المغني.. في ترك ما لا يعني

أحمد السويلم

2015-04-11 - 1436/06/22
عناصر الخطبة
1/ دلالات الاشتغال بما لا يعني 2/ من مظاهر اشتغال المرء بما لا يعنيه 3/ الآثار السيئة للاشتغال بما لا يعني 4/ ثمرات الاعتناء بالشأن وترك الفضول

اقتباس

حديثي إليكم اليوم عن نور من أنوار النبوة، وخبر من جوامع كلم النبي عليه الصلاة والسلام، وجيز اللفظ، كثير المعنى، تمس الحاجة إلى تفهمه والعمل به، لا سيما في هذا الزمن الذي كثرت فيه الواجبات، وازدحمت المسؤوليات، وكثر فيه الكلام، وقل فيه العمل. حديث قد عده العلماء رابع أربعة أحاديث عليها مدار الإسلام، وإليها ترجع الأحكام، إنه قول من لا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام: "مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ"...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، وله الحمد في الآخرة، وهو الحكيم الخبير، أحمده سبحانه وأشكره، وأثني عليه وأستغفره.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أتم علينا النعمة، وأكمل لنا الدين، وهدانا صراطه المستقيم.

 

وأشهد محمدًا عبده ورسوله، بعثه الله ليتمم مكارم الأخلاق، ويصرف مساوئها، فأقبل على شأنه شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، وتوبوا إليه، وأقبلوا على شأنكم، وقدموا لآخرتكم تفلحوا، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [الحشر:18].

 

عباد الله: حديثي إليكم اليوم عن نور من أنوار النبوة، وخبر من جوامع كلم النبي عليه الصلاة والسلام، وجيز اللفظ، كثير المعنى، تمس الحاجة إلى تفهمه والعمل به، لا سيما في هذا الزمن الذي كثرت فيه الواجبات، وازدحمت المسؤوليات، وكثر فيه الكلام، وقل فيه العمل.

 

حديث قد عده العلماء رابع أربعة أحاديث عليها مدار الإسلام، وإليها ترجع الأحكام، إنه قول من لا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام: "مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ" حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عن أبي هريرة -رضي الله عنه-. وروى الإمام أحمد وغيره مرسلا عن الحسين بن علي -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ قِلَّةُ الكَلَامِ إِلاَّ فِيْمَا يَعْنِيْهِ".

 

إخوة الإيمان: إقبال المرء على شأنه، واشتغاله بما يعنيه، وكفه عما لا يعنيه، علامة توفيق، ودليل هداية، وهو سمة ذوي العقول الألباء، فضلًا عن المؤمنين الأتقياء.

 

وحسن إسلام المرء يعني كمالَ إسلامه وتمامَه، وبلوغه رفيعَ مقاماته، ومعنى الحديث: إنّ من كمال إسلام المرء واستقامته على الدين تركَه ما لا يعنيه من الأقوال والأفعال؛ تقربًا إلى الله، واشتغاله بما لا يعنيه يحجزه عن بلوغ مرتبة الإحسان، ويخدش في كمال إيمانه.

 

وحسب المؤمن بهذا الحديث تذكرة وإرشادًا، فإنه إذا ما عمل به فترك ما لا يعنيه فقد أحسن إسلامه، ومن أحسن إسلامه فقد أحرز الفضائل والمكرمات، وربح مضاعفة الأجور والحسنات، حتى تكون الحسنة في ميزانه أثقل من الجبال. أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا".

 

وأجلُّ من ذلك محبة الله تعالى لعبده، وهي غاية المنى، ومنتهى الإرادات، قال -جل وعلا- في كتابه: (وَأَحْسِنُوْا إِنَّ اللهَ يُحِبُ المُحْسِنِيْنَ) [البقرة:195].

 

عباد الله: من اشتغل بما يعنيه، وأقبل على ما ينفعه في أمور الدنيا والآخرة، فهو تارك إذًا ما لا يعنيه ولا ريب، فالزمان واحد، لا يتسع للاشتغال إلا بواحد منهما، وفي الحديث الصحيح: "احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ" أخرجه مسلم.

 

وأما من شغل نفسه بما لا يهمه ولا يعنيه، فقد انصرف -لا محالة- عما يعنيه من أمور الدنيا والآخرة، وهي أكثر من أن تعد، فأينا قام بما يعنيه ويلزمه منها من إقامة للصلوات، وبر بالوالدين، وإتقان في الوظائف والأعمال، وتربية الأولاد، وطلب العلم النافع، وقراءة القرآن، وصلة الأرحام، وحقوق الجوار، والدعوة إلى الخير، وبذل المعروف، والإصلاح بين الناس، وإعانة المحتاج، وزيارة المريض، وغير ذلك من الواجبات والمستحبات؟.

 

ألا وإن ترك ما لا يعني، المحققَ للإسلام الكامل، يدخل فيه بالأولى ترك المحرمات، كما قال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المتفق على صحته: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ". كما يقتضى ترك كل ما لا يعني من المشتبهات والمكروهات، وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها.

 

ومن اشتغال المرء بما لا يعنيه اشتغاله بشؤون الآخرين، وخصوصياتهم، وكيفيات معاشهم، ومقدار تحصيلهم، والبحث في تفاصيل أحوالهم، في أنفسهم وأولادهم وأهليهم، والتدخل في مشكلاتهم، والسؤال عن هذا وذاك.

 

كما أن الخوض في أمور السياسة والاقتصاد، وتحليل الوقائع والأحداث، و قولِ فلان وقيلِ فلان، مما لا يتعلق بغرض شرعي، ولا نفع دنيوي، كله من إهدار الزمان، والاشتغال بما لا يعني، الذي يبغضه الله، ففي الصحيح من حديث المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ".

 

وأخطر من ذلك كله الخوضُ في مسائل العلم والدين بجهل أو هوى، والكلام على الله بغير علم، فإنه من سبيل الشيطان، وقد حذر الله من ذلك فقال -سبحانه-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [البقرة:168-169].

 

وقرن -سبحانه- القول عليه بلا علم بالكبائر والإشراك به، فقال -جل وعلا-: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [الأعراف:33].

 

إخوة الإيمان: كم جلب الاشتغال فيما لا يعني من بلية، وكم أورث من رزية، صُدورٌ أُوغِرَتْ، وخصومات أججت، وأزواج طلقت، وأسرار نشرت؛ بسبب  أقوام تدخلوا فيما لا يعنيهم، فباؤوا بإثمها ووِزْرِهَا.

 

ذلكم أن الاشتغال فيما لا يعني كثيرًا ما يوقع في الحرام، ويورث الذنب. روى ابن أبي شيبة عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " أَكْثَرُ النَّاسِ ذُنُوبًا، أَكْثَرُهُمْ كَلَامًا فِيْمَا لَا يَعْنِيْهِمْ".

 

وروى الترمذي عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رجلًا من الصحابة توفي، فقال رجل: أبشر بالجنة! فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لَا تَدْرِيْ؛ لَعَلَّهُ تَكَلَّمَ بِمَا لَا يَعْنِيْهِ، أَوْ بَخِلَ بِمَا لَا يُغْنِيهِ".

 

ولذا؛ حث النبي -صلى الله عليه وسلم- على الصمت إلا من خير، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ" متفق عليه.

 

وذم الله النجوى بين الناس والكلام إلا ما كان في خير، فقال -سبحانه وتعالى-: (لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء:114].

 

وكل ما تكلم به المرء مما يعنيه أو لا يعنيه، في سر أو نجوى، مكتوب ومحصي عليه، قال الله -جل وعلا-: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) [الزخرف:80].

 

يقول معروف الكرخي -رحمه الله-: كَلَامُ الْعَبْدِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ خِذْلَانٌ مِنَ اللَّهِ -عز وجل-. ويقول الحسن البصري -رحمه الله-: من علامة إعراض الله -تعالى- عن العبد، أن يجعل شغله فيما لا يعنيه.

 

وروى ابن أبي شيبة عن يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، فَقَالَ: أُحَدِّثُكُمْ بِحَدِيثٍ لَعَلَّهُ يَنْفَعُكُمْ فَإِنَّهُ قَدْ نَفَعَنِي، قَالَ لَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: يَا ابْنَ أَخِي، إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانَ يَكْرَهُ فُضُولَ الْكَلاَمِ مَا عَدَا كِتَابَ اللهِ تَعَالَى أَنْ تَقْرَأَهُ، أَوْ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ، وَأَنْ تَنْطِقَ بِحَاجَتِكَ فِي مَعِيشَتِكَ الَّتِي لاَ بُدَّ لَك مِنْهَا، أَتُنْكِرُونَ أَنَّ (عَلَيْكُمْ حَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ)؟ وَأَنَّ (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)؟ أَمَا يَسْتَحْيِيْ أَحَدُكُمْ لَوْ نَشَرَ صَحِيفَتَهُ الَّتِي أَمْلَى صَدْرَ نَهَارِهِ وَأَكْثَرُ مَا فِيهَا لَيْسَ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ، وَلاَ دُنْيَاهُ؟!.

 

ألا فاتقوا الله عباد الله، وأحسنوا إسلامكم، وأقبلوا على ما ينفعكم، وسارعوا في مرضاة ربكم.

 

أقول ما تسمعون.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلى الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله.

 

أما بعد: فقد أخرج ابن أبي الدنيا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ مرسلًا عن رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، فَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ -رضي الله عنه-، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ كَذَا وَكَذَا، فَأَيُّ عَمَلٍ لَكَ أَوْثَقُ تَرْجُو بِهِ؟ قَالَ: "إِنّي لَضَعِيفٌ، وَإِنَّ أَوْثَقَ مَا أَرْجُو بِهِ لَسَلَامَةُ الصَّدْرِ، وَتَرْكُ مَا لَا يَعْنِينِي" أصله في الصحيح.

 

وأخرج الدارمي وابن حبان عن أبي ذر -رضي الله عنه-، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "كَانَ فِيْ صُحُفِ إِبْرَاهِيْمَ عليه الصلاة والسلام: "وَعَلَى العَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيْراً بِزَمَانِه، مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِه، حَافِظًا لِلِسَانِه، وَمَنْ حَسَبَ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيْمَا يَعْنِيْه".

 

وهكذا يا عباد الله، فإن المقبل على شأنه، المشتغل بما ينفعه، المنصرف عما لا يعنيه من فضول المباح، فضلا عن الحرام، إنه يجني من ذلك ثمرات جنية، أعلاها محبة الله والفوز بجنته، وأدناها صفاء قلبه، وقلة غمه وهمه، قال ربنا الكريم: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [النحل:97].

 

كما أنه يكتسب محبة الناس وثناءهم، كما روى البيهقي وغيره عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -رضي الله عنه- أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ. قَالَ: "ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ".

 

وأمةٌ أفرادها كذلك، أمة عظيمة موفقة، ما أحراها بالإنجاز، وقلة الإعواز! وما أحقها بالفلاح وكثرة النجاح!  جعلني الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

 

وصلوا وسلموا...

 

 

 

المرفقات

.. في ترك ما لا يعني

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات