اللهم هون علينا مصائب الدنيا

حسان أحمد العماري

2016-02-07 - 1437/04/28
عناصر الخطبة
1/ حديث عظيم ودعوات جامعة 2/ الخوف من الله ومراقبته من أسباب النجاة 3/ اليقين هو أعلى درجات الإيمان 4/ أهمية اليقين بالله والثقة به والركون إليه
اهداف الخطبة
عنوان فرعي أول
عنوان فرعي ثاني
عنوان فرعي ثالث

اقتباس

إذا كان عند الإنسان يقين أنه لا يحدث شيء إلا بقدر الله وإرادته، وأنه -سبحانه وتعالى- أرحم بعباده من أنفسهم وأنه يكفِّر بها من سيئاته ويرفع بها من درجاته إذا صبر واحتسب الأجر من الله هانت عليه المصائب وسهلت عليه المحن مهما عظمت سواء كانت في بدنه أو في أهله أو في ماله، فيطمئن لسير حياته. لا يقلق من غده ولا من مستقبله ولا من الغيب، فيشعر بأن الله بجانبه يرعاه برعايته عز وجل، يدبر له الأمر ييسر له الرزق، يدفع عنه المكروه يرزقه الخير..

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله فاطر الأكوان وباريها، ورافع السماء ومعليها، وباسط الأرض وداحيها، وخالق الأنفس ومسويها، وكاتب الأرزاق ومجريها، سبحانه من إله لا يُماثل ولا يُضاهى ولا يُرام له جناب، هو ربنا عليه توكلنا وإليه المرجع والمتاب..  يسمع جهر القول وخفي الخطاب ..

 

ربي لك الحمد العظيم لذاتك  ***  حمدًا وليس لواحد إلاَّك

يا مدرك الأبصار والأبصار  ***  لا تدري له ولِكُنْهِهِ إدراكًا

ولعل ما في النفس من آياته  ***  عجب عجاب لو ترى عيناك

والكون مشحون بأسرار إذا  ***  حاولْتَ تفسيرًا لها أعياك

إن لم تكن عيني تراك فإنني  ***  في كل شيء أستبين عُلاك

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق النفس من العدم فأنطقها، وبث في الكون  آثار وحدانيته فجلاها وأظهرها، وأشهد أن محمد عبد الله ورسوله خير البرية أجمعها  وأزكاها وأطهرها صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 

 أما بعــــــد:

عبــاد الله:  عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قَالَ: قَلَّمَا كَانَ رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقوم من مجلسه فيقول: "اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ به عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا، اللَّهُمَّ مَتِّعْنَا بأسْمَاعِنا، وَأَبْصَارِنَا، وقُوَّتِنَا مَا أحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الوارثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلاَ تَجْعَلْ مُصيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلاَ تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلاَ مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لاَ يَرْحَمُنا" (رواه الترمذي، وقال: حديث حسن).

 

 إنه حديث عظيم ودعوات جامعة كان رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لا يجلس مجلساً إلا ودعاء بهن، جمع فيهن بخير الدين والدنيا والآخرة، وشمل بهن جميع مطالب الحياة والآخرة للإنسان من عقيدة صحيحة وعبادة صالحة وعافية في الجسد وقوة تحفظ هذا الإنسان وتسانده، وتشد من أزره وهو يواجه فتن الحياة وأحداث الزمان ومصائب الدنيا، ثم نهاية وخاتمة حسنه تقوده إلى جنة الله ورضوانه ..

 

ولذا سنقف مع بعض الدروس والعبر والعظات في هذا الحديث تزكية وتربية لنفوسنا وتثبيتاً لأفئدتنا .. فقال -صلى الله عليه وآله وسلم-: "للهم اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ": أي: اجعل لنا حظًّا ونصيباً من خشيتك ـ وهي الخوف المقرون بالعلم والتعظيم لله ومعرفته سبحانه، وقد أثنى -سبحانه وتعالى- على عباده الذين يخافونه ويخشونه فقال تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة: 16-17]..

 

والخوف من الله ومراقبته من أسباب النجاة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" ثلاث منجيات: خشية الله تعالى في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى، وثلاث مهلكات: هوًى متبع، وشح مطاع، وإعجاب المرء بنفسه" (السلسلة الصحيحة: 4/416)..

 

 "ما تحول به بيننا وبين معصيتك": لأن الإنسان كلما خشي الله  منعته خشيته من الله أن ينتهك محارم الله أو يتعدى حدوده ليأمن في الآخرة .. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين؛ إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع عبادي" (السلسلة الصحيحة:2 / 378)..

 

"وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ": أي ويسِّر لي من طاعتك ما يكون سبباً لنيل رضاك وبلوغ جنَّتك التي أعدَدتَها لعبادك المتَّقين ..

 

أيها المؤمنون/ عبـاد الله:  ثم قال -صلى الله عليه وآله وسلم-: "وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ به عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا".. واليقين هو أعلى درجات الإيمان وهو صفة من أعلى صفات الإيمان والصلاح، ومقام من أرقى مقامات الصدق والفلاح، وهو العلم الذي لا يخالطه شك بأن الله -سبحانه وتعالى- هو الخالق وهو الرازق والمحيي والمميت، وأنه سبحانه يدبر أمور الكون ولا يعجزه شيء، وأن الجنة حق والنار حق، والرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- حق، وأن ما جاء عن الله وعن رسوله حق يجب الإيمان به والتسليم له قال تعالى الله تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [سورة البقرة: 3-5]..

 

وعَنِ الْحَسَنِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ النَّاسَ لَمْ يُعْطَوْا فِي الدُّنْيَا خَيْرًا مِنَ الْيَقِينِ، وَالْمُعَافَاةِ، فَسَلُوهُمَا اللهَ، عَزَّ وَجَلَّ". (أخرجه أحمد: 1/838).

 

وقوله: "ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا"؛ لأن الدنيا فيها مصائب كثيرة، لكن هذه المصائب إذا كان عند الإنسان يقين أنه لا يحدث شيء إلا بقدر الله وإرادته، وأنه -سبحانه وتعالى- أرحم بعباده من أنفسهم وأنه يكفِّر بها من سيئاته ويرفع بها من درجاته إذا صبر واحتسب الأجر من الله هانت عليه المصائب وسهلت عليه المحن مهما عظمت سواء كانت في بدنه أو في أهله أو في ماله، فيطمئن لسير حياته.

 

لا يقلق من غده ولا من مستقبله ولا من الغيب، فيشعر بأن الله بجانبه يرعاه برعايته عز وجل، يدبر له الأمر ييسر له الرزق، يدفع عنه المكروه، يرزقه الخير، فإن أصابه فرحٌ حمد الله، وإن أصابه مكروهٌ حمد الله أكثر؛ لأن البلاء من الله اختبارٌ للصبر، ودفعٌ للذنوب، ورفعٌ للدرجات وصبر على ما أصابه، فيعش حياةً هانئة بوجود الله في حياته وتهون عليه مصائب الدنيا ويرضى بقضاء الله وقدره فتطيب نفسه ويحسن الظن بربه ..

 

 لما حضر الموت أبا ذر الموت وهو في الربذة بكت امرأته فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: أبكي لأنه لا يدان لي بتغيبك وليس لي ثوب يسعك، قال: فلا تبكي، فإني سمعت رسول الله يقول لنفر أنا منهم: "ليموتن منكم رجل بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين. وليس من أولئك النفر رجل إلا قد مات في قرية وجماعة من المسلمين وأنا الذي أموت بفلاة، والله ما كذب ولا كذّبت فأبصري الطريق".

 

فقالت: أنَّى وقد انقطع الحاج وتقطعت الطرق! فكانت تشد إلى كثيب تقوم عليه تنظر ثم ترجع إليه فتمرضه، فبينما هي كذلك إذا هي بنفر، فألاحت بثوبها فأقبلوا، قالوا: مالك؟ قالت: امرؤ من المسلمين يموت تكفنونه؟ قالوا: ومن هو؟ قالت: أبو ذر، ففدوه بآبائهم، وأمهاتهم حتى جاءوه، فقال: أبشروا، فحدثهم الحديث الذي قال رسول الله .. (حياة الصحابة، مجلد 3 ص 66).

 

ولما دخل هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي الكعبة، فرأى سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنهم-، فقال له: "سلني حاجة -فرصة ثمينة الخليفة يعرض عليه أن يسأله ما شاء، اطلب، فماذا قال؟- قال: إني لأستحي من الله أن أسال في بيته غيره. فلما خرجوا قال له: فالآن سلني حاجتك، فقال سالم: من حوائج الدنيا أم حوائج الآخرة؟- طبعاً حوائج الآخرة لا سبيل إليها، لا سبيل إلى تحصيلها من قِبَل المخلوقين، هم لا يستطيعون أن يعطوك شيئاً من أمور الآخرة- قال:بل من حوائج الدنيا قال: والله ما سألت الدنيا من يملكها -يعنى الله، يقول: أنا ما دعوت قط ربي أن يعطيني شيئاً من حُطام الدنيا- ما سألت الدنيا من يملكها، فكيف أسأل من لا يملكها"؟!

 

إنه يقين بما عند الله والثقة بأنه لا يضيع أحد من عباده، وأن الآجال مكتوبة، والأرزاق مقسومة، ولا يستطيع أن يتدخل بها بشر إلا بإرادة الله..

توكلت في رزقي على الله خالقي *** وأيقنت أن الله لا شك رازقي

وما يكون من رزقي فليس يفوتني *** ولو كان في قاع البحار العوامق

سيأتي به الله العظيم بفضله *** ولو لم يكن مني اللسان بناطق

ففي أي شيء تذهب النفس حسرة *** وقد قسم الرحمن رزق الخلائق

 

إنه اليقين بالله والثقة به والركون إليه قال تعالى: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [سورة يونس: 107] ..

 

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ الله، -صلى الله عليه وسلم-، يَوْمًا فَقَالَ: "يَا غُلامُ، إني اُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إذا سَأَلْتَ، فَاسْأَلِ اللَّهَ، وإذا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِالله، وَاعْلَمْ أَنَّ الأمة لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بشيء، لَمْ يَنْفَعُوكَ إلا بشيء قَد كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بشيء، لَمْ يَضُرُّوكَ إلا بشيء قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأقْلامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ" (سنن أبي داود وصححه الألباني).

 

فلا يخاف من الموت، ولا من فوات رزق، ولا من ظلم ظالم، ولا ابتلاءات الحياة وفتن الزمان؛ لأن الله معه ويرعاه وكل شيء من تدبيره سبحانه عند ذلك تهون مصائب الدنيا وتطمئن النفوس، وتمتلئ بالأمل والثقة والتفاؤل حتى في أحلك الظروف ..

 

اللهم هون علينا مصائب الدنيا.. قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

 

 

الخطـبة الثانية:  

 

عبـاد الله:  ثم قال -صلى الله عليه وآله وسلم-: "ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا"، تسأل الله –تعالى- أن يمتعك بهذه الحواس السمع والبصر والقوة ما دمت حيًّا.

 

"واجعله": أي كل واحد منها السمع والبصر والقوة. "الوارث منا": أي الباقي منا، أي اجعل هذا التمتُّعَ بالحواس والقوى باقياً مستمرًّا بأن تبقى صحيحةً سليمةً إلى أن أموت.. 

 

"واجعل ثأرنا على من ظلمنا": أي: وفِّقنا للأخذ بثأرنا مِمَّن ظلمنا، دون أن نتعدَّى فنأخذ بالثأر من غير الظالم ..

 

"وانصرنا على من عادانا": أي: اكتب لنا النصر على الأعداء.. 

"ولا تجعل مصيبتنا في ديننا": أي: لا تُصبنا بما ينقص ديننا ويُذهبه من اعتقاد سيِّء أو تقصير في الطاعة أو فعل للحرام، وذلك لأنَّ المصيبةَ في الدِّين أعظمُ المصائب وليس عنها عِوَض، خلاف المصيبة في الدنيا ..

 

"ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا" أي: لا تجعل أكبر قصدنا وحزننا لأجل الدنيا؛ لأنَّ مَن كان أكبرَ قصده الدنيا فهو بمعزل عن الآخرة، وفي هذا دلالة على أنَّ القليلَ من الهمِّ مِمَّا لا بدَّ منه في أمر المعاش مُرخَّصٌ فيه ..

 

"ولا مبلغ علمنا" أي: لا تجعلنا بحيث لا نعلم ولا نفكِّر إلاَّ في أحوال الدنيا ..

 

"ولا تسلط علينا من لا يرحمنا" أي: من الكفار والفجَّار والظلمة.. فأكثروا من الدعاء وأحسنوا الظن بربكم وأصلحوا فساد ذات بينكم وكونوا عباد الله إخوانا ...

 

هذا وصلوا وسلموا على الرحمة المهداة والنعمة المسداة وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين .. والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

المرفقات

هون علينا مصائب الدنيا

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات