الفحص الطبي للزوجين

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2020-11-30 - 1442/04/15 2021-02-02 - 1442/06/20
عناصر الخطبة
1/بعض الخلافات الزوجية قد تكون نتيجة لأسباب صحية 2/تعريف الفحص الطبي قبل الزواج وأهميته 3/منافع هذا الفحص وأضراره 4/الحكم الشرعي لفحص ما قبل الزواج 5/حرمة إفشاء نتائج الفحص 6/نصيحة بتزويج أهل الصلاح.

اقتباس

بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الزَّوَاجِ، فَلَا حَرَجَ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْفَحْصِ؛ لِمَا يُحَقِّقُهُ مِنْ مَصَالِحَ فِي اسْتِقْرَارِ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ، وَإِدَامَةِ الْعِشْرَةِ وَالْمَوَدَّةِ، وَإِيجَابُهُ عَلَى الْمُقْبِلِ عَلَى الزَّوَاجِ مَوْكُولٌ إِلَى نَظَرِ وَلِيِّ الْأَمْرِ، وَتَصَرُّفَاتُ الْإِمَامِ فِي الرَّعِيَّةِ مَنُوطَةٌ بِالْمَصْلَحَةِ؛ فَإِنْ أَوْجَبَهُ وَأَلْزَمَ بِهِ، وَسَنَّ لَهُ قَانُونًا؛ فَيَنْبَغِي الِامْتِثَالُ لَهُ...

الخطبة الأولى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النِّسَاءِ: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 70-71]. أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: الْحَيَاةُ الزَّوْجِيَّةُ لَا تَخْلُو مِنْ مُشْكِلَاتٍ أَحْيَانًا، وَالْخِلَافَاتُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مُتَعَدِّدَةُ الْأَسْبَابِ؛ مِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى مُشْكِلَاتٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ، أَوْ لِلضُّغُوطِ وَالظُّرُوفِ الِاقْتِصَادِيَّةِ، وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى مُشْكِلَاتٍ صِحِّيَّةٍ يُعَانِي مِنْهَا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ، وَقَدْ تَكُونُ هَذِهِ الْمُشْكِلَةُ الصِّحِّيَّةُ مَوْجُودَةً قَبْلَ الزَّوَاجِ، فَيَكْتَشِفُهَا الشَّرِيكُ الْآخَرُ بَعْدَ زَوَاجِهِ؛ فَيَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ سُوءُ التَّفَاهُمِ، وَقَدْ يَتَطَوَّرُ الْخِلَافُ إِلَى الطَّلَاقِ!.

 

وَفِيمَا مَضَى مِنَ الزَّمَانِ لَمْ يَكُنْ مَقْدُورًا اكْتِشَافُ مِثْلِ هَذِهِ الْأَمْرَاضِ قَبْلَ إِتْمَامِ الزَّوَاجِ، وَأَمَّا فِي زَمَانِنَا هَذَا، وَمَعَ تَطَوُّرِ الطِّبِّ؛ فَقَدْ أَمْكَنَ -بِسُهُولَةٍ- اكْتِشَافُ بَعْضِ الْأَمْرَاضِ الْوِرَاثِيَّةِ الْكَامِنَةِ، وَالَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تَظْهَرَ فِي الْأَبْنَاءِ مُسْتَقْبَلًا؛ وَكَذَلِكَ الْقُدْرَةُ عَلَى مَعْرِفَةِ خُصُوبَةِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَإِمْكَانِيَّةِ الْإِنْجَابِ مِنْ عَدَمِهِ، وَهَذَا التَّطَوُّرُ الطِّبِّيُّ أَدَّى إِلَى ظُهُورِ مَا يُسَمَّى "الْفَحْصَ الطِّبِّيَّ قَبْلَ الزَّوَاجِ"؛ لِمَعْرِفَةِ مُلَاءَمَةِ الزَّوْجَيْنِ لِبَعْضِهِمَا، وَخُلُوِّهِمَا مِنَ الْأَمْرَاضِ الَّتِي قَدْ تُؤَثِّرُ عَلَى الْعَلَاقَةِ بَيْنَهُمَا مُسْتَقْبَلًا.

 

فَالْفَحْصُ الطِّبِّيُّ قَبْلَ الزَّوَاجِ: هُوَ إِجْرَاءُ فُحُوصَاتٍ وَتَحَالِيلَ طِبِّيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ لِلتَّأَكُّدِ مِنْ خُلُوِّ الْمُقْبِلِينَ عَلَى الزَّوَاجِ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْوِرَاثِيَّةِ الْكَامِنَةِ وَغَيْرِ الْوِرَاثِيَّةِ، الَّتِي مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى الْأَبْنَاءِ، أَوْ حَتَّى إِلَى أَحَدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ عَنْ طَرِيقِ الْآخَرِ، أَوْ لِلتَّأَكُّدِ مِنْ قُدْرَتِهِمَا عَلَى الْإِنْجَابِ.

 

وَانْتِقَالُ الْأَمْرَاضِ وِرَاثِيًّا إِلَى الْأَبْنَاءِ، أَوِ انْتِقَالُ بَعْضِ الصِّفَاتِ الَّتِي تُوجَدُ فِي الْأَجْدَادِ إِلَى الْأَحْفَادِ ثَابِتٌ شَرْعًا، فَفِي الْحَدِيثِ: "أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، فَقَالَ: "هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ" قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "مَا أَلْوَانُهَا" قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: "هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟" قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَأَنَّى كَانَ ذَلِكَ؟" قَالَ: أُرَاهُ عِرْقٌ نَزَعَهُ، قَالَ: "فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ"؛ وَمَعْنَى نَزَعَهُ: أَشْبَهَهُ وَاجْتَذَبَهُ إِلَيْهِ، وَأَظْهَرَ لَوْنَهُ عَلَيْهِ، وَالْعِرْقُ: الْأَصْلُ مِنْ أَسْلَافِهِ، وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّهُ: "قَدِمَ نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي عِجْلٍ؛ فَأَخْبَرْنَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ جَدَّةٌ سَوْدَاءُ!"(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ الْفَحْصَ الطِّبِّيَّ قَبْلَ الزَّوَاجِ أَمْرٌ جَدِيدٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ لَهُ مَنَافِعَهُ، وَلَهُ أَضْرَارُهُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَيْهِ؛ فَمِنْ مَنَافِعِهِ:

مَعْرِفَةُ الْأَمْرَاضِ الْوِرَاثِيَّةِ الَّتِي قَدْ تَنْتَقِلُ إِلَى ذُرِّيَّةِ الزَّوْجَيْنِ؛ بِسَبَبِ اسْتِعْدَادِهِمَا الْجِينِيِّ لِظُهُورِ هَذِهِ الْأَمْرَاضِ.

 

وَمِنْهَا: الْوِقَايَةُ مِنَ انْتِقَالِ الْأَمْرَاضِ الْجِنْسِيَّةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَكَمْ حَدَثَتْ مِنْ مَآسٍ؛ بِسَبَبِ الزَّوَاجِ مِنْ حَامِلٍ لِلْإِيدْزِ، لَمْ تَكْتَشِفْهُ الْأُسْرَةُ إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِ الْمُصِيبَةِ، فَتَصَوَّرْ حَالَ امْرَأَةٍ عَفِيفَةٍ تَتَزَوَّجُ مِنْ حَامِلِ مَرَضِ الْإِيدْزِ وَهِيَ لَا تَعْرِفُ عَنْ سِرِّهِ شَيْئًا، ثُمَّ تَجِدُ الْمِسْكِينَةُ نَفْسَهَا مُصَابَةً بِالْمَرَضِ!؛ قَدْ نَقَلَهُ إِلَيْهَا زَوْجُهَا!، وَمَا يُقَالُ عَنِ الْمَرْأَةِ يُقَالُ عَنِ الرَّجُلِ أَيْضًا، لَوْ غُشَّ بِامْرَأَةٍ حَامِلَةٍ لِلْمَرَضِ دُونَ أَنْ يَدْرِيَ!، وَهَذِهِ الْأَمْرَاضُ مُنْتَشِرَةٌ فِي زَمَانِنَا بِكَثْرَةٍ؛ نَتِيجَةَ الْعَلَاقَاتِ الْجِنْسِيَّةِ الْمُحَرَّمَةِ، وَالسَّفَرِ لِبَلَدِ الْكُفَّارِ.

 

وَمِنْ مَنَافِعِ الْفَحْصِ الطِّبِّيِّ: مَعْرِفَةُ الْأَمْرَاضِ الْكَامِنَةِ، الَّتِي قَدْ تُؤَثِّرُ عَلَى الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ؛ كَالْعُقْمِ، وَكَالْأَمْرَاضِ الَّتِي تُؤَثِّرُ عَلَى الْجَنِينِ فَتُسْقِطُهُ، أَوْ تُصِيبُهُ بِعَاهَةٍ مُزْمِنَةٍ؛ كَمَا هُوَ مُتَعَارَفٌ عَلَيْهِ طِبِّيًّا، وَفِي الْوَاقِعِ مَا يَشْهَدُ لَهُ وَيُثْبِتُهُ، وَطَلَبُ الذُّرِّيَّةِ مِنْ مَقَاصِدِ الزَّوَاجِ؛ لِقَوْلِهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: "تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ"(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ).

 

وَمِنْ مَنَافِعِهِ: الْمُحَافَظَةُ عَلَى اسْتِمْرَارِيَّةِ الزَّوَاجِ وَدَيْمُومَتِهِ، وَهَذَا مِنْ مَقَاصِدِ الزَّوَاجِ؛ (لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)[الرُّومِ: 21]؛ فَبَعْضُ الْخِلَافَاتِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ قَدْ تَنْشَأُ لِأَسْبَابٍ صِحِّيَّةٍ؛ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ.

 

وَمِنْهَا: اطْمِئْنَانُ الْأُسْرَةِ عَلَى ابْنَتِهِمْ، وَذَلِكَ بِالتَّأَكُّدِ مِنْ خُلُوِّ الزَّوْجِ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْجِنْسِيَّةِ الْخَطِيرَةِ، وَكَذَلِكَ اطْمِئْنَانُ الرَّجُلِ؛ فَكُلٌّ يَطْلُبُ السَّلَامَةَ مِنْ هَذِهِ الْأَمْرَاضِ، وَالْوِقَايَةُ خَيْرٌ مِنَ الْعِلَاجِ!.

 

أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ: وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ مَنَافِعَ الْفَحْصِ الطِّبِّيِّ قَبْلَ الزَّوَاجِ، فَإِنَّ لَهُ أَضْرَارًا؛ مِنْهَا:

الْآثَارُ النَّفْسِيَّةُ لِمَنْ يَكْتَشِفُ أَنَّ عِنْدَهُ أَمْرَاضًا وِرَاثِيَّةً؛ قَدْ تُؤَثِّرُ عَلَى حَيَاتِهِ الزَّوْجِيَّةِ؛ كَالْعُقْمِ مَثَلًا، فَقَدْ يُصَابُ الْإِنْسَانُ بِالِاكْتِئَابِ أَوِ الْوَسْوَسَةِ أَوِ الْمَرَضِ النَّفْسِيِّ، وَقَدْ كَانَ فِي رَاحَةٍ مِنْهَا قَبْلَ هَذَا الْكَشْفِ؛ وَالْوَاقِعُ يُثْبِتُ أَنَّ الزَّوْجَ حِينَ يَكْتَشِفُ مَرَضَهُ بَعْدَ زَوَاجِهِ يَسْعَى لِلْعِلَاجِ، وَيَسْتَسْلِمُ لِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ!.

 

وَمِنْ أَضْرَارِهِ: إِصَابَةُ الْإِنْسَانِ بِالْيَأْسِ وَالْقُنُوطِ، وَرُبَّمَا أَثْنَاهُ ذَلِكَ عَنْ فِكْرَةِ الزَّوَاجِ تَمَامًا؛ خَشْيَةَ كَشْفِ مَا عِنْدَهُ مِنْ مَرَضٍ؛ فَيَرُدُّهُ النَّاسُ وَلَا يَقْبَلُونَ مُصَاهَرَتَهُ، وَقَدْ يَلْجَأُ إِلَى الزِّنَا، وَفِي هَذَا خَطَرٌ عَلَى الْمُجْتَمَعِ.

 

وَمِنْ أَضْرَارِهِ: أَنَّ هَذَا الْفَحْصَ فِيهِ تَعَدٍّ عَلَى خُصُوصِيَّةِ الْإِنْسَانِ الَّتِي لَا يُحِبُّ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهَا أَحَدٌ، وَقَدْ يَتَضَرَّرُ بِاطِّلَاعِ النَّاسِ عَلَيْهَا بِصُورَةٍ أَوْ بِأُخْرَى.

 

وَبَعْدَ عَرْضِ إِيجَابِيَّاتِ الْفَحْصِ الطِّبِّيِّ قَبْلَ الزَّوَاجِ وَسَلْبِيَّاتِهِ، تَظْهَرُ غَلَبَةُ فَوَائِدِ الْفَحْصِ عَلَى مَسَاوِئِهِ، وَأَنَّ الضَّرُورَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى إِجْرَائِهِ، بَلْ إِصْدَارِ نِظَامٍ يُلْزِمُ بِهِ قَبْلَ الزَّوَاجِ، وَيُرَتِّبُ عُقُوبَةً عَلَى مَنْ يُحَاوِلُ مُخَالَفَتَهُ وَالتَّلَاعُبَ بِهِ مِنْ بَابِ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَسَدًّا لِذَرَائِعِ الْفَسَادِ النَّاشِئِ عَنِ الْأَمْرَاضِ. وَيَجُوزُ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ إِصْدَارُ نِظَامٍ مُلْزِمٍ بِإِجْرَاءِ الْفَحْصِ الطِّبِّيِّ؛ بِحَيْثُ لَا يَتِمُّ الزَّوَاجُ إِلَّا بَعْدَ إِعْطَاءِ شَهَادَةٍ تُثْبِتُ لِيَاقَتَهُ الطِّبِّيَّةَ. وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَرَأَوْا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَتَعَارَضُ مَعَ الثِّقَةِ بِاللَّهِ؛ لِأَنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ، كَمَا أَنَّ الْأَخْذَ بِالْفَحْصِ فِيهِ حِفْظٌ لِلنَّفْسِ وَالنَّسْلِ وَهُمَا مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ الْخَمْسِ، وَبِالْإِمْكَانِ تَحَاشِي السَّلْبِيَّاتِ، وَالتَّغَلُّبُ عَلَى مَسَاوِئِ الْفَحْصِ، إِذَا مَا قُوبِلَتْ بِالْمَصَالِحِ الْمُحَقَّقَةِ.

 

وَكَذَلِكَ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الزَّوَاجِ، فَلَا حَرَجَ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْفَحْصِ؛ لِمَا يُحَقِّقُهُ مِنْ مَصَالِحَ فِي اسْتِقْرَارِ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ، وَإِدَامَةِ الْعِشْرَةِ وَالْمَوَدَّةِ، وَإِيجَابُهُ عَلَى الْمُقْبِلِ عَلَى الزَّوَاجِ مَوْكُولٌ إِلَى نَظَرِ وَلِيِّ الْأَمْرِ، وَتَصَرُّفَاتُ الْإِمَامِ فِي الرَّعِيَّةِ مَنُوطَةٌ بِالْمَصْلَحَةِ؛ فَإِنْ أَوْجَبَهُ وَأَلْزَمَ بِهِ، وَسَنَّ لَهُ قَانُونًا؛ فَيَنْبَغِي الِامْتِثَالُ لَهُ؛ كَغَيْرِهِ مِنَ الْقَوَانِينِ الْمُنَظِّمَةِ لِحَيَاةِ النَّاسِ؛ إِذْ لَا مَانِعَ مِنْهُ شَرْعًا، وَاللَّهُ -تَعَالَى- يَقُولُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)[النِّسَاءِ: 59].

 

أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، أَمَّا بَعْدُ:

 

عِبَادَ اللَّهِ: تَمَيَّزَتِ الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْعُصُورِ السَّابِقَةِ بِالْوُضُوحِ وَالْمُكَاشَفَةِ، وَالصِّدْقِ وَالْمُصَارَحَةِ؛ لِذَلِكَ كَانُوا يُفْصِحُونَ عَنْ مَعَايِبِهِمْ وَأَمْرَاضِهِمْ -إِنْ وُجِدَتْ- عِنْدَ الرَّغْبَةِ فِي النِّكَاحِ، وَمَا كَانُوا فِي حَاجَةٍ إِلَى إِجْرَاءِ فُحُوصَاتِ مَا قَبْلَ الزَّوَاجِ. أَمَّا فِي عُصُورِنَا الْمُتَأَخِّرَةِ، وَمَا طَرَأَ عَلَيْهَا مِنْ ضَعْفِ الْأَمَانَةِ وَقِلَّةِ الصِّدْقِ؛ وَنَتِيجَةً لِكَثْرَةِ الْأَمْرَاضِ وَانْتِشَارِهَا، وَتَعَقُّدِ الْحَيَاةِ وَتَشَعُّبِهَا، وَاسْتِثْمَارًا لِتَقَدُّمِ الْعُلُومِ الطِّبِّيَّةِ، فَقَدْ دَعَا ذَلِكَ عَدِيدًا مِنَ الْبُلْدَانِ إِلَى اسْتِحْدَاثِ نِظَامِ الْفَحْصِ الطِّبِّيِّ قَبْلَ الزَّوَاجِ؛ لِلتَّأَكُّدِ مِنْ سَلَامَةِ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْوِرَاثِيَّةِ أَوِ الْمُعْدِيَةِ الْمُؤَثِّرَةِ عَلَيْهِمَا وَعَلَى الذُّرِّيَّةِ.

 

وَقَدْ تَكَلَّمَ أَهْلُ الْعِلْمِ قَدِيمًا فِي مَا يَفْسَخُ عَقْدَ النِّكَاحِ، وَمِمَّا ذَكَرُوا أَمْرَاضٌ يَجُوزُ بِمُوجِبِهَا أَنْ يُطَالَبَ بِفَسْخِ الزَّوَاجِ، وَبَيَّنُوا أَنَّ هَذَا مِنَ الْعَيْبِ الَّذِي يُعْطِي الْخِيَارَ لِلزَّوْجَيْنِ بِإِمْضَاءِ النِّكَاحِ أَوْ فَسْخِهِ، إِذَا كَانَ الْآخَرُ مُصَابًا بِأَحَدِهَا، وَخَاصَّةً الزَّوْجَةَ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ بِيَدِهِ الْقُدْرَةُ عَلَى الطَّلَاقِ، فَمِنْ هَذِهِ الْأَمْرَاضِ الْجُنُونُ وَالْجُذَامُ وَالْبَرَصُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: "الْجُذَامُ وَالْبَرَصُ فِيمَا يَزْعُمُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالطِّبِّ وَالتَّجَارِبِ تُعْدِي الزَّوْجَ كَثِيرًا، وَهُوَ دَاءٌ مَانِعٌ لِلْجِمَاعِ، لَا تَكَادُ نَفْسُ أَحَدٍ أَنْ تَطِيبَ بِأَنْ يُجَامِعَ مَنْ هُوَ بِهِ، وَلَا نَفْسُ امْرَأَةٍ أَنْ يُجَامِعَهَا مَنْ هُوَ بِهِ".

 

وَمِنْ هَذِهِ الْأَمْرَاضِ: عُيُوبُ التَّنَاسُلِ؛ مِثْلَ: "دَاءِ الْفَرْجِ الَّذِي يَمْنَعُ الْوَطْءَ؛ إِمَّا قَرْنٌ أَوْ رَتْقٌ فِي الْمَرْأَةِ، أَوْ عُنَّةٌ فِي الرَّجُلِ، أَوْ خِصَاءٌ"، وَذَهَبَ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ إِلَى أَنَّ كُلَّ عَيْبٍ يَمْنَعُ مِنْ أَدَاءِ مَقَاصِدِ الزَّوَاجِ؛ مِنَ الْمُتْعَةِ، وَالْخِدْمَةِ، فَهُوَ عَيْبٌ يُفْسَخُ بِهِ عَقْدُ النِّكَاحِ، قَالَ: "وَالصَّوَابُ أَنَّ الْعَيْبَ كُلُّ مَا يَفُوتُ بِهِ مَقْصُودُ النِّكَاحِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مِنْ أَهَمِّ مَقَاصِدِ النِّكَاحِ الْمُتْعَةَ وَالْخِدْمَةَ وَالْإِنْجَابَ، فَإِذَا وُجِدَ مَا يَمْنَعُهَا فَهُوَ عَيْبٌ".

 

وَإِذَا اشْتَرَطَ أَوْلِيَاءُ الزَّوْجَةِ الْفَحْصَ عَلَى الزَّوْجِ وَقَبِلَ؛ فَيَنْبَغِي الْوَفَاءُ بِهِ، قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: "الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ"(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)، وَلِقَوْلِهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: "أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ"(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).

 

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ مِمَّا يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ لَهُ أَنَّ نَتَائِجَ هَذِهِ الْفُحُوصَاتِ مِنَ الْأَسْرَارِ الْخَاصَّةِ، فَلَا يَنْبَغِي إِشَاعَتُهَا وَنَشْرُهَا، سَوَاءٌ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ أَوِ الْأَطِبَّاءِ، فَهِيَ مِنَ الْأَمَانَةِ الَّتِي حَذَّرَ اللَّهُ مِنْ خِيَانَتِهَا؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)[الْأَنْفَالِ:27]، قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: "لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ"(رَوَاهُ أَحْمَدُ، صَحِيحِ التَّرْغِيبِ)، قَالَ الْكَفَوِيُّ: "أَوْكَدُ الْوَدَائِعِ كَتْمُ الْأَسْرَارِ"، وَلْنَعْلَمْ أَنَّ إِعْلَانَ مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاضِيعِ الْخَاصَّةِ فِيهِ إِيذَاءٌ لِصَاحِبِهَا، وَاللَّهُ يَقُولُ: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا)[الْأَحْزَابِ: 58]، فَلْنَتَّقِ اللَّهَ -تَعَالَى- فِي أُمُورِنَا، وَلْنَزِنْ أَفْعَالَنَا بِمِقْيَاسِ الشَّرْعِ.

 

وَلْنَعْلَمْ أَنَّ الرَّاحَةَ لَنَا وَلِبَنَاتِنَا وَأَبْنَائِنَا أَنْ نُزَوِّجَهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ؛ فَقَدْ حَثَّنَا نَبِيُّنَا عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا؛ فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ"(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وَقَالَ: "إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ؛ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ"(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).

 

وَفِي تَطْبِيقِ أَوَامِرِ شَرْعِنَا أَمَانُنَا وَفَلَاحُنَا؛ وَإِلَّا فَمَا الَّذِي يَمْنَعُ أَنْ نُزَوِّجَ ابْنَتَنَا مِنْ رِجْلٍ ظَهَرَتْ فُحُوصَاتُهُ سَالِمَةً مِنْ كُلِّ مَرَضٍ، لَكِنَّهُ سَيِّئُ الْخُلُقِ، ضَعِيفُ الدِّينِ، مَائِلٌ إِلَى شَهَوَاتِهِ؛ فَرُبَّمَا ابْتُلِيَ بِالْأَمْرَاضِ الْجِنْسِيَّةِ بَعْدَ زَوَاجِهِ؛ فَنَقَلَهَا إِلَى زَوْجَتِهِ!.

 

أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ: إِنَّ الظَّفَرَ بِصَاحِبِ الدِّينِ وَذَاتِ الدِّينِ هُوَ الضَّمَانُ وَالِاطْمِئْنَانُ، وَصَدَقَ اللَّهُ حِينَ قَالَ: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)[النُّورِ: 26].

 

صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56].

المرفقات

الفحص الطبي للزوجين.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات