الوافد الكريم

صالح بن عبد الرحمن الخضيري

2015-06-22 - 1436/09/05
عناصر الخطبة
1/ فضائل شهر رمضان 2/ كيفية إثبات دخول الشهر، وهل يعتمد الحساب الفلكي؟ 3/ هدي النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان 4/ وجوب أداء زكاة المال والإكثار من الصدقات 5/ عقوبات مانع الزكاة 6/ الحث على اغتنام شهر رمضان والمسارعة الخيرات.

اقتباس

اتقوا الله وأكرموا شهركم بحفظ الصيام، والمداومة على القيام، والإكثار من تلاوة القرآن، فمن قرأ حرف من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)، واحرصوا على المحافظة على صلاة الجماعة في المساجد، والمبادرة بالحضور إلى الصلوات، والحذر الحذر من النوم عنها أو عن بعضها، واستشعروا حرمة الشهر وذَكِّروا من تحت أيديكم بفضائله وخيراته، وبادروا أيام الحياة قبل الممات وأيام العافية قبل أيام...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله رب العالمين له الحمد في الأولى والآخرة، منَّ علينا فهدانا وأطعمنا وسقانا ومن كل خير أعطانا، إن الله بكم لرءوف رحيم (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ)، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، العلي العظيم له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون.

 

وأشهد أن نبينا محمدًا عبدُ الله ورسوله أرسله الله تعالى شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، اللهم صلّ وسلم وبارك على نبينا محمد إمام المتقين وخاتم النبيين وعلى آله وأصحابه أجمعين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد: فكم هو جميل أن يتطلع المسلمون بكل شوق وسرور إلى هذا الوافد الكريم (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة:185].

 

شهر مبارك وضيف عزيز قد أقبل، مناسبة إسلامية تكرر كل عام، تتنوع فيه الطاعات ويتسابق فيه المسلمون إلى الخيرات وأنواع القربات، قال بعض السلف: "إن الله -عز وجل- جعل شهر رمضان مضمارًا لخلقه يستبقون فيه طاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف أقوام فخابوا، فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه السابقون, وخاب فيه المبطلون، أما والله, لو كشف الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته".

 

أيها المسلمون: أنتم على أبواب شهر عظيم يؤدي فيه أهل الإسلام فريضة الصيام امتثالاً لقول الله -عز وجل-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:183].

 

ولقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "بُنِي الإسلام على خمس"، ومنها "وصوم رمضان" وكم في الصيام من الأجور الكبيرة وحصول التقوى من العبد لله -عز وجل- كما قال سبحانه: (لعلكم تتقون) كم فيه من تربية للنفس وحفظ لصحة القلب والجسد، فأفلح من استقبل هذا الشهر بعزيمة صادقة وتوبة نصوح وسرور بمنة الله تعالى عليه، أفلح من ملأ ليله ونهاره بالطاعات وأكثر فيه من التلاوة والدعاء والمناجاة فلسوف يربح ويفوز ويسعد، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

 

عباد الله: شهر رمضان الذي يستقبله أهل الإسلام يدخل شرعا بأحد أمرين الأول: أن يرى أحد من المسلمين هلال رمضان، الثاني: أن يكمل شعبان ثلاثين يومًا إذا حصل غيم أو سحاب حال دون رؤية هلاله؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له" (رواه البخاري ومسلم).

 

وفي رواية لهما "فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"، وليس للحساب ولا للفلكيين تدخل في هذا الحكم الشرعي المجمع عليه، فقد ألغى النبي -صلى الله عليه وسلم- جميع حساباتهم عند هذا الحكم.

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "اتفق العلماء على أنه لا يجوز الاعتماد على الحساب في إثبات الصوم والفطر ونحوهما".

 

ونفل الحافظ ابن حجر عن الباجي من المالكية إجماع السلف على "عدم الاعتداد بالحساب وأن إجماع السلف حجة على من بعدهم".

 

قال الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله-: "الحساب لا يُعوَّل عليه في رؤية هلال رمضان ولا غيره من الأحكام الشرعية بإجماع أهل العلم، والواجب على الفلكيين وأهل الحساب وغيرهم عدم الخوض وعدم التلبيس على الناس في هذا الحكم الشرعي الذي مبناه على يسر الشريعة وسماحتها".

 

أيها المسلمون: صيام رمضان لا بد له من النية؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"، شأنه في هذا شأن بقية العبادات ومحل النية هو القلب، فمن خطر بقلبه في أي وقت من الليل أنه صائم غدا فقد نوى.

 

وفي الحديث "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له" (رواه أبو داود والترمذي والنسائي).

 

أيها المسلمون: من حسن استقبال شهر الصوم أن يعزم المسلم بقلبه أنه سوف يصوم الشهر، ويحافظ على حدود ربه فيه طاعةً لله وإيمانا بالله وبرسوله، وتصديقًا بفريضة الصيام واحتسابًا للأجر من الله -عز وجل-، يصومه المسلم بطيب نفس غير مستثقل لأيامه ولا كاره لصيامه، فمن كان هكذا فيا بشراه بقول الحبيب -صلى الله عليه وسلم-: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، وبقوله -صلى الله عليه وسلم-: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر".

 

يا قوم! هذا شهر المغفرة قد أقبل، وهذا موسم الطاعة قد حل، فأروا الله من أنفسكم خيرا، واعزموا على فعل الخير، فقد كان السلف يدعون الله نصف السنة أن يبلغهم رمضان فإذا دخل الشهر استبشروا وقالوا: إنما رمضان شهر القرآن وإطعام الطعام.

 

قال ابن القيم في زاد المعاد: "وكان من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادات، وكان أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان يكثر فيه من الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف، فكان يخص رمضان من العبادة بما لا يخص غيره من الشهور وهو القائل -صلى الله عليه وسلم- "أَتَاكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ -عز وجل- عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مِرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ" (رواه الإمام أحمد والنسائي).

 

وفي الصحيحين عنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا دخل شهر رمضان فُتحت أبواب الجنة وغُلقت أبواب النار، وصُفدت الشياطين"، وهو القائل -صلى الله عليه وسلم-: "إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صُفدت الشياطين ومردة الجن، وغُلقت أبواب النار فلم يُفتح منها باب، وفُتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة" (رواه الترمذي وابن ماجه وابن خزيمة).

 

فيا خسران أقوام جعلوا شهر رمضان فرصة للهو المحرم ومشاهدة المنكر وتضيع الأوقات وإهمال الصلوات ويل لمن كان هذا حظه من رمضان.

 

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".

 

وفي مسند الإمام أحمد: "رب صائم حظه من الصيام الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامة السهر".

 

وصعد النبي -صلى الله عليه وسلم- المنبر فقال: "آمين، آمين، آمين"، ثم قال: "إن جبريل أتاني فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يُغفر له فدخل النار فأبعده الله قل آمين، فقلت آمين"، نعوذ بالله من الشقاء، ونسأله العون على مرضاته.

 

أيها المسلمون: عظموا رحمني الله وإياكم شأن الزكاة المفروضة، واحتاطوا له غاية الاحتياط، واسألوا عن أحكامها؛ فإنها ركن عظيم من أركان الإسلام، إنها قرينة الصلاة في كتاب الله ولم يمنعها قوم "إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا" وفي معجم الطبراني عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مانع الزكاة يوم القيامة في النار".

 

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: "من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مُثِّل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - ثم يقول : أنا مالك أنا كنزك" ثم تلا هذه الآية (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (رواه البخاري في صحيحه).

 

وفي صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار فأُحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أُعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضَى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار".

 

وفي كتاب الله يقول الله -عز وجل-: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ) [التوبة: 34- 35].

 

وابذلوا -رحمني الله وإياكم- من صدقة التطوع في أبواب الخيرات وأنواع القربات ما تتقربون به إلى فاطر الأرض والسماوات، فقد جاء في كتاب الله ترغيب بذلك وفي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يزيد على مائة حديث صحيح في فضل صدقة التطوع وأجرها، جعلني الله وإياكم من المسارعين إلى الخيرات المنافسين في الطاعات.

 

أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ..

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك على آله وصحبه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد: فاتقوا الله أيها المسلمون وأكرموا شهركم بحفظ الصيام والمداومة على القيام والإكثار من تلاوة القرآن، فمن قرأ حرف من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ).

 

واحرصوا على المحافظة على صلاة الجماعة في المساجد، والمبادرة بالحضور إلى الصلوات، والحذر الحذر من النوم عنها أو عن بعضها، واستشعروا حرمة الشهر وذَكِّروا من تحت أيديكم بفضائله وخيراته، وبادروا أيام الحياة قبل الممات وأيام العافية قبل أيام الفتن والشواغل، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح مسلم: "بادروا بالأعمال فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا". نسأل الله العافية ..

 

فيا أيها الطالب لجنةٍ طابت وطاب نعيمها! هذه أبواب الجنة عند دخول الشهر قد فُتحت، وهذه حورها قد زُينت، فسارع إلى فعل الخير، واغتنم الشهر فمن يدري لعلك ممن كُتب أجله في هذا العام، فلا تدرك رمضان الآخر إن أدركت هذا، جعلني الله وإياكم ووالدينا من أهل جنته، ووفقنا جميعا لحسن عبادته.

 

اللهم اغفر لنا ذنوبنا ..

 

 

 

المرفقات

الكريم

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات