اليهود كما تحدث عنهم القرآن

إبراهيم بن صالح العجلان

2014-08-11 - 1435/10/15
عناصر الخطبة
1/ وصف اليهود وطبائعهم 2/ الأمة المتعطشة للحروب والدماء 3/ حديث القرآن عن مكائد اليهود وخياناتهم 4/ عقيدة يهود في ذات الله جلَّ وعلا 5/ تاريخ أسود في سفك دماء الأنبياء واغتيالهم 6/ الواجب على أهل الإيمان نصرة أهل الإسلام في كل مكان . 7/ متى ينتصر المسلمون على اليهود؟

اقتباس

يجب أن نستيقن أن يهود الأمس هم يهود اليوم، وهم يهود الغد، اختلفت قوالبهم، واتحدت قلوبهم، فجرائم يهود الآن التي نراها هي ذاتها الجرائم التي قامت بها عصابات يهود عند تأسيس دولة إسرائيل. ومجازرهم البشعة اليوم في غزة, هي امتداد لمجزرة دير ياسين, والمجازر بعدها، وقادتهم المجرمون اليوم, ليسوا إلا أبناء لآبائهم المحتلين المغتصبين..

 

 

 

 

الْخُطْبَةُ الْأُولَى:

 

إِخْوَةَ الْإِيمَانِ: حَدَّثَنَا عَنْهُمُ الْقُرْآنُ فَفَصَّلَ فِي وَصْفِهِمْ وَأَسْهَبَ، وَذَكَرَ لَنَا مِنْ أَخْبَارِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَنَفْسِيَّاتِهِمْ، وَتَلَوُّنِهِمْ وَتَقَلُّبِهِمْ، مَا يُجَلِّي سَوْءَاتِهِمْ، وَيَفْضَحُ طَبَائِعَهُمْ.

فَهَلْ أَرْذَلُ وَأَنْذَلُ مِنْ إِخْوَةِ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ؟! هَلْ أَسْوَأُ فِكْرًا، وَأَحَطُّ انْحِرَافًا مِنْ عَبَدَةِ الطَّاغُوتِ؟!

 

هَذِهِ الْأُمَّةُ الْمَرْذُولَةُ الْمَلْعُونَةُ هِيَ أَشَدُّ الْأُمَمِ عَدَاوَةً لِأَهْلِ الْإِيمَانِ، وَهِيَ الَّتِي شَرِقَتْ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَكَادَتْ لَهُ أَشَدَّ مَا يَكُونُ الْكَيْدُ، وَاسْتَخْدَمَتْ كُلَّ أَنْوَاعِ الْعَدَاءِ لِطَمْسِ مَعَالِمِ الدِّينِ وَنُورِهِ، وَلِسَانُ حَالِهِمْ:

أُسَاجِلُكَ الْعَدَاوَةَ مَا بَقِينَا *** وَإِنْ مِتْنَا نُوَرِّثُهَا الْبَنِينَا

 

فَمَاذَا قَالَتْ آيَاتُ التَّنْزِيلِ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمُتَعَطِّشَةِ لِلْحُرُوبِ وَالدِّمَاءِ؟!

 

مَاذَا حَدَّثَنَا الْقُرْآنُ عَنْ مَكَائِدِهِمْ وَخِيَانَاتِهِمْ وَمَكْرِهِمُ الْكُبَّارِ؟ إِذْ إِنَّ مِنَ الْمُهِمِّ مَعْرِفَةَ طَبِيعَةِ الْعَدُوِّ وَنَفْسِيَّتِهِ، وَكَيْفَ يَعْتَقِدُ وَيُفَكِّرُ وَيَرَى خُصُومَهُ.

 

فَهَذِهِ الْأُمَّةُ الضَّالَّةُ تُحَرِّكُهَا عَقَائِدُ تَلْمُودِيَّةٌ مُحَرَّفَةٌ، تَرْمِي أَتْبَاعَهَا فِي وَادٍ سَحِيقٍ مِنَ الِانْحِرَافِ وَالضَّلَالِ، وَتَغْرِسُ فِيهِمُ السَّوْءَاتِ الْفِكْرِيَّةَ وَالْعَقَدِيَّةَ، وَالْغَطْرَسَةَ وَالْأَنَانِيَّةَ.

 

فَهَلِ انْحِرَافٌ أَشَدُّ وَأَبْعَدُ مِنَ الِانْحِرَافِ فِي ذَاتِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ؟! فَمَا هِيَ عَقِيدَةُ يَهُودَ فِي ذَاتِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا؟

 

لَقَدْ قَالُوا فِي رَبِّنَا تَعَالَى وَتَقَدَّسَ قَوْلًا إِدًّا، تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ، وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ، وَتَخِرُّ الْجِبَالُ لَهُ هَدًّا، حِينَ زَعَمُوا أَنَّ عُزَيْرًا ابْنَ اللَّهِ، تَعَالَى اللَّهُ فِي كِبْرِيَائِهِ وَتَقَدَّسَ (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ) [التوبة: 30].

 

هَؤُلَاءِ الْمُتَغَطْرِسُونَ تَجَاوَزُوا كُلَّ حَدٍّ وَحُدُودٍ، فَوَصَفُوا اللَّهَ بِكُلِّ نَقِيصَةٍ، فَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ، وَقَالُوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ!!

 

لَقَدْ هَانَ مَقَامُ اللَّهِ فِي قُلُوبِهِمْ، فَمَا كَانُوا يَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا، فَقَالُوا لِمُوسَى: (لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ) [البقرة: 118] وَقَالُوا: (أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً) [النساء: 153] وَقَالُوا أَيْضًا: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) [المائدة: 24].

 

هَؤُلَاءِ لَمْ يَحْتَرِمُوا اللَّهَ -جَلَّ فِي عُلَاهُ- فَهَلْ سَيَكُونُ عِنْدَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ احْتِرَامٌ لِإِنْسَانٍ، أَوْ تَقْدِيرٌ لِمَخْلُوقٍ؟!

هَؤُلَاءِ يُعَلِّمُهُمْ تَلْمُودُهُمُ الْمُحَرَّفُ أَنَّ هَذَا الرَّبَّ يُصَارَعُ وَيُغْلَبُ، وَيَنْدَمُ وَيَبْكِي، تَعَالَى اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ.

 

أَمَّا أَنْبِيَاءُ اللَّهِ، وَصَفْوَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ، وَخِيرَتُهُ مِنْ عِبَادِهِ، فَقَدْ عَادَتْهُمْ يَهُودُ أَشَدَّ مَا يَكُونُ الْعَدَاءُ، عَدَاءٌ لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا يَهُودُ. فَهَلْ عَدَاءٌ وَجُرْمٌ أَشَدُّ وَأَفْظَعُ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ؟! دِمَاءِ مَنْ؟! دِمَاءِ رُسُلِ اللَّهِ، وَصَفْوَةِ عِبَادِ اللَّهِ.

 

فَهَذِهِ الْأُمَّةُ اللَّعِينَةُ لَهَا تَارِيخٌ أَسْوَدُ فِي سَفْكِ دِمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَاغْتِيَالِهِمْ، فَقَتَلُوا زَكَرِيَّا وَيَحْيَى، وَزَعَمُوا قَتْلَ عِيسَى، وَحَاوَلُوا مِرَارًا قَتْلَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَسَمُّوهُ، حَتَّى قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: "مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي، فَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي".

 

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُبَيِّنًا بَشَاعَةَ صَنِيعِهِمْ: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ) [البقرة: 87] وَقَالَ سُبْحَانَهُ: (قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [البقرة: 91].

 

هَؤُلَاءِ يُعَلِّمُهُمْ تَلْمُودُهُمْ أَنَّ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ حَفْنَةٌ مِنَ الْقَتَلَةِ وَالْغَدَّارِينَ، وَالسُّكَارَى وَالْمُحْتَالِينَ (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا) [الكهف: 5].

 

فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ نَظْرَتَهُمْ لِلْأَنْبِيَاءِ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِمَوْقِفِهِمْ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ؟! هَذِهِ الْأُمَّةُ الْمَقِيتَةُ طَمَسَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَطَبَعَ عَلَيْهَا، فَقَسَتْ تِلْكَ الْمُضَغُ فِي أَحْشَائِهَا، فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً.

 

قُلُوبٌ سَوْدَاءُ مَرِيضَةٌ، عَمِيَتْ عَنِ الْحَقِّ، فَلَا تَهْتَدِي وَلَا تُبْصِرُ إِلَّا وَفْقَ هَوَاهَا وَشَهَوَاتِهَا، وَمَا يُزَيِّنُهُ الشَّيْطَانُ لَهَا (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ) [البقرة: 88].

 

هَذِهِ الْقُلُوبُ امْتَلَأَتْ بِالْأَمْرَاضِ، فَهِيَ قُبُورُ ظَلَامٍ فِي ظَلَامٍ، صُدُورٌ مُلِئَتْ بِالْحَسَدِ وَالْحِقْدِ، وَحُبِّ الضُّرِّ لِلْغَيْرِ.

 

هَذِهِ الْقُلُوبُ أَفْرَانٌ تَغْلِي فِي صُدُورِ أَهْلِهَا، لَا تَهْدَأُ وَلَا تَبْرُدُ إِلَّا بِإِيذَاءِ الْآخَرِينَ؛ لِذَا فَهُمْ يُشْعِلُونَ الْحُرُوبَ، وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [المائدة: 64].

 

هَؤُلَاءِ تُرَبِّي فِيهِمْ عَقِيدَتُهُمُ الْغُرُورَ وَالتَّعَالِيَ، فَهُمْ فِي نَظَرِهِمْ شَعْبُ اللَّهِ الْمُخْتَارُ، وَهُمْ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، وَمِنْ مُعْتَقَدِهِمْ: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) [البقرة: 111] فَهُمْ يَنْظُرُونَ لِلشُّعُوبِ نَظْرَةَ اسْتِحْقَارٍ، وَأَنَّ الْيَهُودِيَّةَ اصْطِفَاءٌ مِنَ اللَّهِ؛ وَلِذَا فَلَا يَدْعُونَ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ، وَإِنَّمَا تُسْتَحَقُّ بِالْوِرَاثَةِ.

 

أَمَّا غَيْرُ الْيَهُودِيِّ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ كَالْبَهَائِمِ، فَمَالُهُ حَلَالٌ لِلْيَهُودِيِّ (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) [آل عمران: 75].

هَذِهِ الْأُمَّةُ طَغَى عَلَيْهَا حُبُّ الدُّنْيَا طُغْيَانًا كَبِيرًا، (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ) [البقرة: 96] وَلِذَا أَحَلُّوا الْحَرَامَ، وَتَحَايَلُوا فِي الْبَيْعِ، وَأَكَلُوا الرِّبَا (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [النساء: 161].

 

بَلْ وَحَرَّفُوا الشَّرَائِعَ السَّمَاوِيَّةَ طَمَعًا وَحُبًّا فِي الدُّنْيَا (اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) [التوبة: 9].

هَذِهِ الْأُمَّةُ الْمَرْذُولَةُ رَضَعَتِ الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ، (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) [المائدة: 42] لَيْسَ عِنْدَهُمْ ذِمَمٌ وَلَا عُهُودٌ وَلَا عُقُودٌ (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ) [البقرة: 100].

 

إِنَّهَا خِيَانَةٌ يَرِثُهَا الْأَحْفَادُ عَنِ الْأَجْدَادِ (وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) [المائدة: 13].

هَذِهِ النُّفُوسُ الْمُعَبَّأَةُ بِالْخِيَانَةِ وَحُبِّ الدُّنْيَا لَا يُمْكِنُ أَنْ تُفَكِّرَ فِي الْمَوْتِ وَالشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ مَبَادِئِهَا، فَنُفُوسُهُمْ مَسْكُونَةٌ بِالْخَوْفِ وَالْجُبْنِ، لَا يَتَسَلَّطُونَ إِلَّا عَلَى الضُّعَفَاءِ وَالنِّسَاءِ، وَلَا يُوَاجِهُونَ مُوَاجَهَةَ النِّدِّ بِالنِّدِّ (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ) [الحشر: 14].

 

وَمِنَ الْمَعَالِمِ الْقُرْآنِيَّةِ الَّتِي حَكَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى الْيَهُودِ: التَّفَرُّقُ وَالشَّتَاتُ، وَالْخِلَافُ مَاضٍ فِيهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ تَعَالَى: (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا)، وَيَقُولُ تَعَالَى: (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ).

 

هَذِهِ الْأَوْصَافُ الَّتِي سَمِعْنَاهَا عَنْ يَهُودَ لَيْسَتْ حَدِيثًا مُفْتَرًى، وَإِنَّمَا هِيَ مِمَّنْ خَلَقَهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ، فَصِفَاتُهُمْ وَأَفْعَالُهُمْ هِيَ هِيَ لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَلَنْ تَتَغَيَّرَ مَا دَامَتْ تَوْرَاتُهُمْ وَتَلْمُودُهُمْ هُوَ الَّذِي يَصُوغُهُمْ وَيُحَرِّكُهُمْ.

فَبِالْأَمْسِ رَأَى حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَتَيَقَّنَ صِدْقَهُ وَنُبُوَّتَهُ، فَقَالَ حِينَ سُئِلَ عَنْهُ: "عَدَاوَتَهُ وَاللَّهِ مَا بَقِيتُ"، وَحِينَ قُدِّمَ لِتُضْرَبَ عُنُقُهُ قَالَ: "مَا لُمْتُ نَفْسِي عَلَى عَدَاوَتِكَ أَبَدًا".

 

وَبِالْأَمْسِ زَرَعَ الْيَهُودُ ابْنَ السَّوْدَاءِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَبَإٍ، الَّذِي أَحْدَثَ فِي الْأُمَّةِ فِتْنَةً كَانَتْ نِهَايَتُهَا قَتْلَ الْخَلِيفَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ.

 

بِالْأَمْسِ غَرَسَ الْيَهُودُ فِي الْأُمَّةِ مَيْمُونَ الْقَدَّاحَ الْيَهُودِيَّ، الَّذِي سَعَى فِي نَشْرِ مَذْهَبِ غُلَاةِ الرَّافِضَةِ، وَالَّذِي تَئِنُّ مِنْهُ الْأُمَّةُ إِلَى الْيَوْمِ.

وَبِالْأَمْسِ أَيْضًا أَشْعَلَ الْيَهُودُ الْحُرُوبَ الْعَالَمِيَّةَ، وَأَسْقَطُوا الْخِلَافَةَ الْعُثْمَانِيَّةَ.

 

وَيَهُودُ الْيَوْمِ خَلَفٌ أَسْوَأُ لِسَلَفٍ سَيِّئٍ، فَهَا هُمْ يُعِيدُونَ ذَاتَ الْعَدَاوَةِ (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) [آل عمران: 118].

 

يَقُولُ مَنَاحِيمُ بِيجَنْ: "أَنْتُمْ أَيُّهَا الْإِسْرَائِيلِيُّونَ لَا يَجِبُ أَنْ تَشْعُرُوا بِالشَّفَقَةِ حَتَّى تَقْضُوا عَلَى عَدُوِّكُمْ، وَلَا عَطْفَ وَلَا رِثَاءَ حَتَّى تَنْتَهُوا مِنْ إِبَادَةِ مَا يُسَمَّى بِالْحَضَارَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، الَّتِي سَنَبْنِي عَلَى أَنْقَاضِهَا حَضَارَتَنَا".

 

وَيَقُولُ ابْنُ غُورْيُونَ: "نَحْنُ لَا نَخْشَى الِاشْتِرَاكِيَّاتِ وَلَا الثَّوْرِيَّاتِ وَلَا الدِّيمُقْرَاطِيَّاتِ فِي الْمِنْطَقَةِ، نَحْنُ فَقَطْ نَخْشَى الْإِسْلَامَ، هَذَا الْمَارِدُ الَّذِي نَامَ طَوِيلًا وَبَدَأَ يَتَمَلْمَلُ".

 

إِنَّنَا يَجِبُ أَنْ نَسْتَيْقِنَ -عِبَادَ اللَّهِ- أَنَّ يَهُودَ الْأَمْسِ هُمْ يَهُودُ الْيَوْمِ، وَهُمْ يَهُودُ الْغَدِ، اخْتَلَفَتْ قَوَالِبُهُمْ، وَاتَّحَدَتْ قُلُوبُهُمْ، فَجَرَائِمُ يَهُودَ الْآنَ الَّتِي نَرَاهَا هِيَ ذَاتُهَا الْجَرَائِمُ الَّتِي قَامَتْ بِهَا عِصَابَاتُ يَهُودَ عِنْدَ تَأْسِيسِ دَوْلَةِ إِسْرَائِيلَ.

 

وَمَجَازِرُهُمُ الْبَشِعَةُ الْيَوْمَ فِي غَزَّةَ هِيَ امْتِدَادٌ لِمَجْزَرَةِ دِيرِ يَاسِينَ، وَالْمَجَازِرِ بَعْدَهَا، وَقَادَتُهُمُ الْمُجْرِمُونَ الْيَوْمَ لَيْسُوا إِلَّا أَبْنَاءً لِآبَائِهِمُ الْمُحْتَلِّينَ الْمُغْتَصِبِينَ.

 

إِنَّ هَذَا كُلَّهُ لَيُؤَكِّدُ لَنَا أَنَّ مَا تَفْعَلُهُ دَوْلَةُ يَهُودَ إِنَّمَا هُوَ حَلْقَةٌ مِنْ سِلْسِلَةِ الْعَدَاءِ الَّتِي كَانَتْ وَلَا زَالَتْ عَلَى دِينِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَتْبَاعِهِ فِي أَرْضِ الْإِسْرَاءِ.

 

 

وَسَيَبْقَى عَدَاؤُهُمْ لَنَا مُتَجَدِّدًا وَمَاثِلًا مَا دَامَ فِيهِمْ عِرْقٌ يَنْبِضُ، أَوْ قَلْبٌ يَخْفِقٌ.

 

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ...

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

 

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا إِخْوَةَ الْإِيمَانِ: وَعَادَتْ يَهُودُ إِلَى عُلُوِّهَا وَاسْتِعْلَائِهَا، وَعَادَتْ تُوقِدُ الْحُرُوبَ عَلَى الْمُسْتَضْعَفِينَ، فَأَنْزَلَتْ عَنَاقِيدَ غَضَبِهَا، وَأَمْطَرَتْ صَوَارِيخَهَا عَلَى غَزَّةَ الْأَبِيَّةِ.

 

وَهَاجَ فِي جَسَدِ الْأُمَّةِ جُرْحٌ غَائِرٌ طَالَمَا نَزَفَ فِي وَقْتٍ تُعَانِي فِيهِ الْأُمَّةُ جُرْحَ الشَّامِ، وَالظُّلْمَ الْقَاهِرَ الْفَاجِرَ عَلَيْهَا، حَتَّى أَنْسَتْنَا جِرَاحَاتُ الشَّامِ مَآسِيَنَا هُنَا وَهُنَاكَ:

فَلَوْ كَانَ سَهْمًا وَاحِدًا لَاتَّقَيْتُهُ *** وَلَكِنَّهُ سَهْمٌ وَثَانٍ وَثَالِثُ

 

وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَى أَهْلِ الْإِيمَانِ نُصْرَةُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي كُلِّ بَلَدٍ يَسْتَنْصِرُونَ فِيهِ. كَيْفَ وَإِذَا كَانَ مَنْ يَسْتَنْصِرُنَا وَيَسْتَصْرِخُنَا هُمْ أَهْلُ الْأَرْضِ الْمُبَارَكَةِ وَجِيرَانُ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ؟! فَوَاجِبٌ نُصْرَتُهُمْ وَالْوُقُوفُ مَعَهُمْ، كُلٌّ بِحَسَبِهِ وَمَوْقِعِهِ وَجُهْدِهِ.

 

فَقَضِيَّةُ فِلَسْطِينَ هِيَ قَضِيَّتُنَا الْقَدِيمَةُ الْمُتَجَدِّدَةُ، فَأَلِحُّوا وَضِجُّوا إِلَى رَبِّكُمْ فِي مَحَارِِيبِكُمْ وَسَجَدَاتِكُمْ أَنْ يَرْفَعَ عَنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ كُلَّ بَأْسٍ وَقَهْرٍ، وَأَنْ يُرِيَنَا فِي عَدُوِّهِمْ مَا يُخْزِيهِمْ، وَيَشْفِي قُلُوبَنَا فِيهِمْ.

 

نَنْتَظِرُ مِنْ كُلِّ وَسِيلَةٍ إِعْلَامِيَّةٍ أَنْ تَكُونَ عَلَى قَدْرِ الْمَسْئُولِيَّةِ وَالْجِدِّ، فَالْإِعْلَامُ نَوْعٌ مِنَ الْجِهَادِ بِاللِّسَانِ، وَالصُّورَةُ أَبْلَغُ مِنْ أَلْفِ قَوْلٍ وَمَقَالٍ.

 

نَنْتَظِرُ مِنْكَ أَنْتَ يَا مَنْ يَهْفُو قَلْبُكَ لِمَسْرَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ تَنْصُرَ قَضِيَّةَ فِلَسْطِينَ بِمَالِكَ وَلِسَانِكَ وَدُعَائِكَ وَمَشَاعِرِكَ، وَأَنْ تَبْقَى عَوَاطِفُكَ حَيَّةً بِالْحُبِّ وَالْغَيْرَةِ عَلَى أَهْلِكَ هُنَاكَ.

 

نَنْتَظِرُ نُصْرَتَكَ أَنْتَ، أَنْتَ يَا كُلَّ أَبٍ، وَيَا كُلَّ مُعَلِّمٍ وَمُرَبٍّ أَنْ تَغْرِسَ فِي نُفُوسِ أَبْنَائِكَ وَتَلَامِيذِكَ عَقِيدَةَ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْيَهُودِ، وَتُؤَسِّسَ فِيهِمُ الْوَلَاءَ لِلْمُسْلِمِينَ وَنُصْرَةِ قَضَايَاهُمْ، وَالدِّفَاعِ عَنْ مُقَدَّسَاتِهِمْ.

 

وَإِنْ كُنَّا نَزْعُمُ أَنَّنَا بَلَغَ بِنَا الضَّعْفُ وَالْهَوَانُ مَبْلَغًا لَا نَسْتَطِيعُ فِيهِ مُوَاجَهَةَ يَهُودَ، فَلَا أَقَلَّ أَنْ تَبْقَى فِكْرَةُ النُّصْرَةِ حَاضِرَةً لَا تَمُوتُ مَعَ مَرِّ السِّنِينَ.

 

فَسِيَاسَةُ يَهُودَ هِيَ سِيَاسَةُ تَرْقِيقٍ لِهَذَا الِاحْتِلَالِ، وَإِبْعَادٍ لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ جَوْهَرِ الْقَضِيَّةِ، فَقَضِيَّةُ فِلَسْطِينَ شَوَّشَهَا الْيَهُودُ - وَبِحَبْلٍ مِنَ النَّصَارَى - عَبْرَ عَشَرَاتِ السِّنِينَ، وَلَبَّسُوهَا، وَزَوَّرُوهَا، وَأَضْعَفُوهَا.

 

فَقَضِيَّةُ فِلَسْطِينَ أَوَّلَ مَا كَانَتْ كَانَتْ قَضِيَّةً إِسْلَامِيَّةً، فَقُلِّمَتْ، فَأَصْبَحَتْ قَضِيَّةً عَرَبِيَّةً، ثُمَّ حُجِّمَتْ، فَأَضْحَتْ قَضِيَّةً فِلَسْطِينِيَّةً، ثُمَّ خُنِقَتْ فَغَدَتْ قَضِيَّةَ الْأَرَاضِي الْمُحْتَلَّةِ، يَعْنِي أَنَّ هُنَاكَ أَرْضَيْنِ: أَرْضٌ مُحْتَلَّةٌ، وَأَرْضٌ إِسْرَائِيلِيَّةٌ لَا نِزَاعَ فِيهَا!

 

فَلْنُسَمِّ الْأَسْمَاءَ بِاسْمِهَا، فَفِلَسْطِينُ قَضِيَّةُ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَنْحِيَةُ رَايَةِ الدِّينِ عَنْ هَذَا الصِّرَاعِ مَعَ الْيَهُودِ يُضْعِفُ قَضِيَّتَنَا وَلَا يَخْدُمُهَا؟!

 

أَلَيْسَتْ هَذِهِ الرَّايَةُ تَخْدُمُ الْقَضِيَّةَ الْفِلَسْطِينِيَّةَ فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى، فَإِذَا رَفَعْنَاهَا سَمِعْنَا صَدَى الِاسْتِجَابَةِ لَهَا فِي أَحْرَاشِ إِنْدُونِيسْيَا وَأَدْغَالِ إِفْرِيقْيَا؟!

أَلَيْسَتْ هَذِهِ الرَّايَةُ هِيَ الرَّايَةُ الَّتِي سَتَقْطَعُ وَتَبْتُرُ الْيَهُودَ غَدًا، فَيَعْرِفُهَا الْحَجَرُ وَالشَّجَرُ، فَيُنَادِي: "يَا مُسْلِمُ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، تَعَالَ فَاقْتُلْهُ"؟!

 

وَالْعَجَبُ أَنَّ سَاسَةَ الْيَهُودِ أَنْفُسَهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ نِهَايَتَهُمْ لَنْ تَكُونَ إِلَّا عَلَى يَدِ هَذِهِ الرَّايَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ.

لَقَدْ قَالَتْهَا رَئِيسَةُ وُزَرَاءِ إِسْرَائِيلَ جُولْدَا مَائِيرُ: "نَحْنُ لَا نَخَافُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا عِنْدَمَا يُصَلُّونَ الْفَجْرَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ"!!

 

أَمَّا وَزِيرُ الدِّفَاعِ الْأَسْبَقُ مُوشِي دَيَّانَ فَقَدْ قَالَ مُخَاطِبًا أَحَدَ الْمُسْلِمِينَ: "حَقًّا سَيَأْتِي يَوْمٌ نُخْرَجُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ، وَهَذِهِ نُبُوءَةٌ نَجِدُ لَهَا فِي كُتُبِنَا أَصْلًا، وَلَكِنْ مَتَى؟! إِذَا قَامَ فِيكُمْ شَعْبٌ يَعْتَزُّ بِتُرَاثِهِ، وَيَحْتَرِمُ دِينَهُ، وَيُقَدِّرُ قِيمَتَهُ الْحَضَارِيَّةَ".

 

اللَّهُمَّ أَبْرِمْ لِأُمَّةِ الْإِسْلَامِ أَمْرَ رُشْدٍ، يُعَزُّ فِيهِ أَهْلُ طَاعَتِكَ، وَيُعَافَى فِيهِ أَهْلُ مَعْصِيَتِكَ...

 

 

 

 

المرفقات

كما تحدث عنهم القرآن1

كما تحدث عنهم القرآن - مشكولة

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات