراتكم، ولا تبدوا عوراتكم.

ثالثًا: القوة في ضبط النفس والتحكم في الإرادة: ضبط النفس ومحاولة التحكم بها من الانسياق وراء جذب النفس للشهوات والمغريات والفتن، نريد قوة المؤمن تظهر في التعفف والترفع عن سوء الخصال وعن خوارم المروءة، المطلوب من المؤمن هو القوة مع علو همة، وعدم الوقوع في المنكرات والفواحش والمعاصي، وهنا تظهر حقيقة قوته من ضعفه، لاشك أن الشهوات لها ضغط على النفس أيًا كانت هذه الشهوات، والواقع المزعج حول المؤمن أيضًا له ضغط عليه، فهنا تظهر القوة من عدمها، وهذا لا يعني العصمة، فإنه لا عصمة إلا لأنبياء الله ورسله، ولكن هذه القوة تجعل المؤمن لا ينساق وراء هذه الفلتة لو وقع فيها، بل قوته تجعله يبادر بالتوبة، ويرجع إلى ما كان عليه من قبل وأفضل. إن القوة في ضبط النفس في مثل هذه الأمور لاشك أنها تأخذ بصاحبها بالسير في مسالك الطهر، ودروب النزاهة، والاستقامة على الجادة، وقد قال هود -عليه السلام- لقومه آمرًا إياهم بالاستغفار والبعد عن مزالق الخاطئين: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) [هود: 52].

رابعًا: القوة في ترك الدعة وحب الراحة: وهذه أيضًا لها ضغط على النفس البشرية، خصوصًا في واقعنا المعاصر، الذي يَسّر كل سبل الراحة والدعة للناس. اعلم -يا عبد الله- أن حب الراحة وإيثار اللذات هو الذي يسقط الهمم ويفتر العزائم، فهناك شابان يتساويان في نباهة الذهن وذكاء العقل وقوة البصيرة، ولكن قوة الإرادة وعلو الهمة ونفاذ العزيمة عند أحدهما يكسبه التفوق على زميله الآخر، وتبلغ به هذه القوة من المحامد والمراتب ما لا يبلغه الآخر، بل إن هناك بعض الشباب قد يكون أقل من زميله في الإمكانيات، ووسائله أضعف، وأوقاته أقل، لكنه بقوة إرادته وعلو همته وبإصراره على الإقدام والتقدم يفوق أقرانه، ويكون عطاؤه في الواقع أفضل من الآخر الذي أعطاه الله -جل وعلا- نباهة الذهن وذكاء العقل، لكنه آثر الدعة والراحة والسلامة، إنه لا رفعة لأمة يكثر فيها النوع الثاني، إنه لا قوامة لأمة شبابها وذوو الطاقات فيها لا يُقدّمُون ولا يتحركون، لا لعجزهم وضعفهم، بل لدنو هممهم وضعف إراداتهم.

إن المسئولية تقع على الرجال القائمين على التربية أن يعطوا هذا الدرس مكانه من التوجيه، وأن يعطوا هذه القضية قدرها من الاهتمام؛ من أجل بناء صرح من الشباب المؤمن، صرح من العز شامخة، ومن القوة ظاهرة، فإن لم يكن كذلك فقد ظلمت الأمة نفسها، وخسرت أجيالها، وهضمت حق دينها، وأضاعت رسالتها؛ قال الله تعالى: (يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً) [مريم: 12]، وما اقترن العزم الصحيح مع التوكل الوثيق على من بيده ملكوت كل شيء إلا كانت العاقبة فوزًا ونجاحًا؛ قال الله تعالى: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [آل عمران: 159].

إن المؤمن القوي مَنْ تكون إرادته تحت سلطان دينه وعقله وليس عبدًا لشهواته، فتعس عبد الدينار وتعس عبد الدرهم، إن من قوة المؤمن أن يفرغ قلبه عن الشهوات القريبة والعواطف السريعة.

اسمعوا -أيها الشباب- إلى صقر قريش عبد الرحمن الداخل في قصة حفظها لنا التاريخ، وذلك حينما عبر عبد الرحمن الداخل البحر أول قدومه على الأندلس، أهديت له جارية بارعة الجمال -وهذه كانت حلالاً له بحكم الجواري في ذلك الوقت- لكنه -رحمه الله- نظر إليها وقال: إن هذه من القلب والعين بمكان، وإن أنا شُغلت عنها بما أَهُمُّ به ظلمتها، وإن أنا اشتغلت بها عما أَهُمُّ به ظلمت همتي، ألا فلا حاجة لي بها. ثم ردها إلى صاحبها. فكم من شاب نشط في حقل الدعوة والعمل لهذا الدين، كان شعلة وقَّادة، ذا عطاء قوي وهمة عالية، وبعد دخوله بيت الزوجية أصبحت تسمع الأعذار والمبررات، ويدخل في ثنايا كلامه حق أريد به باطل، مثل: ولأهلك عليك حق... ونحوها، ولا شك أن هذه الحالة تتنافى مع القوة المطلوبة في المؤمن.

خامسًا: القوة في اقتران علمه بعمله: الأصل فيمن علم خيرًا أن يبادر إلى فعله، ومن علم شرًّا أن يحذر من الاقتراب منه، وإذا لم يفعل الإنسان ذلك فهذا ضعف منه؛ لأنه يعلم الخير، لكن نفسه ورغباته تميل إلى غيرها أو ضدها، فيفعل ما تميل إليه نفسه، وهذا ضعف في الإرادة.

إن المؤمن لا تتكامل شخصيته، ويستقيم عوده، ولا يكون قويًا ويُعرف بذلك إلا بالعمل بما علم، إن المعرفة الصحيحة الناضجة، والعلم النافع، والمبادرة بتطبيق ذلك، والعمل به، هو استنارة القلوب وتصحيح المسيرة.

يقول بعض السلف: كنا نستعين على حفظ أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالعمل بها. ويقول بعض الحكماء: إذا أردت الاستفادة من النصائح المكتوبة والمسموعة فجربها واعمل بها؛ فإنك إن لم تفعل كان نصيبك نسيانها. إن المعلومات النظرية التي لم ينقلها العمل من دائرة الذهن والأفكار المجردة إلى واقع الحياة لا فائدة فيها، فالجندي لا تنفعه معلوماته إذا لم يمارسها في الميدان، وماذا ينفع الطبيب علمه وكراريسه وآلاته إذا لم يمارسها طبًا وعلاجًا؟! وكذلك الشباب: ما فائدة الكم الهائل الذي يُلقى إليه من خلال الدروس والخطب والمحاضرات واللقاءات والندوات والرحلات إذا لم يحول هذا كله إلى حياة طيبة ودعوة مباركة ونشاط مستمر لا يتوقف؟! فإذا كنت تسمع وتفهم ثم لا تمارس وتطبق، فهذا ضعف وخور، يفترض في مثلك أن تترفع عنه، بل القوة هو أن الشاب إذا تلقى الخير أن يعمل به، قد يحتاج ذلك منه إلى زمن، وقد يحتاج هذا الخير إلى مجاهدة وصبر، وهنا يتميز المؤمن القوي من الضعيف.

ولا يشترط أن يكون الجميع نسخة واحدة، فبلال غير أبي بكر، وخالد غير أبي ذر، وابن عباس غير ابن عمر، ومصعب غير ابن عوف، كانوا مهاجرين وأنصارًا، وكان فيهم أصحاب بيعة الرضوان، فيهم الولاة والحكام، وفيهم العسكريون والقادة، وفيهم أوعية العلم والفقه، لكن كلهم أبلى في الإسلام بلاءً حسنًا، وكلهم كان ثغرًا من ثغور الإسلام، فحفظه وصانه، وهذا هو المهم؛ لهذا فالأعمال كثيرة، والواجبات متنوعة، والمطلوب تحقيقه ضخم، وبناءً عليه فالمطلوب من كل مؤمن يهمه أمر الإسلام أن يعلم من العلم ما يقوده إلى حسن العمل أولاً، ثم يكون جنديًا في سرية من سرايا هذا الدين، فيتخذ موقعه المناسب حسب قدرته وموهبته وحاجة الدعوة إليه، وليخلص كل مؤمن أن يعمل بجد ومثابرة؛ فإن الباطل يزحف، وسيله جارف، ولا يقابل ذلك إلا إيمان وعمل، ألا فاعملوا؛ فكل ميسر لما خلق له: (وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [التوبة: 105].

سادسًا: القوّة في الأخلاقِ: لقد فتحَ المسلمون الأوائِل بعضَ البلدان بقوّةِ الأخلاق دون أن تتحرَّك جيوشٌ أو تزَلزَل عُروش، وبعضُ المسلمين اليومَ جمَع من العلمِ فأوعَى، وخلاَ من الخُلُق الأوفى.. القوّةُ في الأخلاق دليلُ رسوخِ الإيمان، فإلقاءُ السلام عبادةٌ، وعِيادة المريض عِبادة، وزِيارة الأخِ في الله عِبادة، وتبسُّمك في وجهِ أخيك صدقة.

ومن القوّة ثَبات الأخلاقِ ورُسوخ القِيَم في الفرَح والشِدّة، والحزن والألم، مع الصّديقِ والعدوِّ، والغنيِّ والفقير، قال الله تعالى: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [المائدة: 8]، ومن وصايَا الرسول –صلى الله عليه وسلم- لمن أراد الغزوَ أن لا يقتُلوا طِفلاً ولا امرأةً ولا شَيخًا كبيرًا. رواه أبو داود.

لقد فعَل مشرِكو مكّةَ برسولِ الله –صلى الله عليه وسلم- ما فعلوا، آذَوه وحاصَروه، اتَّهموه وكذَّبوه، أخرجوه ثم شهَروا سيوفَهم ليقتلوه، وتمرّ السّنون، ويعود رسولُ الله –صلى الله عليه وسلم- إلى مكّةَ فاتحًا متواضِعًا لله متذلِّلاً، ويقول لأولئكَ الذين فعَلوا ما فعلوا: "ما تظنّون أني فاعلٌ بكم؟!"، قالوا: أخٌ كريم، وابن أخٍ كريم، قال: "اذهبوا فأنتم الطّلَقاء".

المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير.

بارك الله...
 

 

 
الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه...

أما بعد:

أيها المسلمون: إن القوة في الدين والأخذ به والصبر على البلاء فيه مظهر من مظاهر الرجولة الحقة، وهى حال الأنبياء والمرسلين ومن تابعهم بإحسان إلى يوم الدين، فالثبات على دين الله والصدع بكلمة الحق هو شأنهم، ووجود واحد من هذه العيِّنة القوية خير من بقاء طوابير طويلة تعطي الكفرة الفجرة ما يطلبونه وما يريدونه ولو بالقول، وهذه القوة تثمر محبة الله ورضاه، وقد أمر بها -سبحانه وتعالى- في كتابه، فقال -عز وجل-: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) [مريم: 12]، أي بجد وحرص واجتهاد، وأمر بها موسى عليه السلام: (فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا) [الأعراف: 145]، وأمر بها بني إسرائيل: (خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ) [الأعراف: 171]، وهذا للأسف عكس ما هو واقع في حياتنا وحياة الناس، وكأننا لم نأخذ درسًا، فالأزمات والنكبات وتسلط الأعداء على رقاب البلاد والعباد يتطلب قوة إيمان وعمق يقين، وهذا هو المخرج من الفتن؛ فلا ملجأ ولا منجا من الله إلا إليه، ولا عاصم من أمر الله إلا من رحم، ولكننا نأبى إلا أن نكون كالمستجير من الرمضاء بالنار، أو:

كالعير بالرمضاء يقتله الظما *** والماء فوق ظهورها محمول

نزداد عصيانًا وتفريطًا في دين الله، ونبدل في مفهوم الولاء والبراء، ونغير شرع الله في مناهج التعليم والإعلام وفي حياتنا الخاصة والعامة، إرضاءً لأعداء الإسلام والمسلمين، فنزداد بذلك ضعفًا على ضعفنا، ويزدادون هم طغيانًا على طغيانهم، وكأنه لا سبيل عندنا للخروج من الواقع السيئ، والأخذ بأسباب القوة الحقيقية، وردع الأعداء عن غيهم وضلالهم.

أيها المسلمون: إن القوة لا تُطلب من الخلق، فكلهم ضعيف حتى وإن كان مسلمًا، فكيف ننشدها من أعدائنا وقد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفى صدورهم أكبر؟! إن القوة الحقيقية تَحدُث عندما نصل الأرض بالسماء، والدنيا بالآخرة، وتتعلق القلوب بالقوى المتين، فقوة الله فوق كل شيء: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) [هود: 66]، قال الله تعالى: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج: 40]، وقال تعالى: (كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) [المجادلة: 21]، وقد أمرنا –سبحانه- بإعداد العدة، والأخذ بأسباب القوة، كائنة ما كانت، معنوية كانت أم مادية، فقال -جل وعلا-: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُم) [الأنفال: 60]، وفى الحديث: "ألا إن القوة الرمي". رواه مسلم. ومن نظر في السنن والسيرة، وطالع قصص الأنبياء والمرسلين، لوجد أن القوة في الأخذ بدين الله، وفي مواجهة الكافرين، والدعوة إلى الله رب العالمين، سمة واضحة في حياتهم.

المؤمن يأخذ أمره بعزيمةٍ لا رخاوة معها، وقوةٍ لا ضعف فيها، لا قبول لأنصاف الحلول، ولا هزل ولا استهزاء.. المؤمن القوي يثق بما يوقن به، ويعرف برهان فعله، إن المؤمن القوي هو عماد الرسالات، وروح النهضات، ومحور الإصلاح، أعِدَّ ما شئت من معامل السلاح والذخيرة، فلن تقتل الأسلحة إلا بالرجل المحارب القوي، وضَع ما شئت من مناهج للتعليم والتربية، فلن يقوم المنهج إلا بالرجل الذي يقوم بتدريسه، وأنشئ ما شئت من لجان، فلن تنجز مشروعًا إذا حُرمتَ الرجل الغيور.

سقطت دول تملك السلاحَ دون أقوياء الرجال، وبقيت مقاومة أقوياء الرجال تثخن في أعداء الله وهي في قلة من السلاح. ذلك ما يقوله الواقع الذي لا ريب فيه.

إن القوة ليست بحد السلاح بقدر ما هي في قلب الجندي، والتربية ليست في صفحات الكتاب بقدر ما هي في روح المعلم، وإنجاز المشروعات ليس في تكوين اللجان بقدر ما هو في قوة القائمين عليها.

أيها المسلمون: إن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى زرع القوة في أفرادها دينًا وعلمًا وخلقًا، تحتاج الأمة اليوم إلى المؤمنين الأقوياء، الذين يحملون في قلوبهم قوة نفسية تحملهم على معالي الأمور وتبعدهم عن سفسافها، قوة تجعل أحدهم كبيرًا في صغره، غنيًا في فقره، قويًا في ضعفه، قوة تحمله على أن يعطي قبل أن يأخذ، وأن يؤدي واجبه قبل أن يطلب حقه، يعرف واجبه نحو نفسه ونحو ربه ونحو بيته ودينه وأمته، تحتاج الأمة اليوم لأن ترى انتصارات أبنائها في ميادين التحديات الصغيرة، فمن انهزم في الميدان الصغير سيخذلنا في الميدان الكبير، ومن خارت قواه أمام الشهوات فسيخذلنا في الجبهات، ومن هزم في ميدان "حيَّ على الصلاة" فسيُهزم قطعًا في ميدان "حي على الكفاح".

نريد أن يمتلئ المجتمع بالنفوس القوية التي تتعالى على شهواتها، وتنتصر على رغباتها، وتتحول إلى نفوس مجندة لخدمة هذا الدين، وليس هذا فحسب، بل نريد القوة المتكاملة بجوار قوة الدين والنفس، نريد قوة البدن وصلابته، ونريد قوة العقل وحدّته، نطالب كل مسلم أن يتحول إلى مؤمن قوي يتكفل بنفسه، وينطلق إلى غيره، معتصمًا بالله، متوكلاً عليه، قويًا بإيمانه، معتزًا بإسلامه، لا ينهزم في الحروب النفسية التي تدير رحاها وسائل الإعلام دون سلاح، لا تكن سمَّاعًا لهم، كن واعيًا، كن واثقًا، كن حذرًا، لا تكن عاهة مستديمة في أمتك، عالة على مجتمعك، طور نفسك، واحفظ عقلك ووعيك، كن صعب المراس، لا تُسهل خديعتك، واعلم أن القوة التي نريد -في الدرجة الأولى- قوة الإيمان والنفس، وتأتي قوة البدن تبعًا، وليست القوة بعظمة الجسم، وطولِ القامة، وقوةِ البنية مع ضعف الدين والعقل:

لقد عظم البعير بغير لب *** فلم يستغن بالعِظَمِ البعيرُ
وتضربه الصغيرة بالهراوى *** فلا حسٌّ لديه ولا نكيرُ

  

 

 

المرفقات

القوة والضعف

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات