المن خصلة لئيمة وعاقبة وخيمة

زياد الريسي - مدير الإدارة العلمية

2021-02-12 - 1442/06/30 2021-02-09 - 1442/06/27
عناصر الخطبة
1/معنى اسم الله المنَّان 2/الفَرْق بين منة الله تعالى ومنة البشر 3/أمثلة من القرآن ذُكر فيها المنّ 4/النهي عن المن وبيان عقوبته 5/حديثك عن عطائك نفسك مناً بينما حديثك عن عطاء الآخرين شكرا 6/الآثار السيئة للمنّ

اقتباس

وَالْمَنُّ -يَا عِبَادَ اللَّهِ- هُوَ التَّحَدُّثُ بِالْعَطِيَّةِ بِصُورَةٍ يَتَأَذَّى مِنْهَا الْآخِذُ، سَوَاءٌ مَعًهُ مُبَاشَرَةً أَوْ تَحَدَّثَ بها إِلَي الْآخَرِينَ، وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ بَلْ وَمِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَالْمَنُّ عَلَامَةُ سُوءِ الْخُلُقِ، وَدَنَاءَةِ النَّفْسِ...

الخطبة الأولى:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ كَرِيمِ الْعَطَايَا، مُجْزِلِ الْهِبَاتِ، عَظِيمِ الْقَدْرِ، وَافِرِ الْمُكْرُمَاتِ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ بَاسِطُ الْيَدَيْنِ بِالْمَغْفِرَةِ، وَمُقِيلٌ عَنِ التَّائِبِينَ الْعَثَرَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَاحِبُ السَّجَايَا، كَامِلُ الصِّفَاتِ، وَعَلَى صَحَابَتِهِ وَآلِ بَيْتِهِ وَالتَّابِعِينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الْعَرَصَاتِ.

 

عِبَادَ اللَّهِ: اتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوهُ، وَاعْمَلُوا بِطَاعَتِهِ وَلَا تَعْصُوهُ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]؛ ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اللَّهُ -سُبْحَانَهُ- هُوَ الْمَنَّانُ، وَهُوَ صَاحِبُ الْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ، مُسْبِلُ الْخَيْرِ وَوَاهِبُ النِّعَمِ، كُلُّ نِعْمَةٍ نَعِيشُهَا مِنْهُ -سُبْحَانَهُ- مَنَحَنَا إِيَّاهَا كَرَمًا وَتَفَضُّلًا، وَكُلُّ مَكْرُوهٍ فِي حَيَاتِنَا هُوَ عَدْلٌ مِنْهُ -سُبْحَانَهُ- قَدَّرَهُ عَلَيْنَا بَلَاءً وَتَطْهِيرًا.

 

وَالْمَنَّانُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْعَلِيَّةِ، وَرَدَ ذِكْرُهُ فِي الْقُرْآنِ صِفَةً؛ (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)[إِبْرَاهِيمَ: 11]، وَفِي السُّنَّةِ الزَّكِيَّةِ اسْمًا؛ كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جَالِسًا، يَعْنِي وَرَجُلٌ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا رَكَعَ وَسَجَدَ وَتَشَهَّدَ، دَعَا فَقَالَ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إِنِّي أَسْأَلُكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِأَصْحَابِهِ: "تَدْرُونَ بِمَا دَعَا"؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى".

 

وَمِنَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَاقِعِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْفَضْلِ وَمُوجِدُهُ؛ بِخِلَافِ مِنَّةِ الْخَلْقِ عَلَى بَعْضِهِمْ؛ فَإِنَّهَا مَذَمَّةٌ وَتَجَاوُزٌ؛ لِأَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ النِّعَمِ هِيَ مِلْكٌ لِلَّهِ -تَعَالَى- أَسَاسًا وَهُوَ وَاهِبُهَا، وَمِلْكُهُمْ لَهَا نَاقِصٌ، وَلَيْسُوا عَلَيْهَا سِوَى مُسْتَأْمَنِينَ. فَكَانَتْ مِنَّتُهُمْ عَلَى بَعْضِهِمْ دَلِيلَ خِسَّةٍ وَعَلَامَةَ لُؤْمٍ.

 

وَالْمَنُّ -يَا عِبَادَ اللَّهِ- هُوَ التَّحَدُّثُ بِالْعَطِيَّةِ بِصُورَةٍ يَتَأَذَّى مِنْهَا الْآخِذُ، سَوَاءٌ مَعًهُ مُبَاشَرَةً أَوْ تَحَدَّثَ بها إِلَي الْآخَرِينَ، وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ بَلْ وَمِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَالْمَنُّ عَلَامَةُ سُوءِ الْخُلُقِ، وَدَنَاءَةِ النَّفْسِ.

 

وَقَدْ وَرَدَتْ لَفْظَةُ الْمَنِّ فِي النُّصُوصِ فِي سِيَاقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ فَوَرَدَتْ عَلَى لِسَانِ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لَمَّا أَرْسَلَهُ رَبُّهُ إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا؛ فَاسْتَعْلَى عَلَى مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَذَكَّرَهُ مِنَّتَهُ عَلَيْهِ فِي صِغَرِهِ؛ فَرَدَّ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-؛ (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ)[الشُّعَرَاءِ: 22]؛ أَيْ: كَيْفَ لَكَ يَا فِرْعَوْنُ أَنْ تَتَمَنَّنِ بِإِحْسَانِكَ إِلَيَّ وَأَنَّكَ لَمْ تَسْتَعْبِدْنِي، بَيْنَمَا أَنْتَ قَدِ اسْتَعْبَدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَمِيعَهُمْ، فَقَتَلْتَ طَائِفَةً وَاسْتَضْعَفْتَ أُخْرَى.

 

وَهَذَا يُوسُفُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لَمَّا الْتَقَى بِإِخْوَانِهِ وَذَكَّرَهُمْ بِمَا صَدَرَ مِنْهُمْ فِي صِغَرِهِ، فَعَرَفُوا أَنَّهُ يُوسُفُ فَاسْتَعْظَمُوا مَنْصِبَهُ وَمَكَانَتَهُ؛ فَكَانَ جَوَابُهُ؛ (قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)[يُوسُفَ: 90].

 

كَمَا ذُكِرَ الْمَنُّ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ عَنْ أَسْرَى الْكُفَّارِ، وَمَتَى يَكُونُ الْمَنُّ عَلَيْهِمْ؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا)[مُحَمَّدٍ: 4].

 

وَفِي مَعْرِضِ النِّعَمِ الَّتِي وَهَبَهَا اللَّهُ لِسُلَيْمَانَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- ذَكَرَ مِنْهَا مِنَّتَهُ عَلَيْهِ؛ حَيْثُ مَنَحَهُ الصَّلَاحِيَةَ الْكَامِلَةَ فِي الْعَطَاءِ وَالْمَنْعِ دُونَ حَرَجٍ عَلَيْهِ أَوْ تَثْرِيبٍ؛ قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: (هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)[ص: 39]؛ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْجَزَائِرِيُّ: "أَيْ: أَعْطَيْنَاهُ مَا طَلَبَ مِنَّا وَقُلْنَا لَهُ: أَعْطِ مَا شِئْتَ لِمَنْ شِئْتَ، وَامْنَعْ مَا شِئْتَ عَمَّنْ شِئْتَ بِغَيْرِ حِسَابٍ مِنَّا عَلَيْكَ. وَفَوْقَ هَذَا وَإِنَّ لَكَ عِنْدَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَلْقُرْبَةَ وَحُسْنَ الْمَرْجِعِ".

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَعِيشُ عَلَى فَضْلِهِ وَيَتَقَلَّبُ بَيْنَ مِنَنِهِ، وَهَذِهِ الْمِنَنُ وَتِلْكَ الْهِبَاتُ كَثِيرَةٌ لَا تُحْصَى، وَهَاكُمْ بَعْضَ أَمْثِلَتِهَا:

فَأَعْظَمُ مِنَّةِ الْوَهَّابِ وَأَفْضَلُ عَطَايَاهُ -سُبْحَانَهُ- هِدَايَتُهُ لِمَنْ هَدَى بَعْدَ ضَلَالِهِمْ؛ (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)[الْحُجُرَاتِ: 17]، (كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ)[النِّسَاءِ: 94].

 

وَمِنْ مِنَنِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ إِرْسَالُهُ إِلَيْهِمْ رُسُلًا لِيُبَيِّنُوا لَهُمْ شَرَائِعَهُ الْمُنَزَّلَةَ؛ وَأَجَلُّهَا إِرْسَالُهُ مُحَمَّدًا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ حَسَبَهُ وَنَسَبَهُ؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)[آلِ عِمْرَانَ: 164].

 

وَمِنْ تِلْكَ الْمِنَنِ -أَيْضًا- مِنَّتُهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ حَيْثُ اصْطَفَاهُمْ عَلَى سَائِرِ خَلْقِهِ وَاخْتَارَهُمْ عَلَيْهِمْ؛ (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)[إِبْرَاهِيمَ: 11]، (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ)[الصَّافَّاتِ: 114].

 

كَذَا مِنَّتُهُ -سُبْحَانَهُ- بِاسْتِخْلَافِ أَوْلِيَائِهِ بَعْدَ إِقْصَائِهِمْ وَتَمْكِينِهِمْ بَعْدَ اسْتِضْعَافِهِمْ؛ (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ)[الْقَصَصِ: 5-6].

 

وَمِنَ الْمِنَنِ -أَيْضًا- عَلَى عِبَادِهِ أَنْ وَحَّدَهُمْ بَعْدَ أَنْ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ؛ قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا)[آلِ عِمْرَانَ: 103]، وَمِنَّتُهُ عَلَيْهِمْ بِالطَّيِّبَاتِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ لَهُمْ وَأَبَاحَهَا؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)[الْبَقَرَةِ: 172].

 

كَذَلِكَ مِنَّتُهُ عَلَى الْمُتَّقِينَ أَنْ وَقَاهُمْ نَارَهُ وَجَنَّبَهُمْ عِقَابَهُ؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: (قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ)[الطُّورِ: 26-28].

 

كَمَا امْتَنَّ عَلَى عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ بِالْأَجْرِ الْعَظِيمِ وَالثَّوَابِ غَيْرِ الْمُنْقَطِعِ وَمِنْهُمْ نَبِيُّنَا الْكَرِيمُ؛ (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ)[فُصِّلَتْ: 8]، (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ)[الْقَلَمِ: 3].

 

قُلْتُ هَذَا الْقَوْلَ؛ فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي وَالشَّيْطَانِ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِمَّا قُلْتُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: فِي الشَّرِيعَةِ نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ وَصَرِيحَةٌ وَرَدَ النَّهْيُ فِيهَا عَنِ الْمَنِّ وَبَيَّنَتْ عُقُوبَتَهُ؛ فَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ لِمُدَّعِي الْإِيمَانِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالٍ: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)[الْحُجُرَاتِ: 17].

 

كَمَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الْمِنَّةِ بِالْعَطِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)[الْبَقَرَةِ: 264]، قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: "حَظَرَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ الْمَنَّ بِالصَّنِيعَةِ، وَاخْتَصَّ بِهِ صِفَةً لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْعِبَادِ تَعْيِيرٌ وَتَكْدِيرٌ، وَمِنَ اللَّهِ إِفْضَالٌ وَتَذْكِيرٌ".

 

تَحْذِيرُ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ الْكَرِيمِ مِنْهُ؛ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ)[الْمُدَّثِّرِ: 6]؛ يَقُولُ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: "أَيْ: لَا تَمْنُنْ عَلَى النَّاسِ بِمَا أَسْدَيْتَ إِلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، فَتَتَكَثَّرُ بِتِلْكَ الْمِنَّةِ، وَتَرَى لَكَ الْفَضْلَ عَلَيْهِمْ بِإِحْسَانِكَ الْمِنَّةَ، بَلْ أَحْسِنْ إِلَى النَّاسِ مَهْمَا أَمْكَنَكَ، وَانْسَ عِنْدَهُمْ إِحْسَانَكَ، وَلَا تَطْلُبْ أَجْرَهُ إِلَّا مِنَ اللَّهِ -تَعَالَى- وَاجْعَلْ مَنْ أَحْسَنْتَ إِلَيْهِ وَغَيْرَهُ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ".

 

عَبْدَ اللَّهِ: إِنْ كَانَ التَّحَدُّثُ بِفَضْلِكَ لِلْآخَرِينَ صِفَةً مَذْمُومَةً، فَإِنَّ تَحَدُّثَكَ بِمِنَّةِ الْآخَرِينَ عَلَيْكَ صِفَةٌ مَحْمُودَةٌ؛ بَلْ إِنَّ ذِكْرَ فَضْلِهِمْ عَلَيْكَ وَإِحْسَانِهِمْ لَكَ هُوَ مِنْ بَابِ الشُّكْرِ لَهُمْ وَرَدِّ الْمَعْرُوفِ وَحِفْظِ الْجَمِيلِ، كَمَا أَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ شُكْرِ اللَّهِ -تَعَالَى-؛ فَهَذَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُشِيدُ بِفَضْلِ أَبِي بَكْرٍ عَلَيْهِ وَمَعْرُوفِهِ عَلَيْهِ؛ فَيَقُولُ: "إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا يُبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ إِلَّا بَابُ أَبِي بَكْرٍ".

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: الْمَنُّ خَصْلَةٌ قَبِيحَةٌ وَسُلُوكٌ مَشِينٌ، لَهَا آثَارُهَا السَّيِّئَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ فَمِنْ مَسَاوِئِهِ فِي الدُّنْيَا تَعْرِيضُ الْمُمْتَنِّ نَفْسَهُ لِغَضَبِ اللَّهِ وَمَقْتِهِ؛ إِذِ الْمِنَّةُ صِفَةٌ جَاءَ الشَّرْعُ بِمَقْتِهَا وَذَمِّهَا.

 

وَمِنْ عُقُوبَةِ الْمَنِّ بُطْلَانُ ثَوَابِ الْإِحْسَانِ، وَمَحْقُ أَجْرِ الْمَعْرُوفِ بِصَرِيحِ قَوْلِ اللَّهِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)[الْبَقَرَةِ: 264].

 

وَمِنْ مَسَاوِئِ الْمَنِّ أَنَّهُ يُوغِرُ الصُّدُورَ وَيُثِيرُ الْأَحْقَادَ، وَكَثِيرًا مَا يُذِلُّ الْآخِذَ وَيُؤْذِيهِ، وَقَدْ دَعَتِ الشَّرِيعَةُ إِلَى فِعْلِ مَا يُحَبِّبُ الْقُلُوبَ لِبَعْضِهَا، وَنَهَتْ عَنْ كُلِّ مَا يُفَرِّقُهَا وَيُثِيرُ انْزِعَاجَهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ)[الْبَقَرَةِ: 163].

 

وَأَمَّا عُقُوبَتُهُ فِي الْآخِرَةِ مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ"(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

 

وَالْمَنَّانُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدُ رِيحَهَا؛ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ خَمْسٍ: مُدْمِنُ خَمْرٍ، وَلَا مُؤْمِنٌ بِسِحْرٍ، وَلَا قَاطِعُ رَحِمٍ، وَلَا كَاهِنٌ، وَلَا مَنَّانٌ".

 

قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: لَا يَتِمُّ الْمَعْرُوفُ إِلَّا بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: "تَصْغِيرُهُ وَتَعْجِيلُهُ وَسَتْرُهُ". كَمَا قِيلَ: "آفَةُ السَّخَاءِ الْمَنُّ". ‏وَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ شُبْرُمَةَ: فَعَلْتُ بِفُلَانٍ كَذَا، وَأَعْطَيْتُ فُلَانًا كَذَا، وَخَدَمْتُ فُلَانًا بِكَذَا. فَقَالَ: "لَا خَيْرَ فِي الْمَعْرُوفِ إِذَا أُحْصِيَ". قَالَ حَكِيمٌ لِبَنِيهِ: "إِذَا اتَّخَذْتُمْ عِنْدَ رَجُلٍ يَدًا فَانْسَوْهَا".

وَإِذَا خُصِصْتَ بِنِعْمَةٍ وَرُزِقْتَهَا *** مِنْ فَضْلِ رَبِّكَ مِنَّةً تَغْشَاهَا

فَابْغِ الزِّيَادَةَ فِي الَّذِي أُعْطِيتَهُ *** وَتَمَامُ ذَاكَ بِشُكْرِ مَنْ أَعْطَاهَا

 

وَالْمَعْرُوفُ لَا يَجْمُلُ الِا بِثَلَاثٍ: "أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ، وَأَنْ يَأْتِيَ مِنْ غَيْرِ إِبْطَاءٍ، وَأَنْ يَتِمَّ بِغَيْرِ مِنَّةٍ". فَحَافِظُوا عَلَى إِحْسَانِكُمْ بِالْخَفَاءِ وَعَلَى مَشَاعِرِ إِخْوَانِكُمْ عِنْدَ الْعَطَاءِ بِالصَّمْتِ.

 

عِبَادَ اللَّهِ: صَلُّوا عَلَى مَنْ أَمَرَكُمْ رَبُّكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56].

 

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ قُلُوبَنَا، وَسَدِّدْ أَقْوَالَنَا، وَتَقَبَّلْ أَعْمَالَنَا، وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ.

 

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا، اللَّهُمَّ ادْفَعْ عَنَّا الْغَلَاءَ وَالرِّبَا وَالْوَبَاءَ وَسَائِرَ الْأَسْقَامِ وَالْآثَامِ.

 

اللَّهُمَّ اهْدِنَا لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ فَلَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنَّا سَيِّئَهَا فَلَا يَصْرِفُ سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ.

المرفقات

المن خصلة لئيمة وعاقبته وخيمة.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات
عضو نشط
زائر
09-02-2021

نفعنا الله بك وبعلمك شيخنا الفاضل @زياد الريسي

عضو نشط
زائر
09-02-2021

بارك الله فيكم