القناعة: حقيقتها ومكانتها ووسائلها

أحمد عماري

2022-10-11 - 1444/03/15
عناصر الخطبة
1/المقصود بالقناعة 2/ فضل القناعة ومكانتها 3/ الأسباب المعينة على اكتساب القناعة 4/ فوائد القناعة ونتائجها

اقتباس

القناعة شفاء ودواء؛ شفاء من داء الجشع والطمع، شفاء من الهموم والأحزان، شفاء من الكراهية والحسد، شفاء من نهب الأموال والاعتداء على الممتلكات. فمَن عُدِم القناعة ازداد تسخّطه وقلقه، وحُرِمَ من الرضا بما رزقه الله وآتاه. وحينئذ...

 

 

الخطبة الأولى:

 

مع خلق عظيم من أخلاق الإسلام، وأدب من آدابه العظيمة؛ إذا تخلق به العبد اطمأن قلبُه، وهدأت نفسُه، ونعِمَ بالراحة باله، وسلمت من الحرام جوارحُه. مع خلق من أخلاق الأنبياء، وسمة من سمات الأتقياء، وصفة من صفات أهل الفوز والفلاح، مع خلق القناعة.

 

ما أحوجنا إلى القناعة، وما أحوجنا إلى الرضا بما قسم الله، في زمن تكالب فيه كثير من الناس على الدنيا، وانغمسوا في شهواتها، في زمن كثر فيه التسخط والتذمر والتشكي، وضعُف فيه الرضا بما قسَم وقدر ربّ العالمين -سبحانه-.

 

فهل فشا الجشع والطمع إلا عندما غابت القناعة؟ وهل اكتوت المجتمعات بنيران الحسد والكراهية والبغضاء إلا بسبب فقدان القناعة؟ وهل كثرت الصراعات والنزاعات والسرقات إلا بسبب غياب القناعة في المجتمع؟

 

والقناعة هي الرضا بما أعطاه الله، وكتبه وقسمه.

القناعة استغناء بالموجود، وترك للتشوف إلى المفقود.

القناعة استغناء بالحلال الطيب عن الحرام الخبيث.

القناعة أن يكتفي المرء بما يملك، ولا يطمع فيما لا يملك.

القناعة امتلاء القلب بالرضا، والبعد عن التسخّط والشكوى.

 

فليس القانع ذلك الذي يشكو خالقه ورازقه إلى الخلق، ولا الذي يتطلع إلى ما ليس له، ولا الذي يغضب إذا لم يبلغ ما تمنى من رُتَب الدنيا؛ لأن الخير له قد يكون عكس ما تمنى.

 

كما أن القناعة لا تعني بالضرورة أن يكون العبد فقيرا، فالغني أيضا في حاجة إلى قناعة، كما أن الفقير في حاجة إلى قناعة؛ وقناعة الغني أن يكون راضيا شاكرا، لا جاحدا ظالما، قناعته أن لا تَلجَ أمواله إلى قلبه، حتى يصبح عبدا لها. قناعته أن لا يستعلي بماله على الفقراء، وأن لا يوظف ماله في الاستيلاء على ممتلكات الآخرين والاعتداء على حقوقهم.

 

فكم من صاحب مال وفير، وخير عظيم، رُزق القناعة! فلا يغشّ في تجارته، ولا يمنَع أُجَراءَهُ حقوقَهم، ولا يذلّ نفسه من أجل مال أو جاه، ولا يمنع زكاة ماله؛ إن ربح شكر، وإن خسر رضي؛ فهذا قنوع وإن ملك مال قارون.

 

وقناعة الفقير أن يكون راضيا بقسمة الله، مستسلما لأمر الله، لا ساخطا ولا شاكيا، ولا جزعا من حالِه، ولا غاضبا على رازقه. قناعته أن لا يتطلع إلى ما في أيدي الآخرين، قناعته أن يكون عفيفا متعففا، وأن لا يرتكب الحرام من أجل الحصول على لقمة العيش.

 

فكم من مستور يجد كفافًا؛ قد ملأ الطمع قلبه، ولم يُرْضِه ما قُسِم له! فجزع من رزقه، وغضِب على رازقه، وبثّ شكواه للناس، وارتكب كل طريق محرم ليُغني نفسه؛ فهذا منزوع القناعة وإن كان لا يملك درهمًا ولا فلسًا.

 

والقناعة شفاء ودواء؛ شفاء من داء الجشع والطمع، شفاء من الهموم والأحزان، شفاء من الكراهية والحسد، شفاء من نهب الأموال والاعتداء على الممتلكات.

 

فمَن عُدِم القناعة ازداد تسخّطه وقلقه، وحُرِمَ من الرضا بما رزقه الله وآتاه. وحينئذ لا يُرضيه طعام يُشبعه، ولا لباس يواريه، ولا مركب يحمله، ولا مسكن يؤويه: "ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب"، يبحث عن المال في كل مكان، يخلط بين الحلال والحرام، بل ربما كان ماله كله من الحرام لأنه لا يقتنع بما هو حلال.

 

ولقد حث النبي -صلى الله عليه وسلمَ- على القناعة، وبيّن أنها طريق إلى السعادة والفلاح، فقال عليه الصلاة والسلام: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ" (أخرجه مسلم عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ)، وعَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ -وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلمَ-: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا" (أخرجه الترمذي وابن ماجة وحسنه الألباني).

 

فلماذا التسخط؟ ولماذا التذمر؟ ولماذا التشكي؟ وأنت آمِن في نفسك ومالك وأهلك، معافى في بدنك، عندك قوتُ يومك، بل قوتُ عامٍ أو يزيد؟

 

لكنه الطمع الذي استولى على القلوب، فلم تعد تقنع لا بالقليل ولا بالكثير. وهذا ما حذرنا منه نبينا المصطفى -عليه الصلاة والسلام-؛ كما في الصحيحين عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلمَ- يقول: "لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب".

 

قال أبو حاتم -رحمه الله-: "مِنْ أكثر مواهب الله لعباده وأعظمها خطراً؛ القناعة. وليس شيءٌ أروحَ للبدن من الرضا بالقضاء والثقة بالقَسْم، ولو لم يكن في القناعة خصلة تحمد إلا الراحة وعدم الدخول في مواضع السوء لِطلب الفَضلِ، لكان الواجبُ على العاقل ألا يفارق القناعة على حالة من الأحوال"، وقال أيضاً: "القناعة تكون بالقلب؛ فمن غني قلبه غنيت يداه، ومن افتقر قلبه لم ينفعه غناه، ومن قنع لم يتسخطْ وعاش آمنا مطمئنا، ومن لم يقنع لم يكن له في الفوائت نهاية لرغبته".

 

وللقناعة طرق ووسائل وأسباب تعين على اكتسابها، ومن ذلك:

 

1- الإيمان الجازم بأن الله -تعالى- هو الرزاق، كتب الأرزاق قبل أن يخلقَ العِباد، ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها. فهل مِن أحد يرزق العبادَ غيرُه سبحانه؟ وهو القائل: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات: 58]، روى ابن ماجة في سننه عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-: "أيها الناس اتقوا الله وأجْمِلوا في الطلب، فإن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل ودعوا ما حرم" فلماذا الطمع؟ ولماذا الجشع؟ يقول عامر بن عبد قيس -رضي الله عنه-: "أربع آيات من كتاب الله إذا قرأتهن مساء لم أبال على ما أمسي، وإذا تلوتهن صباحًا لم أبال على ما أصبح: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ) [فاطر: 35]، وقوله تعالى: (وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) [يونس: 107]، وقوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) [هود: 6]، وقوله تعالى: (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) [الطلاق: 7].

 

2- تذكّرُ العبدِ أن الدنيا إلى زوال وأن متاعها إلى فناء: ليعلمِ العاقل أنّ كل حال إلى زوال، فلا يفرح غنيّ حتى يطغى ويَبطر، ولا ييأس فقير حتى يعصي ويكفر، فإنه لا فقر يدوم، ولا غنى يدوم! وكم من رجال نشأوا على فرش من حرير، وشربوا بكؤوس من ذهب، وورثوا كنوزا من المال، وأذلوا أعناق الرجال، واستعبدوا الأحرار من الرجال والنساء! فما ماتوا حتى اشتهَوْا فراشًا خَشِنا يقي الجنب عَضّ الأرض، ورغيفًا من خبز يحمي البطن من قَرْص الجوع! وآخرون قاسوا المحن والبلايا، وذاقوا الألم والحرمان، وطووا الليالي بلا طعام! فما ماتوا حتى ازدحمت عليهم النعم، وتكاثرت لهم الخيرات، وصاروا من سراة الناس! وسيسوي الموت بين الأحياء جميعا: الغني والفقير؛ فدُود الأرض لا يفرق بين المالك والأجير، ولا بين الصعلوك والأمير، ولا بين الكبير والصغير، فلا يجزع فقير بفقره، ولا يبطر غني بغناه.

 

فما أجمل القناعة، وما أسعد أهلها! لو تحلى بها الناس لزالت منهم الضغائن والأحقاد، وحفت بينهم الألفة والمودة؛ فإنّ ما يقع فيه الناس من خلاف وشقاق سببه الدنيا والتنافس عليها، سببه ضعف القناعة والرضا في القلوب، وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- حينما قال: "والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبْسَط الدنيا عليكم؛ كما بُسِطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم"، فهل من مدّكر؟ وهل من معتبر؟ يجعل ما يملك من دنيا في يديه، ويحذر أن تقترب إلى قلبه فتفسده.

 

"ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".

 

3- أن ينظر المرء إلى من هو أقل منه في المال والمنصب والجاه، ولا ينظر إلى من هو أعلى منه في ذلك، فقد علمنا ذلك النبيُّ -صلى الله عليه وسلمَ- فيما رواه مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلمَ-: "انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلاَ تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لاَ تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ"، قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: "عَلَيْكُمْ"، وفي لفظ لابن حبان في صحيحه: "إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَنْ فَوْقَهُ فِي الْمَالِ وَالْحَسَبِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الْمَالِ وَالْحَسَبِ".

 

وليس في الدنيا أحد لا يجد مَن هو أفضل منه في شيء، ولا مَن هو أقل منه في أشياء؛ فإن كنت فقيرا ففي الناس من هو أفقر منك! وإن كنت مريضًا ففي الناس من هو أشد منك مرضا. وإن كنت ضعيفا ففي الناس من هو أشد منك ضعفا. فلماذا تَرفعُ رأسَك لتنظرَ إلى مَن هو فوقك، ولا تخفِضُه لتُبصِرَ من هو تحتك؟!

 

4- تربية النفس على الاقتصاد في الإنفاق، وعدم الإسراف والتبذير: فقد قال سبحانه: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف: 31]، وقال عز وجل في صفات عباد الرحمن: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) [الفرقان: 67].

 

والنّفس راغبة إذا رغّبتها *** وإذا تردّ إلى قليل تقنع

 

5- الاعتقاد بأن الله -سبحانه- جعل التفاوت في الأرزاق بين الناس لحكمة يعلمها: فلله -سبحانه وتعالى- حكمة في تفاوت الأرزاق والمراتب بين العباد؛ حتى تحصل عمارة الأرض، ويتبادل الناس المنافع والمصالح، ويخدم بعضهم بعضًا، قال الله -تعالى-: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [الزخرف: 32]، وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ) [الأنعام: 165].

 

الناس للناس من بدو ومن حضر *** بعضٌ لبعض وإن لم يشعروا خدم

 

فالذي يعترض على قسمة الله معترض على علمه وحكمته، وهذا جهل وضلال، فإن الذي خلق الخلائق هو أعلم بمصالحهم ومنافعهم، وقد قال سبحانه: (وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 216].

 

6- العلم بأن الفقر والغنى ابتلاء وامتحان: فالفقير ممتحن بفقره وحاجته، والغني ممتحن بغناه وثروته، وكل منهما مسؤول وموقوف بين يدي الله -عز وجل-، قال سبحانه: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة: 155 - 157]، وروى الترمذي وابن ماجة عن أنس بن مالك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- أنه قال: "عِظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السُّخط".

 

وكما أن الفقر ابتلاء، فكذلك الغنى ابتلاء وامتحان؛ قال تعالى: (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ) [الأنفال: 28]، وقال سبحانه: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء: 35]، وقال نبينا -صلى الله عليه وسلمَ-: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه".

 

ومن خاصِّيّة المؤمن: أنه صابر في البأساء والضراء، شاكر في السراء والرخاء. وهذا ما نبه إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- حين قال: "عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له" (رواه مسلم من حديث صهيب).

 

1- أعظم نموذج في القناعة والرضا: الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلمَ-، فهو القدوة والأسوة في كل خلق جميل، فلقد كان النبي -صلى الله عليه وسلمَ- قنوعاً زاهداً راضيا صابرا محتسبا، كان أبعدَ الناس عن ملذات الدنيا، وأشدهم رغبة في الآخرة. وكيف لا يكون كذلك ورب العالمين -سبحانه- يخاطبه بقوله: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) [طـه: 131]، وقد كان صلى الله عليه وسلمَ يستعيذ بالله -تعالى- من نفس طمّاعة لا تشبع، فكان يقول في دعائه: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع" (أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة وأبو داود من حديث أبي هريرة، وأخرجه مسلم مع زيادة من حديث زيد بن أرقم).

 

فيا مَن تشكو من توالي الهموم والأحزان، من قلة المال، من الفقر والحاجة: كن راضيا صابرا محتسبا قنوعا، ولتكن لك في رسول الله أسوة حسنة وقدوة طيبة؛ انظر إلى طعامه، وانظر إلى فراشه ولباسه، وانظر إلى مسكنه، لتدرك أنك في نعم كثيرة وخيرات وافرة.

 

فأما طعامه ومأكله صلى الله عليه وسلمَ، فغاية في القناعة والبساطة؛ ففي الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت لعروة بن الزبير: ابنَ أختي؛ "إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- نار"، فقلت يا خالة: ما كان يُعِيشُكم؟ قالت: "الأسودان: التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- جيران من الأنصار، كانت لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- من ألبانهم، فيَسقينا"، وفي صحيح مسلم عن عائشة زوج النبي -صلى الله عليه وسلمَ- قالت: "لقد مات رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-، وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرتين".

 

وأما فراشه صلى الله عليه وسلمَ فقد روى البخاري في صحيحه عن عائشة قالت: "كان فراش رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- من أدَم، وحشوه من ليف" ("أدم" جلد مدبوغ "ليف" قشر النخيل).

 

وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: نام رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- على حصير فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء، فقال: "ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها" (أخرجه الترمذي وقال: "هذا حديث حسن صحيح").

 

وروى مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: "دخلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- وهو مضطجعٌ على حصيرٍ، فجلست، فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه، فنظرت ببصري في خزانة رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-، فإذا أنا بقبضةٍ من شعيرٍ نحو الصاع، ومثلها قرظًا في ناحية الغرفة، وإذا أفيقٌ معلقٌ، قال: فابتدرت عيناي، قال: ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ قلت: يا نبي الله، وما لي لا أبكي، وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-، وصفوته، وهذه خزانتك، فقال: يا ابن الخطاب، ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟، قلت: بلى" ("القَرَظ" هو ورَق السَّلَم تدبغ به الجلود، "أفيق" جلد لم يدبغ).

 

وأما مسكنه صلى الله عليه وسلمَ فبيوت من طين، سقفُها من جريد النخل، قصيرة متقاربة؛ روى البخاري في الأدب المفرد عن محمد بن أبي فديك عن محمد بن هلال: أنه رأى حُجَر أزواج النبي -صلى الله عليه وسلمَ- من جريد، مستورة بمسوح الشعر. فسألته عن بيت عائشة، فقال: كان بابه من وجهة الشام. فقلت: مصراعا كان أو مصراعين؟ قال: كان بابا واحدا. قلت: مِن أيّ شيء كان؟ قال: من عرعر أو ساج".

 

وروى البخاري في الأدب المفرد والبيهقي في شعب الإيمان عن داود بن قيس قال: رأيت الحجرات من جريد النخل، مغشاة من خارج بمسوح الشعر. وأظن عرض البيت من باب الحجرة إلى باب البيت نحوا من ست أو سبع أذرع. وأحزر البيت الداخل عشر أذرع، وأظن سمكه بين الثمان والسبع نحو ذلك، ووقفت عند باب عائشة فإذا هو مستقبل المغرب.

 

وروى البخاري في الأدب المفرد عن الحسن البصري قال: "كنتُ أدخل بيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلمَ- في خلافة عثمان بن عفان، فأتناول سُقُفَها بيدِي".

 

2- قناعة آل محمد -صلى الله عليه وسلمَ-: لقد ربى النبي -صلى الله عليه وسلمَ- أهله على القناعة بعد أن اختار أزواجه البقاء معه، والصبر على القلة، والزهد في الدنيا، حينما خيّرهن بين الإمساك على ذلك، أو الفراق والتمتع بالدنيا؛ كما قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 28 - 29].

 

فاخترن رضي الله عنهن الله ورسوله والدار الآخرة، وصبرْن على لأواء الدنيا، وضعف الحال، وقلة المال، طمعًا في الأجر العظيم من الله الكريم -سبحانه-، روى البخاري في صحيحه عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "ما أكل آل محمد -صلى الله عليه وسلمَ- أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر"، وفي الصحيحين عن عائشة قالت: "ما شبع آل محمد -صلى الله عليه وسلمَ- منذ قدم المدينة مِن طعام بُرّ ثلاث ليال تِباعا، حتى قبض".

 

3- قناعة السلف الصالح: وعلى القناعة أيضا ربى النبي -صلى الله عليه وسلمَ- أصحابه، فكانوا أصحاب قناعة ورضا، فما كانوا يتنافسون على الدنيا، ولا يتنازعون حولها، وإنما كانوا يتنافسون في الخيرات والطاعات. تركوا ديارهم وأموالهم وأراضيهم. في مكة وما حولها، ليهاجروا إلى الله ورسوله إلى المدينة النبوية حيث لا مال لهم هناك ولا أهل ولا متاع، فكان منهم من يربط على بطنه الحجر من شدة الجوع، وقد كان في مكة يأكل أشهى الطعام وألذ الطعام. وكان منهم من لا يجد من اللباس إلا ما يستر عورته، وقد كان في مكة يلبس أفخر الثياب وأجملها، فأي قناعة أعظم من هذه؟

 

روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده، كراهية أن ترى عورته".

 

وروى ابن ماجة في سننه عن أنس قال: "اشتكى سلمان فعاده سعد فرآه يبكي، فقال له سعد: ما يبكيك يا أخي؟ أليس قد صحِبتَ رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-؟ أليس أليس؟ قال سلمان: ما أبكي واحدة من اثنتين؛ ما أبكي ضنا للدنيا ولا كراهية للآخرة، ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- عهد إلي عهدا، فما أراني إلا قد تعديت. قال: وما عهد إليك؟ قال: عهد إلي أنه يكفي أحدكم مثل زاد الراكب، ولا أراني إلا قد تعديت. وأما أنت يا سعد فاتق الله عند حكمك إذا حكمت، وعند قسمك إذا قسمت، وعند همّك إذا هممت، قال ثابت: فبلغني أنه ما ترك إلا بضعة وعشرين درهما من نفقة كانت عنده" (والحديث صححه الألباني في صحيح ابن ماجه).

 

وللقناعة فوائد كثيرة ونتائج جليلة، تعود على المرء بالسعادة والراحة والأمن والطمأنينة، ومن تلك الفوائد:

 

1- القناعة دليل على قوة الإيمان بالله -سبحانه وتعالى-، دليل على صدق الثقة بالله والرضا بما قدّر وقَسَم، دليل على قوة اليقين بما عنده سبحانه وتعالى، قال الحسن البصري -رحمه الله تعالى-: "إن من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثقَ منك بما في يد الله -عز وجل-".

 

2- بالقناعة يتحقق الشكر: فمن قنع برزقه شكر الله -تعالى- عليه، ومن احتقر رزقه قصَّر في شكر ربه -سبحانه-، وربما جزع وتسخط -والعياذ بالله- ولذا قال النبي -صلى الله عليه وسلمَ-: "كن ورعا تكن أعبد الناس، وكن قنعًا تكن أشكر الناس" (أخرجه ابن ماجة في سننه من حديث أبي هريرة).

 

3- القناعة سبيل إلى الحياة الطيبة: فيا من تريد الحياة الطيبة الهادئة المطمئنة؛ عليك بالقناعة، فإن الحياة الطيبة في القناعة، قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل: 97]، وقد ورد عن علي وابن عباس والحسن -رضي الله عنهم- أنهم قالوا: "الحياة الطيبة هي القناعة"، وفي هذا المعنى قال ابن الجوزي -رحمه الله تعالى-: "من قنع طاب عيشه، ومن طمع طال طيشه".

 

في القناعة حياة طيبة؛ لأنها تريح الإنسان من تعب الركض وراء الدنيا وزينتها، وتريح النفس من الهم والحزن والجزع على ما فاته منها؛ لأنه يعلم يقينا أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وقد قال ربنا -سبحانه-: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) [الحديد: 22 - 23].

 

الجوع يطرد بالرغيف اليابس *** فعلام تكثر حسرتي ووساوسي

 

وفي القناعة حياة طيبة؛ لأنها تطهّر القلبَ وتريحه من كثير من الأمراض التي تصيبه بسبب التنافس على الدنيا والتنازع عليها، كالحسد، والحقد، والكراهية والبغضاء؛ كما أنها وقاية للعبد من كثير من الذنوب والمعاصي التي تفتك بالمجتمع وتقوض بنيانه وتمزق وحدته؛ كالغيبة، والنميمة، والكذب، وشهادة الزور، والقتل، والسرقة وغيرها من الخصال الذميمة والآثام العظيمة التي غالبا ما يكون الحامل على الوقوع فيها حب الدنيا واستجلابها والحرص عليها، قال بعض الحكماء: "وجدت أطول الناس غما الحسود، وأهنأهم عيشًا القنوع".

 

أرفه ببال فتى أمسى على ثقة *** أن الذي قسم الأرزاق يرزقه

فالعرض منه مصون لا يدنسه *** والوجه منه جديد ليس يخلقه

إن القناعة من يحلل بساحتها *** لم يلق في دهره شيئا يؤرقه

 

4- في القناعة شفاء من داء الطمع والتسوّل: فلقد كان النبي -صلى الله عليه وسلمَ- يُعَلم صحابته القناعة والتعفف عن السؤال، يعلمهم إذا سألوا أن يسألوا الله، وإذا استعانوا أن يستعينوا بالله، يعلمهم أن لا يلجؤوا بالسؤال والطلب إلا إلى خالقهم ورازقهم -سبحانه-؛ فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كنت خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- يوما، فقال: "يا غلام إني أعلمك كلمات؛ احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف" (أخرجه الترمذي وقال: "هذا حديث حسن صحيح").

 

وفي الصحيحين عن حَكيم بن حزام -رضي الله عنه- قال: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني، ثم قال: "يا حَكيم، إن هذا المال خَضِرَة حُلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يُبارَك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى"، قال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر -رضي الله عنه- يدعو حكيما إلى العطاء، فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر -رضي الله عنه- دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئا، فقال عمر: إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم، أني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيم أحدا من الناس بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- حتى توفي"، "خَضِرة حُلوة" شبهه بالرغبة فيه والميل إليه وحرص النفوس عليه بالفاكهة الخضراء المستلذة فإن الأخضر مرغوب فيه بالمقارنة مع اليابس، والحلو مرغوب فيه بالمقارنة مع الحامض، "بسخاوة نفس" أي بغير شرَه ولا إلحاح في السؤال "بإشراف نفس" أي بطمع أو حرص أو تطلع.

 

وفي صحيح مسلم عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- أسأله فيها، فقال: "أقِم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها" قال: ثم قال: "يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك. ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش -أو قال سدادا من عيش-. ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه؛ لقد أصابت فلانا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش -أو قال سدادا من عيش-، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا"، "الحَمَالَةُ" بفتح الحاءِ: أنْ يَقَعَ قِتَالٌ وَنَحْوُهُ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ، فَيُصْلِحُ إنْسَانٌ بَيْنَهُمْ عَلَى مَالٍ يَتَحَمَّلُهُ وَيَلْتَزِمُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَ "الجَائحةُ" الآفَةُ تُصيبُ مَالَ الإنْسَانِ، وَ "القوَامُ" بكسر القاف وفتحهَا: هُوَ مَا يَقُومُ بِهِ أمْرُ الإنسَان مِنْ مَال ونحوِهِ، وَ "السّدَادُ" بكسر السين، مَا يَسُدُّ حَاجَةَ الْمَعْوِزِ وَيَكْفِيهِ، وَ "الفَاقَةُ" الفَقْرُ، وَ "الحِجَا" العَقْلُ.

 

فيا من يطلب من الناس أموالهم ليُكثِر ماله: اعلم أن ما تأخذه من أموال الناس جمرٌ ستذوق حرارته في الآخرة إن لم تتب إلى ربك سبحانه؛ ففي صحيح مسلم عن أبى هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-: "من سأل الناس أموالهم تكثرا، فإنما يسأل جمرا، فليستقل أو ليستكثر".

 

ونقل الصخر من تلك الجبال *** أخف علي من منن الرجال

يقول الناس كسب فيه عار *** فقلت العار في ذل السؤال

 

5- القناعة طريق إلى الفلاح والسعادة في الدارين؛ فقد أخرج الإمام أحمد الترمذي وابن حبان والحاكم وصححه عن فضالة بن عبيد: أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- يقول: "طوبى لمن هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافا وقنع"، وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- قال: "قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه"، وأخرج أبو داود في سننه عن ثوبان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-: "من يكفل لي أن لا يسأل الناس شيئا، وأتكفل له بالجنة؟"، فقال ثوبان: أنا، فكان لا يسأل أحدا شيئا.

 

هي القناعة لا تبغي بها بدلا *** فيها النعيم وفيها راحة البدن

انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها *** هل راح منها بغير القطن والكفن

 

6- حقيقة الغنى في القناعة: وقد بين النبي -عليه الصلاة والسلام- أن حقيقة الغنى غنى النفس، فقال صلى الله عليه وسلمَ: "ليس الغِنَى عن كثرة العرَض، ولكن الغِنى غِنى النفس" (متفق عليه من حديث أبي هريرة) أي أن الغنى الحقيقي الذي يملأ نفس الإنسان ويكفه عن حاجة غيره، ليس هو كثرة العرض، أي حطام الدنيا ومتاعها. وإنما حقيقة الغِنى أن تكون نفس العبد هادئة مطمئنة قانعة راضية، حتى ولو كان صاحبها لا يملك من حطام الدنيا شيئا.

 

وعن أبي ذر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-: "يا أبا ذر أترى كثرة المال هو الغنى؟" قلت: نعم يا رسول الله، قال: "فترى قلة المال هو الفقر؟" قلت: نعم يا رسول الله، قال: "إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب" ثم سألني عن رجل من قريش، فقال: "هل تعرف فلانا"؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: "فكيف تَراه وتُراه؟" قلت: إذا سأل أعطي، وإذا حضر أدخل، ثم سألني عن رجل من أهل الصفة، فقال: "هل تعرف فلانا؟" قلت: لا والله ما أعرفه يا رسول الله، قال: "فما زال يحليه وينعته حتى عرفته"، فقلت: قد عرفته يا رسول الله، قال: "فكيف تراه أو تراه؟" قلت: رجل مسكين من أهل الصفة، فقال: "هو خير مِنْ طِلَاعِ الْأَرْضِ مِنَ الْآخَرِ"، قلت: يا رسول الله، أفلا يُعطى من بعض ما يُعطى الآخر؟، فقال: "إذا أعطي خيرا فهو أهله، وإن صُرف عنه فقد أعطي حَسنة" (أخرجه ابن حبان والنسائي والحاكم وصححه).

 

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-: "من يأخذ عني هؤلاء الكلمات، فيعْمَل بهن، أو يُعَلم مَن يعمَل بهن"؟ فقال أبو هريرة: فقلت: أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي فعدّ خمسا، وقال: "اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما، ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب" (أخرجه الإمام أحمد والترمذي والطبراني، وحسنه الألباني).

 

وتلك حقيقة لا مرية فيها؛ فكم من غني عنده من المال ما يكفيه وولدَه، ولو عُمِّر ألف سنة؛ يخاطر بدينه وصحته، ويضحي بوقته يريد المزيد، لا يجد طعما للراحة ولا لذة للنوم! وكم من فقير يرى أنه أغنى الناس؛ وهو لا يجد قوت غدِه! فالسرّ في القلوب: رضًا وجزعًا، واتساعًا وضيقًا، وليس في الفقر والغنى، قال سعد بن أبي وقاص لابنه: "يا بني إذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة، فإنها مال لا ينفد؛ وإياك والطمع فإنه فقر حاضر"، ولما قيل لأبي حازم -رحمه الله-: "ما مالُك؟" قال: "لي مالان لا أخشى معهما الفقر: الثقة بالله، واليأس مما في أيدي الناس".

 

7- العز في القناعة، والذل في الطمع: فصاحب القناعة عزيز بين الناس، لاستغنائه عنهم، لعدم طمعه فيما في أيديهم، بينما الطماع يُذِل نفسه من أجل المزيد؛ ولذا جاء في حديث سهل بن سعد -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أتاني جبريل فقال: يا محمد، عش ما شئتَ فإنكَ ميّت، وأحبِب مَن أحببت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزّهُ استغناؤه عن الناس" (رواه الحاكم وصححه، والطبراني والبيهقي، وصححه الألباني).

 

صاحب القناعة لا يذل نفسه إلا لله، ولا يعلق قلبه إلا بالله، ولا يطمع إلا فيما عند الله، روى البخاري في صحيحه عن الزبير بن العوام -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلمَ- قال: "لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة الحطب على ظهره، فيبيعها، فيكفّ الله بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه".

 

كان محمد بن واسع -رحمه اللّه تعالى- يَبُلّ الخبز اليابس بالماء ويأكله، ويقول: "من قنع بهذا لم يحتج إلى أحد".

 

صاحب القناعة محبوب عند الله وعند الناس: فعن سهل بن سعد الساعدي قال: أتى النبيَّ -صلى الله عليه وسلمَ- رجلٌ فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس؟ فقال: رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبوك" (أخرجه الحاكم وابن ماجة والطبراني، وصححه الألباني)، قال الحسن -رحمه الله تعالى-: "لا تزال كريمًا على الناس، ولا يزال الناس يُكرِمونك ما لم تَعَاطَ ما في أيديهم، فإذا فعلت ذلك استخفّوا بك وكرهوا حديثك وأبغضوك"، قال أعرابي لأهل البصرة: "من سيد أهل هذه القرية؟" قالوا: "الحسن"، قال: "بم سادهم؟" قالوا: "احتاج الناس إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم".

 

واقنَعْ تَجدْ غُنْيَةً عن كل مَسْألَةٍ *** فَفِي القَنَاعَةِ عِزٌّ غَيْرُ مُرْتَحِلِ

واطْلُبْ مِنَ الله واتْرُكْ مَنْ سِوَاهُ تَجدْ *** مَا تَبْتَغِيهِ بِلا مَنٍّ وَلاَ بَدَلِ

 

فاتقوا الله -عباد الله- واعلموا أن الرزق مقسومٌ، ولن يعدو المرء ما قسم له، فأجملوا في الطلب، فإن في القُنوع سعةً وبلغةً، وكفاية وراحة، وما ترونه من متاع الدنيا ذاهبٌ وزائل، وما مضى كأن لم يكن، وكل ما هو آتٍ قريبٌ: (وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) [البقرة: 281].

 

أسأل الله -تعالى- أن يرزقنا القناعة بما رزقنا، وأن يجعل حسابنا يسيرا، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا ونياتنا، إنه سميع مجيب. والحمد للّه رب العالمين.

 

المرفقات

حقيقتها ومكانتها ووسائلها

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات