النظر إلى المخطوبة

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2020-11-30 - 1442/04/15 2021-02-02 - 1442/06/20
عناصر الخطبة
1/تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية 2/إباحة النظر إلى الأجنبية لغرض الزواج 3/ضوابط النظر إلى المخطوبة 4/حكم رؤية صورة المخطوبة 5/حدود العلاقة بين الخاطب ومخطوبته وحكم التواصل قبل العقد 6/تحذير أولياء الأمور من التساهل في فترة الخطبة.

اقتباس

نَقَلَ الْإِمَامُ ابْنُ قُدَامَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ نَظَرِ الْخَاطِبِ إِلَى مَخْطُوبَتِهِ؛ انْطِلَاقًا مِنْ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ، الْحَاثَّةِ عَلَى نَظَرِ الْخَاطِبِ إِلَى مَخْطُوبَتِهِ، فَقَالَ: "وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَلَهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا، لَا نَعْلَمُ بَيْنَ"...

الخطبة الأولى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النِّسَاءِ: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 70-71]. أَمَّا بَعْدُ:

 

عِبَادَ اللَّهِ: جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ بِكُلِّ فَضِيلَةٍ، وَنَهَتْ عَنْ كُلِّ رَذِيلَةٍ، وَكُلُّ أَمْرٍ حَرَّمَهُ الْإِسْلَامُ فَقَدْ نَهَى عَنْ أَسْبَابِهِ وَمُقَدِّمَاتِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ النَّظَرُ إِلَى الْحَرَامِ؛ فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَضِّ أَبْصَارِهِمْ؛ (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ)[النُّورِ: 30-31].

 

وَحِينَ تَدْعُو الْحَاجَةُ وَالضَّرُورَةُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، يُبِيحُهَا الْإِسْلَامُ بِقَدْرِهَا؛ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ مَصْلَحَةٍ غَالِبَةٍ، وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِثْنَاءُ نَظَرِ الْخَاطِبِ إِلَى مَخْطُوبَتِهِ؛ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ نَجَاحِ الزَّوَاجِ، بِمَعْرِفَةِ الْخَاطِبِينَ لِبَعْضِ الصِّفَاتِ الْخَلْقِيَّةِ لِشَرِيكِهِ الْمُسْتَقْبَلِيِّ، وَالْخُطْبَةُ أَوَّلُ خُطُوَاتِ الزَّوَاجِ، وَهِيَ إِظْهَارُ الرَّغْبَةِ فِي النِّكَاحِ، وَمُخَاطَبَةُ الْمَرْأَةِ وَوَلِيِّ أَمْرِهَا بِذَلِكَ.

 

وَقَدْ أَبَاحَ الشَّرْعُ لِلْخَاطِبِ رُؤْيَةَ مَخْطُوبَتِهِ بِالضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ، وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ:

حَدِيثُ جَابِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ الرَّسُولَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ؛ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ"(رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

 

وَمِنْهَا: حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "انْظُرْ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا"(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ)؛ وَمَعْنَى "يُؤْدَمُ بَيْنَكُمَا": أَنْ تَقَعَ الْأُلْفَةُ وَالْمُلَاءَمَةُ بَيْنَكُمَا.

 

وَمِنَ الْأَدِلَّةِ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟"، قَالَ: لَا، قَالَ: "فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا"(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

 

وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ ابْنُ قُدَامَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ نَظَرِ الْخَاطِبِ إِلَى مَخْطُوبَتِهِ؛ انْطِلَاقًا مِنْ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ، الْحَاثَّةِ عَلَى نَظَرِ الْخَاطِبِ إِلَى مَخْطُوبَتِهِ، فَقَالَ: "وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَلَهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا، لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي إِبَاحَةِ النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ لِمَنْ أَرَادَ نِكَاحَهَا".

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: وَلَمَّا كَانَ النَّظَرُ إِلَى الْمَخْطُوبَةِ لِمَصْلَحَةِ الزَّوَاجِ؛ لِقَصْدِ رَغْبَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ أَجَازَ الشَّرْعُ ذَلِكَ، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: "يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرَاهَا وَتَرَاهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَمَرَ مَنْ يَخْطُبُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إِلَى الْوِئَامِ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا كَشَفَتْ لَهُ وَجْهَهَا وَيَدَيْهَا وَرَأْسَهَا فَلَا بَأْسَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: يَكْفِي الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ، وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَرَى مِنْهَا رَأْسَهَا وَوَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا وَقَدَمَيْهَا لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ خَلْوَةٍ بِهَا، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمَا أَبُوهَا أَوْ أَخُوهَا أَوْ غَيْرُهُمَا".

 

وَقَدْ وَضَعَ الْعُلَمَاءُ شُرُوطًا لِإِبَاحَةِ ذَلِكَ النَّظَرِ؛ فَمِنْهَا:

أَوَّلًا: أَنْ تَكُونَ الْمَخْطُوبَةُ مِمَّنْ تُرْجَى مُوَافَقَتُهَا، فَلَا يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى مَنْ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا لَنْ تُوَافِقَ عَلَى الزَّوَاجِ؛ لِعَدَمِ وُجُودِ الْمَصْلَحَةِ مِنْ هَذَا النَّظَرِ!.

 

ثَانِيًا: أَلَّا تَكُونَ زَوْجَةً لِغَيْرِهِ، أَوْ مَخْطُوبَةً لِغَيْرِهِ؛ فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "وَلَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطِبُ"(أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ)، وَقَالَ: "وَلَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ"(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

ثَالِثًا: أَنْ يَقْصِدَ بِنَظَرِهِ تَطْبِيقَ السُّنَّةِ فِي الزَّوَاجِ؛ امْتِثَالًا لِأَمْرِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فِي ذَلِكَ، وَمَعْرِفَةِ بَعْضِ الصِّفَاتِ الْخَلْقِيَّةِ لِمَنْ يَرْغَبُ فِي زَوَاجِهَا.

 

رَابِعًا: أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مُعَيَّنَةً، وَقَدْ قَصَدَهَا لِأَجْلِ الزَّوَاجِ، فَلَا يَجُوزُ تَصَفُّحُ وُجُوهِ النِّسَاءِ لِاخْتِيَارِ إِحْدَاهُنَّ، وَتَنَقُّلُ بَصَرِهِ مِنَ امْرَأَةٍ إِلَى أُخْرَى؛ فَإِنَّ هَذَا مُنَافٍ لِأَمْرِ اللَّهِ -تَعَالَى- الْمُؤْمِنِينَ بِغَضِّ الْبَصَرِ!.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: قَدْ يَحْتَاجُ الْخَاطِبُ إِلَى تَكْرَارِ النَّظَرِ مَرَّةً أُخْرَى؛ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى مِنَ النَّظَرِ، أَوْ لِيَتَأَكَّدَ مِنْ شَيْءٍ مَرَّ عَلَى خَاطِرِهِ، فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِحَدِيثِ الْمَرْأَةِ الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وَفِيهِ: "فَخَفَضَ فِيهَا الْبَصَرَ وَرَفَعَهُ"(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَفِي رِوَايَةٍ: "فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ"، قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: "إِذَا رَغِبَ فِي نِكَاحِهَا اسْتُحِبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا؛ لِئَلَّا يَنْدَمَ"، وَيَجُوزُ تَكْرِيرُ هَذَا النَّظَرِ بِإِذْنِهَا وَبِغَيْرِ إِذْنِهَا، فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرِ النَّظَرُ بَعَثَ امْرَأَةً تَتَأَمَّلُهَا وَتَصِفُهَا لَهُ، وَالْمَرْأَةُ تَنْظُرُ إِلَى الرَّجُلِ إِذَا أَرَادَتْ تَزَوُّجَهُ؛ فَإِنَّهُ يُعْجِبُهَا مِنْهُ مَا يُعْجِبُهُ مِنْهَا"(رَوْضَةُ الطَّالِبِينَ)، وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّرْبِينِيُّ: "وَلَهُ تَكْرِيرُ نَظَرِهِ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ؛ لِيَتَبَيَّنَ هَيْئَتَهَا فَلَا يَنْدَمَ بَعْدَ النِّكَاحِ، وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ الْحَاجَةُ".

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ الْأَصْلَ فِي نَظَرِ الْخَاطِبِ إِلَى مَخْطُوبَتِهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا مُبَاشَرَةً دُونَ وَاسِطَةٍ، وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ الْخَاطِبُ فِي مَكَانٍ نَاءٍ بَعِيدٍ، أَوْ مُسَافِرًا وَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الْمَجِيءُ لِلنَّظَرِ إِلَى مَخْطُوبَتِهِ، فَمَنْ كَانَ هَذَا حَالَهُ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَخْطُوبَتِهِ عَنْ طَرِيقِ الصُّورَةِ، شَرْطَ أَنْ يَأْمَنَ التَّدْلِيسَ وَالتَّزْيِيفَ؛ بِأَنْ تَكُونَ الصُّورَةُ حَقِيقِيَّةً؛ إِذْ مَعْلُومٌ أَنَّ التَّلَاعُبَ بِالصُّوَرِ يَسِيرٌ فِي زَمَانِنَا هَذَا؛ فَقَدْ يُدْخَلُ عَلَيْهَا تَعْدِيلَاتُ تُجمِّلُهَا، وَهَذَا مِنَ الْغِشِّ الَّذِي لَا يَجُوزُ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْخَاطِبِ أَنْ يُبْقِيَ الصُّورَةَ لَدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْدِلُ عَنِ الْخِطْبَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيَهَا غَيْرَهُ، أَوْ أَنْ يَنْشُرَهَا؛ فَهَذَا حَرَامٌ، وَمِنْ خِيَانَةِ الْأَمَانَةِ.

 

وَجَوَازُ تَسْلِيمِ الْخَاطِبِ صُورَةَ مَخْطُوبَتِهِ قَائِمٌ عَلَى الثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، فَمَنْ لَا يُؤْمَنُ جَانِبُهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ مِثْلِ هَذَا، وَشَبِيهُ ذَلِكَ مَوَاقِعُ الزَّوَاجِ عَلَى "الْإِنْتَرْنِتْ"، الَّتِي تَطْلُبُ صُوَرَ مَنْ تَبْحَثُ عَنْ زَوْجٍ لَهَا؛ فَإِنَّهَا غَيْرُ مَأْمُونَةٍ وَلَا مَوْثُوقَةٍ، وَيَتِمُّ عَرْضُ الصُّوَرِ فِيهَا لِمَنْ هَبَّ وَدَبَّ، وَرُبَّمَا لِمَنْ يَدْفَعُ لِيَرَى صُوَرَ النِّسَاءِ، وَيَسْتَمْتِعُ بِهِنَّ!.

 

فَلْيَحْذَرِ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمُخَالَفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ؛ بِسَبَبِ التَّسَاهُلِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ.

 

أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَقَّ حَمْدِهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ، أَمَّا بَعْدُ:

 

عِبَادَ اللَّهِ: يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْخَطِيبَ رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ عَنْ خَطِيبَتِهِ، وَالسَّمَاحُ لَهُ بِالنَّظَرِ إِلَى خَطِيبَتِهِ اسْتِثْنَاءٌ لِمَصْلَحَةِ الزَّوَاجِ، وَإِنَّمَا جَازَ لِوُرُودِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهُوَ مُقَدَّرٌ بِقَدْرٍ مُحَدَّدٍ، وَبِضَوَابِطَ شَرْعِيَّةٍ مَعْلُومَةٍ؛ وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلْخَاطِبِ أَنْ يَخْلُوَ بِمَخْطُوبَتِهِ، أَوْ يَخْرُجَ مَعَهَا، أَوْ يُرَاسِلَهَا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تَجُوزُ إِلَّا لِذِي مَحْرَمٍ، قَالَ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَخْلُوَنَّ بِامْرَأَةٍ لَيْسَ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا؛ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ"(رَوَاهُ أَحْمَدُ)، قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ قُدَامَةَ: "وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْخَلْوَةُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ وَلَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِغَيْرِ النَّظَرِ، فَبَقِيَتْ عَلَى التَّحْرِيمِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مَعَ الْخَلْوَةِ مُوَاقَعَةُ الْمَحْظُورِ".

 

وَهُنَاكَ عَادَةٌ قَبِيحَةٌ انْتَشَرَتْ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ تَقْلِيدًا لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، يَنْبَغِي التَّحْذِيرُ مِنْهَا؛ لِمُخَالَفَتِهَا شَرْعَ اللَّهِ -تَعَالَى-، وَمَا يَنْتِجُ عَنْهَا مِنْ بَلَايَا عِظَامٍ، وَهِيَ أَنْ يَنْفَرِدَ الْخَطِيبُ بِمَخْطُوبَتِهِ قَبْلَ الزَّوَاجِ؛ لِيَتَعَرَّفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ كَمَا يَزْعُمُونَ!، وَيَحْصُلُ بَيْنَهُمَا الِاخْتِلَاطُ، فَتَخْرُجُ وَتَجِيءُ مَعَهُ وَيَقْضِي وَإِيَّاهَا سَاعَاتٍ طِوَالًا!، وَنَتِيجَةُ ذَلِكَ مَا يَحْدُثُ مِنْ فَضَائِحَ وَهَتْكٍ لِلْأَعْرَاضِ، وَالْمُجْتَمَعَاتُ الَّتِي تَنْتَشِرُ فِيهَا هَذِهِ الْعَادَةُ مَلِيئَةٌ بِقِصَصٍ تُدْمِي الْقَلْبَ، مِنْ فَسَادٍ لِلْأَخْلَاقِ، وَفَضٍّ لِلْأَبْكَارِ، وَانْتِحَارِ الْعِفَّةِ! تَدْفَعُ ثَمَنَهَا الْبِنْتُ غَالِبًا كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ سُمْعَتِهَا وَعِفَّتِهَا، فَتَبْقَى مُحَطَّمَةً قَدْ لَصِقَ بِهَا الْعَارُ وَالشَّنَارُ، وَتَنْدَمُ هِيَ وَأَهْلُهَا حِين لَا يَنْفَعُ النَّدَمُ، أَمَّا مَنْ أَخَذَ مِنْهَا بُغْيَتَهُ فَرُبَّمَا ذَهَبَ لِيَبْحَثَ عَنْ فَرِيسَةٍ أُخْرَى لِيُكَرِّرَ مَعَهَا نَفْسَ الْقِصَّةِ، فَتَشِيعُ الْفَاحِشَةُ فِي الْمُجْتَمَعِ، وَتَغِيبُ الْفَضِيلَةُ، وَيَبُورُ سُوقُ الزَّوَاجِ، فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنَ التَّسَاهُلِ فِي هَذَا الْأَمْرِ، وَلْنَلْتَزِمْ بِشَرْعِنَا فَفِيهِ -وَاللَّهِ- سَعَادَتُنَا.

 

عِبَادَ اللَّهِ: مَا أَعْظَمَ شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ وَمُرَاعَاتَهَا لِمَصَالِحِ النَّاسِ وَمَا يَنْفَعُهُمْ، وَيُصْلِحُ أَمْرَ دُنْيَاهُمْ وَآخِرَتِهِمْ!، وَلَوْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ الْتَزَمُوا شَرِيعَتَهُمْ، وَطَبَّقُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ لَسَعِدُوا فِي دُنْيَاهُمْ وَآخِرَتِهِمْ، وَلَكِنَّ الْمُؤْسِفَ أَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ فِي عَصْرِنَا فِي تَعَامُلِهِمْ مَعَ الْخَطِيبِ "بَيْنَ طَرَفَيْ نَقِيضٍ؛ فَمِنْهُمُ: الْمُتَجَاوِزُونَ حُدُودَ اللَّهِ -تَعَالَى-، بِتَرْكِهَا تَخْرُجُ مَعَ خَطِيبِهَا إِلَى الْمَسَارِحِ، وَالْمُتَنَزَّهَاتِ، وَالرِّحْلَاتِ، وَالْخَلَوَاتِ!، وَمِنْهُمُ: الْمُقَصِّرُونَ الَّذِينَ يُكِنُّونَهَا فَلَا يَصِلُ إِلَى رُؤْيَتِهَا مَنْ يُرِيدُ الزَّوَاجَ!، وَسُلُوكُ السَّبِيلِ الْوَسَطِ هُوَ الْحَقُّ؛ كَمَا قَالَ -تَعَالَى-: (وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)[الْفُرْقَانِ: 67]".

 

فَلْنَتَّقِ اللَّهَ -تَعَالَى- فِي جَمِيعِ أُمُورِنَا، بِلَا إِفْرَاطٍ وَلَا تَفْرِيطٍ، فَلَا نَتَشَدَّدُ وَلَا نَتَسَاهَلُ، وَلْنَكُنْ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)[النُّورِ: 51-52].

 

صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56].

المرفقات

النظر إلى المخطوبة.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات