الغرور والأنانية

إبراهيم بن صالح العجلان

2011-07-07 - 1432/08/06
عناصر الخطبة
1/ ضرورة معالجة أدواء النفس البشرية 2/ أمراض الأنا المدمرة للفرد والمجتمع 3/ مواصفات مريض الأنا 4/ التطفل على الشريعة أسوأ صور الأنا 5/ نماذج من هضم السلف لأنفسهم

اقتباس

كلمة الأنا تخفي تحتها أمراضًا وأدواءً، من العُجب والاستعلاء، والأنانية والكبرياء. إنها كلمة تحمل في طياتها لغة الغرور، ونزعة التزاهي، ولهجة النكران، ومنطق الجحود. إنها الكلمة التي استخدمها إبليس في المحاججة والمعاندة فقال: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ). إنها الكلمة التي رددها فرعون وباهى بها، فقال: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)، وقـال: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ) ..

 

 

 

 

إخوة الإيمان: النفس البشرية تخفي تحتها أمراضًا داخلية، من آفات ودسائس، وشرور وخبائث؛ ولذا كان من الخير والفلاح للعبد أن يعالج هذه الأدواء، ومن الشـر والخيبـة أن يتركها تعشش على قلبه حتى تفسده وتهلكه.

وفي محكم التنزيل يقول سبحانه عن هذه النفس: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) [الشمس: 9، 10]، ونبي الهدى -صلى الله عليه وسلم- كثيرًا ما كان يدعو ربه ويبتهل بقوله: "وقني شر نفسي".

ومن أمراض النفس البشرية التي تحتاج إلى وقفة وتذكير، ومعالجة وتصوير: مرض الأنا، وما أدراك ما مرض الأنا، إنه مرض انتفاخ الذات، وتضخيم النفس، وتمجيد الروح.

قلِّب نظرك وارع سمعك -أخي المبارك- لبعض مجالس اليوم ترى لهذه الكلمة نصيبًا وافرًا، وترددًا حاضرًا.

عباد الله: كلمة الأنا تخفي تحتها أمراضًا وأدواءً، من العُجب والاستعلاء، والأنانية والكبرياء. إنها كلمة تحمل في طياتها لغة الغرور، ونزعة التزاهي، ولهجة النكران، ومنطق الجحود. إنها الكلمة التي استخدمها إبليس في المحاججة والمعاندة فقال: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) [الأعراف: 12].

إنها الكلمة التي رددها فرعون وباهى بها، فقال: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) [النازعات: 24]، وقـال: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ) [الزخرف: 52].

وهي الكلمة التي فاخر بها صاحب الجنتين، فقال لصاحبه وهو ظالم لنفسه: (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا) [الكهف: 34].

وهي الكلمة التي استشربها قارون في نفسه، فقال ناسبًا ثراءه إلى عندياته: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) [القصص: 78].

إنها الكلمة التي تجعل الإنسان لا يرى إلا نفسه، ولا يهتم إلا بشخصه، ترى هذا النوع من البشر مصابًا بداء العظمة، هائمًا في عالم النرجسية، مستغرقًا مع خيالات الطاوسية.

هو صواب وغيره خطأ، هو معرفة وسواه نكره، هو حاضر والباقي غائب.

أفكاره هي المختارة، وأقواله هي المقدَّمة، فهو الأفهم والأقدر، وهو الأحرص والأنقى.

هذا النوع من البشر إن تحدث فدندنته حول نفسه، لا يفتأ من ذكر محاسنه وبطولاته، وتاريخه ومغامراته.

يحزن إن لم يبجَّل، يغتم إن لم يُقَمْ له، همه: كيف تنصرف الوجوه لي، تفكيره: كيف أجعل الأسماع تصغي إليّ؟!

مفتون بالأضواء، مبهور بحب الشهرة.

هذا المنتفخ بالأنا ذاته هي الأول والآخر، لا تهمه مصالح الآخرين، لا يعنيه شأن أمته، ولا يحزنه تدهور أوضاعها.

هذا النوع من البشر بحاجة إلى أن يتذكر حقيقته، وهو أنه بالأمس كان نطفة قذرة، وهو اليوم يحمل بين جنبيه عذره، وهو غدًا محمول إلى حفرة.

فتنة الأنا -عباد الله- لا تنبت إلا في نفس مريضة، وقلب عليل، لكنَّ لها مهيجات مغذيات تسوق سوقًا إلى هذا الداء، فالمنصب العالي، والثراء الفاحش، والشهرة الواسعة فتن لمَّاعة، ربما جرت صاحبها لمرض الانتفاخ والتعاظم، والمعصوم من عصمه الله.

داء الأنا -إخوة الإيمان- له صور وأشكال، قد يكون بلسان المقال، وقد يأتي بلسان الحال، قد يكون في صورة الغرور والتعالي، وقد يأتي في شكل حب الذات والأنانية. قد يأتي في سياق الوضوح والصراحة، وقد يجيء في صور التعريض والإلماحة.

الحديث عن النفس في سياق الإطراء صورة صريحة للأناء.

مرآة الناس بالأعمال صورة صامتة للأناء، وفي الحديث: "الرجل يقاتل ليرى مكانه"، لا حظ له من أجر الشهادة.

النقد اللاذع للآخرين، وحشد هفواتهم، وتقزيم آرائهم، واحتقار أفعالهم، هي رسائل خفية لإعلان شأن الذات.

التعصب للرأي، وعدم الرجوع للحق، خشية التعرض للقدح والتنقص، أنا متجذرة، دالة على الكبر والغرور.

الأنفة من النصيحة، استصغارًا واحتقارًا لأهلها نوع آخر من التكبر، سببه الأنا.

والكبر في ميزان الشرع "بطر الحق، وغمط الناس"، أي: رد الحق، واحتقار الناس.

التقدم على كبار السن في المجالس، فيه ما فيه من حب البروز، ونزعة الأنا.

من يتخطى غيره في أماكن الترتيب والاصطفاف، ولا يقدر للناس وقوفهم وانتظارهم، تصرف مقيت، وأنانية مرذولة.

من يغلق بسيارته الطريق، أو مراكب غيره، لأجل مصالحة الخاصة، تخلف حضاري يوحي بالأنانية والأنا.

عباد الله: وأسوأُ صور الأنا وأشنعها: أن يتطفل صاحب الأنا على مقام الشريعة بلا علم، فيجعل لنفسه حق الاجتهاد، والفتيا في النوازل، والفصل في مضائق المسائل، وهو مع ذلك جاهل بالناسخ والمنسوخ، لا يميز المحكم من المتشابه، ولا يعرف الصحيح من الضعيف، وربما لا يحسن قراءة بعض آيات التنزيل.

هذا النوع من المتعالمين المتعالين بلينا بهم في مجتمعنا، وعبر صحفنا وإعلامنا، يأتي متعالم لم يخض غمار العلم، وبشخطة قلم يصنف العلماء والفتاوى، والمسائل والمواقف، ترى في لحن قولهم عبارات من أمثال: هذا متشدد وذاك معتدل، هذا تنويري وذاك ظلامي، هذا رأي معتبر وذاك غير معتبر.

يقولون: هذا عندنا غير جائز!! ومن أنتم حتى يكون لكم عند؟!

عباد الله: ليس كل من قال: أنا، فهو بالضرورة قد وقع في داء الأنانية أو الغرور، ليس كل من قال: أنا، فهو متعالٍ على الغير متكبر، كلا، قد قال خير البشر -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب"، وقال: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر".

فقد يتحدث المرء عن نفسه لحاجة، لا كبرًا ولا مفاخرة، وإنما من باب الاقتداء به، أو للتحدث بنعمة الله عليه: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) [الضحى: 11]، والميزان في ذلك مقصد القلب، وما يكنه الصدر لا يعلمه إلا علام الغيوب، وفي محكم التنزيل: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) [البقرة: 235].

وبعد:

إخوة الإيمان: فكم نحن بحاجة أن نربي أنفسنا وأبناءنا ومجتمعنا على هضم النفس، وهجران أنا الغرور، وأنا الأنانية!! كم نحن بحاجة أن نلغي كلمة أنا من قاموس أحاديثنا، حتى لا تغتر النفس بعد ذلك وتبطر!! وكم نحن بحاجة أيضًا أن نزرع في حياتنا المعاني المضادة للأنا من التواضع والإيثار والكرم والبذل ونفع الغير!! فمجتمع تتجذر فيه هذه الأخلاقيات جدير أن يسود بين أفراده التواد والتآلف، والمحبة والتعاطف.

إخوة الإيمان: إنَّ هضم النفس وازدراء العمل علاج فعال لمن بلي بهذا الداء. هضم النفس خلق نبيل، وسلوك جميل، هو سجية الصالحين الأتقياء، والمؤمنين الأخفياء، وهو مؤشر على صلاح النفس، وإرادة الدار الآخرة، وصدق الله ومن أصدق من الله قيلاً: (تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [القصص: 83].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين، وأستغفر الله العظيم.

 

 

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

 

 

أما بعد:

فحينما نقلب سير سلفنا وصالحي أمتنا نرى في أخبارهم عجبًا، وفي سيرهم تربية وعبرًا، ومثلاً ودررًا؛ لقد حسُنت علاقتهم بربهم وعظمت، فعظم أدبهم، وظهر تقواهم على جوارحهم؛ كانوا يكرهون أن يتحدثوا عن أنفسهم بالمدح والثناء، مع استحقاقهم لأضعاف هذا الإطراء، كان أحدهم يبلغ منزلة رفيعة، ومكانة عالية فيضطرب فؤاده فرَقًا أن يكون هذا فتنة واستدراج.

كانوا يعملون أعمالاً عظيمة، ويسجلون مواقف خالدة لكنهم كانوا يخشون ذهابها بالعجب والغرور، عظُم مقام الله في قلوبهم، فصغرت في أعينهم قرباتهم وطاعاتهم.

هذا أمير المؤمنين عمر -رضي الله عن عمر- يحكم أطرافًا متباعدة، ومفاوز متنائية، فيملؤها عدلاً وقسطًا، إذا ذكر العدل ذكر عمر، وإذا ذكر الزهد لاحت سيرة عمر، وإذا ذكر الخوف من الله تلألأت شخصية الفاروق.

أعز الله به الإسلام، وأطفأ به نار المجوس، وما سلك أبو حفصٍ فجًّا إلا سلك الشيطان فجًّا غيره، وافقه القرآن في بضعة مواضع، بشره الرسول بالجنة، وبقصر منيف فيها، فماذا كان عمر يرى أعماله التي قدَّمها، يحدثنا أبو موسى الأشعري عن حوار دار بينه وبين عمر فيقول: قال لي عمر: هل يسرك أنَّ إسلامنا مع رسول الله وهجرتنا معه، وشهادتنا وعملنا، كله يُرد علينا، لقاء أن ننجو كَفافًا، لا لنا ولا علينا، فيجيبه أبو موسى: لا والله يا عمر، فلقد جاهدنا، وصلينا، وصمنا، وعملنا خيرًا كثيرًا، وإنا لنرجو ثواب ذلك، فيقول عمر ودموعه تتحدر: "أما أنا فوالذي نفس عمر بيده لودِدتُ أن ذلك يرد علي، ثم أنجوا كفافًا رأسًا برأس".

ولما دنا أجل عمر وحضرت وفاته قال لابنه عبد الله: "ضع خدي في التراب لعل الله أن يرحم عمر".

وهذا أمير المؤمنين في علم الحديث سفيان الثوري، والذي أوقف حياته كلها بليلها ونهارها في خدمة الحديث النبوي، يتمنى في آخر عمره، فماذا يتمنى؟! يقول عن نفسه: "ليتني أنقلب منه -أي علم الحديث- كَفافًا لا لي ولا علي".

وهذا العالم العامل إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل أتعب من بعده في العلم والعمل، والصبر والورع، أثنى عليه بعض أصحابه فقال: جزاك الله عن الإسلام خيرًا، فتغير وجهه وعلا الغم قسماتِ وجهه، فقال محتقرًا نفسه: بل جزى الله الإسلام عني خيرًا، من أنا؟! وما أنا؟!

في محنة القرآن عجَّت له مدن بالدعاء، فجاءه رجل مبشرًا، فقال: "أخشى أن يكون هذا استدراجًا"، قال عنه رفيق حياته يحيى بن معين: "ما رأيت مثل أحمد، صحبناه خمسين سنة، ما افتخر علينا بشيء مما كان فيه من الخير".

وهذا الملك الصالح العادل نور الدين محمود زنكي، قال عنه ابن كثير: "كان يقوم في أحكامه بالمعدلة الحسنة، واتباع الشرع المطهر، وأظهر ببلاده السنة، وأمات البدعة".

ومع ذلك كان يزدري نفسه ويحتقر عمله، كان -رحمه الله- في أول أمره يأخذ الضرائب من الناس ينفقها على الجيش ليحمي به الديار والأعراض، فأفتى له فقهاء عصره أنَّ عمله غير مشروع، وأنه أخذ للمال بغير حق، فماذا صنع أمام رأي الشرع؟! لم يتكبر ولم يصعر خده، وإنما تحسر وندم واستغفر، ثم كتب إلى الناس يطلب منهم أن يحلوه، وسمعه بعض خاصته يدعو في سجوده: "اللهم ارحم المكَّاس العشَّار الظالم محمود الكلب".

تلك بعض سير القوم، وشيء من هضمهم لأنفسهم، واحتقارهم لأعمالهم.

فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم *** إن التشبه بالكرام فلاح
 

 

 

 

 

المرفقات

والأنانية1

والأنانية - مشكولة

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات