العشر المباركة

إبراهيم بن صالح العجلان

2012-10-20 - 1433/12/04
التصنيفات: عشر ذي الحجة
عناصر الخطبة
1/ حاجة العباد إلى مَواسِم روحانيَّة يُجدِّدون معها إيمانَهم 2/ فضائل العشر الأول من ذي الحجة 3/ أفضَلُ أعمال الأبرار في الأيَّام العشر 4/ فضائل الأعمال في العشر الأول من ذي الحجة 5/ الإكثار من الباقيات الصالحات 6/ أحوال المحرومين في العشر 7/ الأضحية أحكامٌ وآداب

اقتباس

لقد عَمَّ فضْل الله على أمَّة محمدٍ وطابَ، يومَ أنْ خصَّهم بأيَّامٍ فاضِلات يُضاعف فيها الثَّواب؛ (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ)، تلك العشر المبارَكات التي أشْرَقت أيَّامها، بخيرها وخَيْراتها، وأجرِها ومُضاعَفاتها، تلك العشر التي أوْدَع الله فيها من الفَضائِل ما لم يُودِعه في غيرها ..

 

 

 

 

معاشِرَ المسلمين: تقسُو القلوب وتَجفُّ الألسنة، يحلُّ الفتور وتتمكَّن الغَفلة، ويؤزُّ الشيطان النفسَ إلى هَواها أزًّا؛ (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) [النساء: 28]، فيَحتاج العبْد في أيَّام دَهرِه إلى مَواسِم روحانيَّة يُجدِّد معها إيمانَه، ويُحاسِب فيها تقصيرَه، وينفض غبار الغَفلَة عن قَلبِه، وينمِّي في رُوحِه إحساسَ العبوديَّة الحقَّةِ لله تعالى.

لقد عَمَّ فضْل الله على أمَّة محمدٍ وطابَ، يومَ أنْ خصَّهم بأيَّامٍ فاضِلات يُضاعف فيها الثَّواب؛ (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ) [الفجر: 1 - 2]، تلك العشر المبارَكات التي أشْرَقت أيَّامها، بخيرها وخَيْراتها، وأجرِها ومُضاعَفاتها، تلك العشر التي أوْدَع الله فيها من الفَضائِل ما لم يُودِعه في غيرها.

ويَكفِي استِشعارًا لفَضْلها أنَّ الجهاد في سبيل الله، والذي هو ذروَةُ سَنَام الإسلام، وأعدَّ الله لأهْله مائةَ درجة في الجنَّة - لا يُعادِل أجرُه وثوابه العملَ الصالح في مثْل هذه الأيَّام؛ قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: "ما العمَلُ في أيَّام العشر أفضل من العمَل في هذه"، قالوا: ولا الجهاد؟ قال: "ولا الجهاد، إلاَّ رجُل خرَج يُخاطِر بنفسه وماله، فلم يَرجِع بشيءٍ"؛ رواه البخاري.

وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: "أفضَلُ أيَّام الدنيا أيَّام العشر"؛ رواه أبو يعلى والبزَّار وصحَّحه الألباني.

فحَرِيٌّ بأهل الإيمان، ومَن تَحدُوهم الجنَّة والرِّضوان، أنْ يستَعِدُّوا لهذه الأيَّام استِعدادَها، ويَقدُروها في النُّفوس حقَّ قدرِها.

يا أهل الإيمان: ها هي أيَّام الرحمن قد حَلَّ زمانها، فأحسِنُوا ضِيافَتها، وأَكرِمُوها بحسن اغتِنامِها، وملء صَحائِف الأعمال من ثَوابِها.

كم هو جميلٌ - عبادَ الله - أنْ تُستَقبل هذه الأيَّام بتجديد التوبة مع الله - تعالى - توبة يستَذكِر فيها المرءُ ماضيه، ويضَعُ أعمالَه في ميزان المحاسَبة، فَيُبْصِر حينَها ذنوبًا سوَّلَها الشيطان، وخَطِيئات زيَّنتها النَّفس الأمَّارة؛ فيُورِثه ذلك ندَمًا على ما فات، ومُجافَاةً للذنب فيما هو آت، وما لزم عبدٌ بابَ الاستِغفار والتوبة فكان توَّابًا أوَّابًا، إلاَّ أشرَقتْ عليه شمس التوفيق في دنياه، وسَرَّه ما يَلقاه في صحيفته في أُخرَاه.

قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: "مَن أحبَّ أنْ تسرَّه صحيفتُه، فليُكثِر فيها من الاستغفار"؛ رواه البيهقي وغيرُه، وحسَّنه الألباني .

وإذا اجتَمَع للمسلم توبة نصوح مع أعمالٍ صالحةٍ في أزمنةٍ فاضلة، فقد تقلَّد الفَلاح، وتوسَّم النجاح، (فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ) [القصص: 67].

إخوةَ الإيمان: وأفضَلُ أعمال الأبرار التي تُقدَّم في هذه الأيَّام حجُّ بيت الله الحرام، مَن أدَّاه بنيَّة خالصة واتِّباع صحيح، فهنيئًا له تكفيرُ السيِّئات، والفَوْز بالجنَّات؛ قال - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "مَن حجَّ فلم يرفث ولم يَفسُق، رجَع كيوم ولدَتْه أمُّه"؛ رواه البخاري.

وفي الصحيحين أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: "والحجُّ المبرور ليس له جَزاء إلاَّ الجنَّة".

يا أهلَ الصيام، بُشراكم هذه الأيَّام، فمع الصيام يُجاب الدُّعاء والنَّجوى، ويغرس في القلب التقوى، ويُباعِد المرء وجهَه عن نارٍ تلظَّى، ويسطر الصائم اسمَه في ديوان أهل الريَّان، ولا تَسَلْ بعد ذلك عن أجْر الصِّيام وثوابه؛ "إلاَّ الصوم، فإنَّه لي وأنا أجزي به".

وثبَت عن رسولِ الهدى - أتْقَى الناس وأعبَد الخلْق - أنَّه كان يصوم تسع ذي الحجة؛ رواه الإمام أحمد والنسائي، وصحَّحه الألباني.

يا أصحابَ الأيادي البيضاء، وأهل الفَضل والعَطاء، هذا مَوسِم الإنفاق والإحسان، هذا مَوعِدٌ يُسَلُّ فيه الشُّحُّ من النُّفوس، فيا لله كم رسمَتْ أعطياتُكم البَسمة على الشِّفاه، وكم واسَتْ نفوسًا مَكلُومة، وكم كسَبَتْ قلوبًا ظلَّت وفيَّة لكم بالثَّناء والدُّعاء.

تذكَّروا - يا رَعاكُم الله - أنَّ هذه الصدَقات زيادةٌ لكم في أموالكم، وأنَّ تلك الأعطيات هي في الحقيقة منكم وإليكم؛ (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) [البقرة: 197]، وقال - تعالى -: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ) [سبأ: 39]، فأبشِرُوا أبشِرُوا بالعِوَض والمُضاعَفة، واسمَعُوا إلى هذه البشارة من نبيِّكم - صلَّى الله عليه وسلَّم - حين قال: "إنَّ الله يَقبَل الصدقة ويَأخُذها بيَمِينه فيُربِّيها كما يُربِّي أحدُكم مُهرَه، حتى إنَّ اللُّقمة لَتَصِيرُ مثلَ أُحُد"؛ رواه الترمذي، وهو حديث صحيح.

وتَصدِيق ذلك في كتاب الله - تعالى -: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ) [التوبة: 104]، و(يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) [البقرة: 276].

إخوةَ الإيمان: العَجُّ بالذِّكر وتَرطِيب الألسِنة بالتكبير والتهليل، شعارُ هذه الأيَّام، وعنوانٌ تتميَّز به، كيف لا؟ وقد خصَّهَا المولى - سبحانه - بأنها أيَّام ذكْرٍ لله؛ (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) [الحج: 28]. قال ابن عباس، ومجاهد،
وسعيد بن جبير: هي أيَّام العشر.

ولذا كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُوصِي أصحابَه بقوله: "ما من أيَّامٍ أعظَمُ عند الله ولا أحبُّ إليه من العمل فيهنَّ من هذه الأيَّام؛ فأكثِرُوا فيهنَّ من التهليل والتكبير والتحميد"؛ رواه الإمام أحمدُ وغيره.

فيا مَن يَرجُو طمأنينة القلب، هاكَ واحات الذِّكر قد تَلألأَتْ، فعِشْ معها نفَحات التكبير والتحميد، ونسمات التهليل والتمجيد.

لا تَنْسَ الإكثارَ من الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.

لا تَغفُل عن الكلمتَيْن الخفيفتَيْن على اللسان، الثقيلتَيْن في الميزان، الحبيبتَيْن للرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم.

وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، ومَن قال: "سبحان الله العظيم وبحمده، غُرِسَتْ له بها نخلةٌ في الجنَّة"، و"لا حولَ ولا قوَّةَ إلاَّ بالله كنزٌ من كنوز الجنَّة".

إلى غير ذلك من فضائل الذكر التي يَضِيق المقام عن عَدِّها؛ (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [فصلت: 35].

فيا مَن يرجو الله واليومَ الآخر، ها هي أيام المضاعَفة، وسُوق المرابحة، فالغنيمةَ الغنيمةَ بالخروج منها بأربَحِ المَكاسِب، وأجزل المَواهِب.

وإذا رأيتَ من نفسك إقبالاً ، فزِدْ فيها أعمالاً.

إِذَا هَبَّتْ رِيَاحُكَ فَاغْتَنِمْهَا *** فَإِنَّ لِكُلِّ عَاصِفَةٍ سُكُون
وَلاَ تَغْفُلْ عَنِ الإِحْسَانِ فِيهَا *** فَمَا تَدْرِي السُّكُونُ مَتَى يَكُون

عباد الله: ومع فضائل العشر ومنحها تغفُل نفوسٌ، وتفتر هِمَم، فتجعل من هذه الأيام الصالحات مَوسِمًا للبطالة والقيل والقال، والسهر والتسمُّر أمام القنوات.

مغبونٌ واللهِ مَن مرَّت به هذه العشر، فلم يحظَ منها بمغفرة، أو تُقَل له عَثْرَةٌ.

محرومٌ والله مَن انصَرَف عن طاعة ربِّه، فلم يَخشَعْ قلبُه لحظةً، ولم تذرف عينُه دمعةً.

شقيٌّ مَن ساءَتْ خَلِيقته، وأحاطَتْ به خَطِيئته، فهامَ في أودية الآثام، وغاصَ في لُجَجِ المعاصي والحَرام، لم يَعرِف للعشر فضلاً، ولم يعظِّم للزمن شرفًا، فأيُّ رُقاد أعظم من هذا الإفلاس، وأيُّ قُعود أشد من هذا الإبلاس.

معاشرَ المؤمنين: وكما أنَّ الطاعات في مَوسِم الخيرات يَزداد شرفُها، ويَعظُم أجرُها، فكذا المعاصي في الأزمِنة الفاضلة يَعظُم جرمُها، ويَزداد قبحُها؛ قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة - رحمه الله -: "والمعاصي في الأيَّام الفاضلة والأمكِنة المفضَّلة تغلظ، وعِقابها بقَدْرِ فضيلة الزمان والمكان"؛ ا.هـ.
فاتَّقوا الله أيُّها المسلمون، واغتَنِموا فُرَصَ الحياة، وسَوانِح الدهر، فلا ندري والله هل نُدرِك مثلَ هذه الأيَّام الفاضِلات مرَّات ومرَّات، أم نكون من المُجندَلِين في قبورهم، المُرتَهنين على أعمالهم؟!

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [آل عمران: 133].

بارَك الله لنا ولكم في القُرآن العظيم، ونفعَنِي وإيَّاكم بهدْي سيِّد المرسلين، أقول ما سمعتُم وأستَغفِر الله لي ولكم، فاستَغفِروه وتوبوا إليه، إنَّه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

أما بعد ... ومن تَمام التقوى ولزوم الإحسان شُكْرُ المولى - عزَّ وجلَّ - والتقرُّب إليه بذبح الأضاحي، سنَّة سنَّها الخليلُ - عليه السلام - وتأسَّى به الأنبِياء، وتَبِعَهم المؤمنون عبر حِقَبِ التاريخ.

أقامَ النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - بالمدينة عشرَ سنين مُداوِمًا على الأضحية.

روى البخاري ومسلم عن أنسٍ أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ضحَّى بكبشَيْن أملحَيْن أقرنَيْن، ذبَحَهما بيده، وسمَّى وكبَّر، ووَضَع رجلَه على صِفاحهما.

وهذه الأضحية - عبادَ الله - لها أحكامٌ وآداب، منها:

- أنها في أصلها مستحبَّة غيرُ واجبة، على الصحيح من أقوال أهل العلم.

- ومَن أراد أنْ يُضحِّي فيجب عليه أنْ يُمسِك عن شعره وأظفاره، فلا يأخُذ منه شيئًا؛ قال - عليه الصلاة والسلام - : "إذا رأيتُم هِلالَ ذي الحجَّة وأراد أحدُكم أنْ يُضحِّي، فليُمسِك عن شَعرِه وأظفارِه"؛ رواه مسلمٌ في صحيحه.

ومَن أخَذ من شعره وظفره لحاجةٍ، فلا شيءَ عليه، ومَن قصَّ من شعره وظفره لغير حاجَةٍ وجبَتْ عليه التوبةُ وعدَم العودة، ولا كفَّارة عليه، وهذا الحكم في المنْع من أخْذ الشعر والأظفار خاصٌّ بصاحب الأضحية، أمَّا الأهل والأولاد ومَن يُضَحَّى عنهم، فلا يَلزَمُهم ذلك.

ومن أحكام الأضحية:

- أنَّه يُشرَع للمُضحِّي أنْ يأكُل من أضحيته، ويُهدِي ويتصدَّق كما قال - سبحانه -: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) [الحج: 28]، وقال أيضًا: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) [الحج: 36]، والقانع: هو السائل المتذلل، المعتر: هو المتعرض للعطية دون سؤال.

- أنْ تُذبح في الوقت المحدَّد لها، ويَبدَأ وقتُ الذبح من بعد صلاة العيد، ويمتدُّ وقتُها إلى غُرُوب شمس يوم الثالث عشر.

- ويجب - عبادَ الله - أنْ تبلغ الأضحية السنَّ المُجزِئ شرعًا؛ للغنم سنة، وللضَّأن والكَبْش ستَّة أشهر، وللإبل خمس سنين، وللبقر سنتان.

- ويجب أيضًا أنْ تكون الأضحية صحيحةً سليمةً، خالية من العيوب، وخيرُ الأضاحي أغلاها وأنفَسُها عند أهلها.

قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: "والأجر في الأضحية على قدْر القيمة مطلقًا".

هذا، وإنَّ ذبْح الأضحية على الوجْه المشروع هو من تعظيم شعائر الله، وسبيلٌ لحصول التقوى؛ (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج: 32]، (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) [الحج: 37].

فطِيبُوا بأضاحيكم نفسًا، وكُلُوا منها، وتهادوا وتصدَّقوا، نسأَلُ الله - عزَّ وجلَّ - أنْ يتقبَّل من الجميع صالِحَ العمل، وأنْ يجعَلَنا من المُسارِعين إلى الفَضْل قبلَ حلول الأجل.
 

 

 

 

 

المرفقات

المباركة1

المباركة - مشكولة

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات