الغلو خطر على الأفراد والمجتمعات

صالح بن عبد الرحمن الخضيري

2015-04-26 - 1436/07/07
عناصر الخطبة
1/ العقل نعمة عظيمة 2/ إغواء الإنسان بين التفريط والتساهل والغلو والتشدد 3/ النهي عن الغلو في القرآن والسنة 4/ أسباب الغلو في الدين 5/ الغلو له نتائج خطيرة وآثار سيئة 6/ من آثار الغلو السيئة.

اقتباس

الغلو هو أول خطوات الانحراف عن الدين القويم والوقوع في الشرك العظيم كما حدث لقوم نوح، وكما فعل اليهود في تأليه العزير، والنصارى في تأليه المسيح. وكما هو الواقع في حياة بعض المسلمين؛ حيث دبَّ فيهم هذا الوباء القاتل، وما زال في ازدياد حتى جهل كثير منهم معنى التوحيد والعبادة، فوقعوا في الشرك بسبب الغلو ومجاوزة الحد المشروع. قال ابن القيم: "ومن أسباب عبادة الأصنام الغلو في المخلوق وإعطائه فوق منزلته، حتى جعل فيه حظ من الألوهية، وشبّهوه بالله –سبحانه-، وهذا التشبيه الواقع في الأمم هو الذي أبطله الله –سبحانه- وبعث رسله وأنزل كتبه بإنكاره والرد على أهله"...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى عليه الله وملائكته والمؤمنون وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.

 

 أما بعد: أيها المسلمون: النظر في العواقب والتأمل في مآلات الأمور من صفات العقلاء، والعقل نعمة عظيمة أنعم الله بها على من يشاء من عباده، وإذا تم عقل المرء مع صحة إسلامه، رُزق الرشد، ووُفق للصواب ومزالق الهوى، والفتنة كثيرة متعددة، وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان؛ إما إلى تفريط وتساهل وإما إلى مجاوزة وإفراط.

 

ولا يبالي الشيطان بأيهما ظفر من العبد، ومصيبة الأمة من هذين الصنفين، وإذا عجز الشيطان عن إغواء الإنسان من باب التفريط والتساهل أتاه من طريق الغلو والتشدد.

 

ولهذا نهى الله -جل وعلا- عن الغلو في آيات متعددة ووجه الخطاب لأهل الكتاب وهو لهم ولغيرهم من هذه الأمة: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ) [المائدة:77].

 

فالغلو وإن كان يوجد عند اليهود فهو في النصارى أكثر في الاعتقادات والأعمال ولهذا خصهم القرآن بالتحرير من الغلو ونهيت هذه الأمة عن التشبه بهم.

 

ولقد نهى الناصح الأمين -صلى الله عليه وآله وسلم- أمته عن الغلو؛ لئلا يقعوا فيما وقع فيه الأمم قبلهم، فروى الإمام أحمد والنسائي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- غَدَاةَ جَمْعٍ: "هَلُمَّ الْقُطْ لِي الحصى" أي: حصى الجمار، فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ هُنْ حَصَى الْخَذْفِ، فَلَمَّا وَضَعَهُنَّ فِي يَدِهِ، قَالَ: "نَعَمْ، بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ".

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وهذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار، وهو داخل فيه مثل الرمي بالحجارة الكبيرة بناء على أنها أبلغ من الصغيرة.

 

ثم علله بما يقتضي مجانبة هديهم، أي هدي من كان قبلنا إبعادًا عن الوقوع فيما هلكوا فيه، وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه من الهلاك.

 

كما بيَّن -صلى الله عليه وسلم- مآل من غلا، وأنه يصير إلى الهلاك، فعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ. قَالَهَا ثَلَاثًا"، وكل من شدد على نفسه بما لم يرد في الشرع؛ فإن الله يشدد عليه، والجزاء من جنس العمل، سواء كان هذا في الاعتقاد أو في الجهاد، أو في أبواب الطهارة أو المعاملات، أو غيرها.

 

فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تشددوا على أنفسكم فيشدّد عليكم، فإن قومًا شددوا على أنفسكم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات، (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا) [الحديد: 27]".

 

أيها المسلمون: إن دين الله في الأرض والسماء واحد، وهو دين الإسلام، وهو بين الغلو والتقصير، وبين الأمن واليأس ولا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق والوسط إلا عجز وانقطع وظلم.

 

وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ".

 

أيها الإخوة: الغلو هو أول خطوات الانحراف عن الدين القويم والوقوع في الشرك العظيم كما حدث لقوم نوح، وكما فعل اليهود في تأليه العزير، والنصارى في تأليه المسيح.

 

وكما هو الواقع في حياة بعض المسلمين؛ حيث دبَّ فيهم هذا الوباء القاتل، وما زال في ازدياد حتى جهل كثير منهم معنى التوحيد والعبادة، فوقعوا في الشرك بسبب الغلو ومجاوزة الحد المشروع.

 

قال ابن القيم: "ومن أسباب عبادة الأصنام الغلو في المخلوق وإعطائه فوق منزلته، حتى جعل فيه حظ من الألوهية وشبّهوه بالله –سبحانه-، وهذا التشبيه الواقع في الأمم هو الذي أبطله الله –سبحانه- وبعث رسله وأنزل كتبه بإنكاره والرد على أهله.

 

ولقد حذّر النبي -صلى الله عليه وسلم- من الغلو في شخصه، فقال كما في الصحيح: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله".

 

فكيف بالغلو والإطراء لمن دونه من الناس، كما يفعله بعض أهل البدع والأهواء المضلة.

 

أيها المسلمون: احذروا أن تزيدوا في دين الله، أو تلبسوا دين الله ما ليس منه، أو تشددوا في الأحكام والاعتقادات مما يخالف الكتاب والسنة، فكل بدعة ضلالة وكل رأي أو فكر أو منهج يخالف القرآن والسنة فهو مردود على صاحبه بنص حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من أحدث من أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد"، وفي رواية "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" أي: مردود على صاحبه.

 

ولقد جاء ثلاثة نفر إلى بيوت النبي -صلى الله عليه وسلم- فسألوا عن عبادته، فلما أُخبروا كأنهم تقالوها، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل ولا أنام، وقال الآخر: أصوم الدهر فلا أفطر، وقال الثالث أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا.

 

فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي، وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".

 

أيها المسلمون: الغلو في دين الله يحصل من بعض الناس لأسباب منه كثيرة:

الانسياق وراء العاطفة المجردة والحماس غير المتزن، وعدم ضبط النفس والتحلي بالصبر والأناة.

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والفتنة إذا وقعت عجز العقلاء فيها عن دفع السفهاء فصار الأكابر -رضي الله عنهم- عاجزين عن إطفاء الفتنة وكف أهلها، وهذا شأن الفتن كما قال الله – سبحانه وتعالى – (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً) [الفرقان: 25]، وإذا وقعت الفتنة لم يسلم من التلوث بها إلا من عصمه الله".

 

السبب الثاني: ضعف العلم الشرعي أو تلقيه من غير أهله، فينشأ عن ذلك الأخذ بالمتشابه، وعدم رده إلى المحكم، والخطأ في فهم القرآن والسنة والعزلة عن أهل العلم.

 

أما الثالث: فهو شيوع الظلم ووجود المنكرات خاصة تلك التي ليس لها ما يبررها، ومهما يكن من أمر فالغلو في دين الله له نتائج خطيرة وآثار سيئة فهو مبعد لصاحبه عن الله -عز وجل- مسببًا تلبيس الشيطان لصاحبه، حتى إن الغالي في دين الله قد يفعل أفعالاً يظنها تقرّبه إلى الله وهي من موجبات سخط الله وعقابه.

 

ومن آثار الغلو السيئة: تكفير المسلمين واستحلال دمائهم، وتأمل في وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- للخوارج الذين هم أوائل الغلاة في دين الله حتى قال -عليه الصلاة والسلام- كما في صحيح البخاري ومسلم: "يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان"، فهم يرون أن من لم يوافقهم فهو خارج من الدين حلال الدم، وهذا شأن صاحب كل بدعة حتى قال أبو قلابة: "مَا ابْتَدَعَ رَجُلٌ بِدْعَةً قَطُّ إِلا اسْتَحَلَّ السَّيْفَ".

 

وطريقة أهل البدع يجمعون بين الجهل والظلم، فيبتدعون بدعة مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ويكفّرون من خالفهم في بدعتهم؛ كما قال ابن تيمية.

 

إن الحكم على الإنسان بالكفر أمر خطير له آثار عظيمة، ولهذا جاء الوعيد لمن كفَّر مسلمًا، وليس هو كذلك؛ ففي الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما"، وفي رواية "أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما".

 

إن أهل السنة والجماعة لا يكفّرون مرتكب المعصية ما لم يستحلها، والتكفير له شروط لا بد أن توجد ومواضع لا بد أن تنتفي، وإسلام المسلم يقين، واليقين لا يزول بالشك، والعبد موقوف بين يدي الله -عز وجل- ومسئول عن جميع ما فعل.

 

ثبتنا الله وإياكم على الإسلام والسنة ووفقنا لما يرضاه، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المؤمنين والمؤمنات من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد: فاتقوا الله يا عباد الله واستمسكوا بدينكم واحذروا القول على الله بغير علم وإتباع الهوى فهما يصدان العبد عن الهدى.

 

أيها المسلمون: الشيطان إن عجز عن إغواء الإنسان من باب التساهل وتضييع الفرائض جاءه من طريق الغلو والتشدد، قال ابن القيم: "من كيد الشيطان العجيب أنه يُشام النفس حتى يعلم أيّ القوتين تغلب عليها: قوة الإقدام والشجاعة، أم قوة الانكفاف والإحجام والمهانة، وقد اقتطع أكثر الناس إلا أقل القليل في هذين الواديين: وادي التقصير ووادي المجاوزة والتعدي، والقليل منهم جداً الثابت على الصراط الذي كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه" وهو الوسط.

 

عباد الله: أكثر ما يكون عليه أهل الغلو ومجاوزة الحد بعد الشرك: الاعتداء والظلم للناس إما بإخافتهم وترويعهم أو الإخلال بأمنهم أو بقتلهم وجرحهم، وقد قال الله -جل وعلا-: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) [الأحزاب:58]، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا يحل لمسلم أن يروّع مسلما".

 

وقال عليه الصلاة والسلام: "من أشار إلى أخيه بحديدة؛ فإن الملائكة تلعنه حتى وإن كان أخاه لأبيه وأمه".

 

وفي الصحيحين: "لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يديه فيقع في حفرة من النار".

 

وفيهما أول ما يُقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء، وفيهما أيضًا: "من حمل علينا السلاح فليس منا".

 

وفي سنن النسائي: "قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا"، وفي سنن ابن ماجة: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق".

 

فما أعظم الإقدام على ترويع المسلم؟! فكيف بقتله وسفك دمه وفي كتاب الله: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [النساء:93].

 

وإن من العدل والنصح أن نحذر من مسالك الغاليين وتأويل الجاهلين وترويع الآمنين وقتل المسلمين؛ كما فعل ذلك المنحرفون عن الصراط السوي، ومن ذلك اختطاف المسلم أو التهديد بقتله، فهذا ضلال وشر وظلم محرم.

 

وكل ما يُفعل في بلاد المسلمين من تفجير أو اختطاف أو معصية، أو إلحاد أو فسوق أو فجور أو أفكار منحرفة؛ فإنه شر وبلاء على أمة الإسلام؛ فإن الأمن والغذاء والدين والتوحيد من أعظم العون للإنسان على إقامة شرع الله وعبادة الله (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) [قريش:3- 4].

 

ألا فاتقوا الله عباد الله، وكونوا من أهل الإيمان والتقوى، واسلكوا مسالك الرشد واحذروا مسالك الغاليين، نسأل الله العظيم أن يعيذنا وإياكم من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يحفظ بلادنا من كل سوء وفتنة وشر، وأن يكبت من أرادها بسوء.

 

 اللهم احفظ علينا أمننا وإيماننا وأصلح من وليته أمرنا، واجعل ولايتنا وولاية المسلمين فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

 

اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد -صلى الله عليه وسلم- وعبادك الصالحين، اللهم انصر من نصر الدين واخذل من خذل المسلمين.

 

 

 

المرفقات

خطر على الأفراد والمجتمعات

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات