العراق (1) أهداف الغزو الأمريكي للعراق

ناصر بن محمد الأحمد

2013-06-06 - 1434/07/27
عناصر الخطبة
1/حسرة المسلم على دك القوات الغازية للعراق 2/اعتراض الشعوب الغربية على غزو العراق وبعض أشكال اعتراضهم 3/أبرز وأهم أهداف الغزو الأمريكي للعراق

اقتباس

أيها المسلمون: لم يشهد العالم المعاصر احتجاجاً واعتراضاً على أمر كالاعتراض على حرب العراق، فقد ضج العالم كله شرقيه وغربيه، شماليه وجنوبيه على هذه الحرب. والصحيح أن نسميه: "غزو العراق" فهو غزو صليبي من...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله ...

 

أما بعد:

 

أيها المسلمون: إن قلب المسلم ليتقطع، وهو يتابع أخبار المسلمين في العراق، هذا البلد المسلم، وقد أسقطت القوات الغازية عليها آلاف الصواريخ والقنابل، تدك القلاع والبقاع، لا تُفرّق بين مدني وعسكري، بل ولا بين جماد وحيوان، أين المسلم الذي لا يتأثر بمثل هذه المناظر والصور والأخبار؟.

 

أيها المسلمون: لم يشهد العالم المعاصر احتجاجاً واعتراضاً على أمر كالاعتراض على حرب العراق، فقد ضج العالم كله شرقيه وغربيه، شماليه وجنوبيه على هذه الحرب.

 

والصحيح أن نسميه: "غزو العراق" فهو غزو صليبي من دولة تملك من الإمكانات والقدرات الضخمة الشيء الكثير، وبين دولة أنهكها الحصار لما يزيد على عشر سنوات.

 

فأقول: لم يشهد العالم مظاهرات في العدد والكثرة ما شهده لهذا الحدث، فقد غصت على سبيل المثال شوارع باريس والعديد من المدن الفرنسية بعشرات الآلاف من المحتجين على ضرب العراق في تظاهرات حطمت خلالها واجهات لمطاعم ماكدونالدز الأمريكية مما اضطر شرطة مكافحة الشغب إلى التدخل لحماية الزبائن والعاملين في المطعم.

 

وقالت الشرطة: بأن نحو 40 ألف متظاهر شاركوا في الاحتجاجات كما حرق بعض المتظاهرين أعلام أميركا وبريطانيا، وسط هتافات الحاضرين.

 

وفي إيطاليا، خرج 300 ألف متظاهر في 80 مظاهرة شعبية في مختلف المدن الإيطالية أظهرت رفض الرأي العام الإيطالي لهذه الحرب.

 

وخرج عشرة آلاف أسترالي إلى الشوارع في العاصمة الغربية لأستراليا، واستلقوا على الأرض في محاولة منهم لمنع حركة السير تعبيراً عن رفضهم للحرب على بغداد.

 

وخرج مئات الألوف من المواطنين البريطانيين إلى الشوارع في مختلف المدن البريطانية، في مظاهرات شعبية تعبيراً عن غضبهم على تجاهل رئيس الحكومة للرأي العام البريطاني الذي أبدى 80% منه أنهم يعارضون مشاركة بلادهم في الحرب على العراق، دون موافقة الأمم المتحدة.

 

بل وفي أمريكا الدولة المعتدية، خرج عشرات الآلاف يتظاهرون ضد الحرب، وشكلوا سلاسل بشرية، وعطلوا حركة المرور.

 

واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفرقة عشرات الأشخاص، الذين حاولوا وقف السير عند أحد الجسور‏.‏

 

ولف بعض المتظاهرين أجسامهم بأكياس القمامة، وانبطحوا أرضاً، ممثلين دور ضحايا مدنيين، وأمطرت الشرطة المتظاهرين ببخاخ الشطة لتفرقتهم‏.‏

 

وسبحان الله! ومع كل هذه الاحتجاجات إلاّ أن قدر الله نافذ، وشاء الله -عز وجل- أن تقوم هذه الحرب لحكمة يعلمها، ونسأل الله -تعالى- أن يكون فيها الخير للإسلام والمسلمين، وتكون بداية نهاية رأس الكفر أمريكا.

 

أيها المسلمون: والرفض لم يأخذ شكل المظاهرات فقط، بل إن محطةً فضائيةً إيطالية، طالبت تقديم رئيس الولايات المتحدة، وأركان إدارته للمحكمة كمجرمي حرب وقتلة!.

 

وأوقفت محطة فضائية إيطالية أخرى بثها بسبب قيام القوات الأمريكية والبريطانية بالعدوان على العراق، حكومة وشعباً، وتضامناً منها مع الدولة المعتدى عليها.

 

وهاجمت بحدة الرئيسين الأمريكي والبريطاني، ووصفتهما بأقذع الصفات.

 

وفي تايلند، رفضت إدارة أحد الفنادق استقبال السواح الأمريكيين احتجاجاً على الحرب التي تشنها الولايات المتحدة على العراق.

 

وقال صاحب الفندق: إنه لا يمتلك سلاحاً غير الغرف المهيأة لاستقبال السواح، غير أنه يرفض استقبال الأمريكان في فندقه.

 

هذه -أيها الأحبة- بعض مواقف الكفار تجاه هذه الأزمة، فما هي مواقف المسلمين فضلاً عن علمائهم؟.

 

قد تستغربون لو قلت لكم بأن البابا أرسل خطاباً يحتج على الإدارة الأمريكية، ويقول لهم: إنكم آثمون أمام الله وآثمون أمام التاريخ.

 

وعوام المسلمين يسألون إلى هذه اللحظة، ما هي كلمة العلماء تجاه الأزمة الحالية ويسألون عن الموقف الشرعي؟ وما هو دورهم؟ فإلى الله المشتكى.

 

قصف ونحن ملايين من العدمِ *** أحلَّ سفكُ دمٍ في الأشهر الحرم

أُبيحَ سبي نجوم الليل في وطني *** على سنابك جند الروم والعجم

بالأمس نامت عيون النخل متعبة *** لتستفيق على سيل من الحِمم

بغدادُ أبكيك دمعاً أم دماً وأنا *** لا حول لي غير دمع العين والقلم

سئمت أجتر أوجاعي بلا أملٍ *** بالصبح والليلُ داجٍ عابسَ الظُلم

يلفنا الخزي يا بغداد ثانية *** يوم اغتُصبتِ وسط الذل والندم

لا تستغيثي فما في الدار سيدتي *** إلا بقايا حطام البؤس والعدم

لم يبق فينا على باب الردى رجل *** حتى تغاثي فموتي أو لنا انتقمي

سجل بصدرك يا تاريخ خيبتنا *** واهزأ بنا دون كل الخلق والأمم

أما طُعنّا بعُقر الدار ثالثة *** فهل ترانا دم أمسى بغير دم

أبلِغ علوج أمريكا وسادتها *** إنا غدونا بلا حام ومعتصم

عشائر الكفر حطت في مضاربنا *** ولم نحرك سرايانا ولم نقم

أين الذين إذا ناديتهم هَرعوا *** إليك مثل انطلاق النار في العلم

ذوت عروبتنا عاراً وأنتِ بنا *** جرحٌ توطّن بين القهر والألم

هذي العيون ومن للصبح يوقظها *** ومن سيزرع روح السير في القَدم

ومن سيبعث قلباً مات من زمن *** ومن يصب شعاع الروح في صنم

فأنتِ أدرى جميعُ الناس في وطني *** بلا جناحٍ ولا روحٍ ودون فم

كيف الصراخ لمن غابت مشاعره *** وكيف يسمع من قد بات في صمم

إني سألتُكِ بسم النائحات هنا *** قومي بنا من فمِ الأحزاب واحتدمي

إن الكلاب على الأبواب واقفةٌ *** فاستلهمي الدرب نحو الصبح واعتصمي

بئس القلوب التي ماتت مروءتها *** وألف طوبى لعين منك لم تنم

 

أيها المسلمون: ليس الهدف من هذه الحرب هو العراق، ولا القضاء على أسلحة الدمار الشامل -كما زعموا-؛ لأن ما تستخدمه أمريكا الآن هو أسلحة الدمار الشامل، بل إنها استخدمت بعض الأسلحة المحرمة دولياً، لكن لهذه الحرب أهداف وأهداف نلخصها في الآتي:

 

أولاً: تحقيق أمن إسرائيل: فتطابق المشروعين الأمريكي والصهيوني، وطبيعة الإدارة الأمريكية والكونجرس والاتجاهات المؤثرة على صنّاع القرار الأمريكي كلها عوامل تصب في ذلك الهدف الرئيس.

 

لكن السؤال: هل إسرائيل بحاجة إلى أمريكا لتقف معها وهي دولة قوية تملك سلاحاً نووياً وآلة عسكرية ضخمة وجيشاً مدرباً ومنظماً؟

 

الجواب: نعم، فإسرائيل تريد حروباً سريعة مع جيوش منظمة لتنتصر عليها، ولكن أن تدخل حرب استنـزاف ومقاومة طويلة من ذلك النوع الذي يحيد تفوقها العسكري والتقني، فهذا الذي لا تريده إسرائيل وتحتاج إلى وقوف أمريكا معها فيه.

 

ففي ظل الانتفاضة الفلسطينية والمقاومة المسلحة والعمليات الاستشهادية لن تستطيع أن تتحمل هذا الاستنـزاف، حتى مع وجود أكثر زعماء إسرائيل إرهاباً وهو شارون، ومع ذلك ازدادت الأمور تدهوراً داخل إسرائيل والوضع يتفاقم أكثر وأكثر أمنياً واقتصادياً.

 

وكل إسرائيلي يخرج من بيته يضع احتمال عدم رجوعه، حتى الأم عندما تُخرج أبناءها إلى المدارس تضع في حسابها احتمال عدم رجوعهم.

 

فوجود الولايات المتحدة الأمريكية بجيشها وبقواها مهيمنة وقريبة من إسرائيل، وفي قلب المنطقة، سيجعلها أكثر قدرة على حل النـزاع العربي الإسرائيلي، وأقوى على فرض السلام الذي تريده إسرائيل.

 

وعلى حسب تقديراتهم أن هذه الحرب إنقاذ لإسرائيل من مأزق تعيشه في مواجهة الشعب الفلسطيني المجاهد، فبعد أن أصبحت إسرائيل في مأزق حقيقي في الانتفاضة الأولى، أُنقذت باتفاقية أوسلو وأُتي بالسلطة الفلسطينية لتكون شريكاً في الولوغ في دم القضية الفلسطينية بعد ذبحها والقضاء عليها، وقمع الشعب الفلسطيني مقابل ثمن زائف ومتاع قليل، وإذا بالمشروع يفشل في يومه الأول، وإذا بالشعب المجاهد الأعزل تتحطم على صخرة إيمانه، وصموده كل المؤامرات، وإذا بالنائحة المستأجرة تغادر المأتم غير مأسوف عليها، ويهبّ الشعب عن بكرة أبيه للدفاع عن الأقصى في مواجهة عنجهية المجرم شارون، وتصبح دماء الشهداء هي السقيا لغراس العزة والحرية، وتصبح منارات المساجد هي الرايات لجحافل النصر والاستقلال -بإذن الله-، ويصم الشعب أذنيه عن تخذيل المخذلين، واحتجاج الخائفين، ونعيق العملاء الضالعين في المؤامرة.

 

وتصبح النبتة الخبيثة "إسرائيل" في مأزق لم تمر به في تاريخها، فبعد أن استنفدت أكثر إمكاناتها العسكرية والأمنية المتوحشة تحت غطاء من العهر السياسي تمارسه أمريكا لإذلال شعب الإباء والعزة والجهاد في فلسطين، بعد ذلك ها هي إسرائيل تعيش أزمة اقتصادية لم تعرف لها سابقة في تاريخها، ورعباً وخوفاً في المجال الأمني، وصراعاً في الميدان السياسي، وانهياراً معنوياً في الجيش، وتفككاً واضطراباً اجتماعياً، والأخطر من ذلك كله هجرة معاكسة وتوقف شبه يومي لكثير من مظاهر الحياة، وهروب لنسبة كبيرة من سكان المستوطنات إلى داخل فلسطين 48 بحثاً عن الأمن الذي لم يجدوه، بل لاحقهم حتى هناك الخوف والموت.

 

وحينئذ، فلا بد من عملية جراحية كبرى لإعادة ترتيب المنطقة كلها لإبقاء الأمل في المستقبل اليهودي، ولإشغال شعوب المنطقة بما فيها الشعب الفلسطيني بقضية أخرى ردحاً من الزمن، تستعيد فيه إسرائيل أنفاسها وتعيد ترتيب أوراقها، وتطبق أمريكا على دول المنطقة سايكس بيكو جديدة، وليس هناك من نقطة أنسب للبداية من العراق، فالنظام الحاكم فيه مكروه شعبياً، ومنبوذ إقليمياً، ومحاصر ومتهم عالمياً، ولأكثر من جهة مصلحةٌ في إسقاطه، فليكن هو نقطة البداية لإنقاذ شعب الله المختار مهما كلف ذلك أمريكا أو المنطقة أو العالم.

 

ثانياً: من أهداف هذه الحرب: توطين ما يسمى بفلسطيني الشتات في العراق، ومشكلة فلسطيني الشتات من المشكلات التي تقف عائقاً في وجه أي حل نهائي للمشكلة الفلسطينية، وقد تم الاتفاق في أوسلو بين مجموعة عرفات وحزب العمل الإسرائيلي على إسقاط حق أربعة ملايين من الفلسطينيين خارج فلسطين من العودة إلى فلسطين؛ لأن في رجوعهم إلى إسرائيل سيغير الخارطة السكانية حيث سيصبح الفلسطينيون أكثر من ثمانية ملايين مقابل خمسة ملايين إسرائيلي، وهذا لا يمكن أن تقبله إسرائيل.

 

وهذا الاتفاق ولّد مشكلة عالمية، فأربعة ملايين ليس لهم أرض ولا وطن ولا هوية ولا جواز ولا مكان يستقرون فيه، ومعظمهم موجود في مخيمات أوضاعها مزرية في لبنان وفي سوريا وفي الأردن، وكثيراً ما أدانت جماعات حقوق الإنسان تلك الأوضاع في المخيمات.

 

والحديث عن التوطين في العراق حديث قديم، ولكن أعيد طرحه هذه الأيام من بعض جماعات المعارضة العراقية كنوع من رشوة أمريكا في هذا الوقت من أجل أن تعطيها دوراً داخل العراق بعد الإطاحة بالنظام القائم.

 

والعراق بلد فيه موارد مائية وموارد نفطية كبيرة جداً، ويمكن أن يستوعب عدداً كبيراً من الفلسطينيين، والشعب العراقي يمكن أن يستوعب جنسية عربية أخرى، فالبعد القومي فيه من أقوى البلاد العربية خصوصاً إذا قورن بدول الخليج.

 

ثالثاً: من أهداف هذه الحرب أيضاً: تحقيق سابقة تأديبية في المنطقة: فالعراق كان من أقوى الدول العربية وحوصر هذه المدة الطويلة، وبقي إلى حد ما متماسكاً إلى هذه المرحلة، ويمكن أن يرجع إذا انتهى الحصار إلى قوته التي بُنيت بأموال الخليج وإشراف أمريكا مرة أخرى وقد تشكل هذه القوة تهديداً مستقبلياً لإسرائيل.

 

فإذا أَسقطت أمريكا هذا النظام بأسنة الرماح، هل يمكن لدولة أخرى أن تقف في وجه الولايات المتحدة الأمريكية أو أن تعارض سياستها. إن المنبطح شبراً سينبطح ذراعاً والمنبطح ذراعاً سينبطح باعاً، بل وأكثر من ذلك. وبعدها قد لا تحتاج أمريكا أن تأتي بجيوش جرارة من أجل أن تهدد بها الدول العربية، فكل الأنظمة أضعف من النظام العراقي، وكلها مهددة بالسقوط أسوة بالنظام العراقي، وستنصاع إلى ما تمليه السياسة الأمريكية.

 

وستتحول العراق إلى جهاز مخابراتي لأمريكا على جميع دول المنطقة، وستنطلق من العراق الحملات الأمريكية الجديدة القادمة على الدول المجاورة للعراق.

 

رابعاً: السيطرة على النفط: من المعلوم أن هناك عدداً من مخزونات النفط الاستراتيجية في العالم: المخزون الأول هو المخزون في الخليج، يليه المخزون العراقي، وهو مخزون ضخم ومهم عالمياً. وقد قَدرت بعض الدراسات قيمة مخزون النفط العراقي بمائتي تريليون دولار، وهو يعادل ميزانية أمريكا مئة عام بمثل أرقام عام 2000م.

 

والولايات المتحدة موجودة بقوة في دول الخليج، وبالسيطرة على النفط العراقي سيتم لها التحكم بالمخزون الثاني.

 

وأما مخزون بحر قزوين، فدول المنطقة هناك هي التي طلبت من أمريكا أن تأتي إليها لأنها بحاجة إليها وغير قادرة على أن تستثمر هذا المخزون. بقى المخزون الأفريقي الموجود في تشاد والسودان. ففي تشاد حسم الصراع بين فرنسا وبين أمريكا لصالح الشركات الأمريكية، وتعمل الآن على مد خطوط الإمدادات إلى المحيط الأطلسي لنقل هذا البترول.

 

وأما المخزون النفطي في السودان فهائل حسب الاكتشافات الحديثة، ولكنه لم يُستخرج الآن لضعف القدرات التنفيذية للشركات الصينية والماليزية، ولأن المنطقة ما زالت منطقة حروب، ولا يستبعد أثر ضغط الشركات على الإدارة الأمريكية من أجل أن تساعد في إنهاء الخلاف بين حركة قرنق والحكومة السودانية لتستقر المنطقة، حتى تَستثمر هذا المخزون النفطي الضخم.

 

وبذلك تستطيع أمريكا أن تتحكم بالعالم من خلال التحكم بمخزونات الطاقة العالمية في ظل حضارة يسيرها النفط.

 

وإذا سيطرت أمريكا على مخزونات النفط العالمية تحكمت في العالم، فليست بحاجة فيما بعد أن تشعل حرباً باردة مع أي دولة كبرى تنافسها.

 

وهذا يعني أن مفهوم الأمن الأمريكي المستقبلي يمكن أن يتغير من كونه قائماً على الآلة العسكرية وسباق التسلح فقط، إلى التحكم بالنفط والتلويح بحرب النفط على أية دولة. فهي إذاً فرصتها للسيطرة المباشرة على مصادر الطاقة قبل أن تنشأ قوى أخرى تنافسها على ذلك أو لا تسمح لها بالتفرد بالسيطرة مثل أوروبا الموحدة تقودها فرنسا وألمانيا أو الصين في المستقبل، وبالذات لو تم شيء من التفاهم أو التحالف بينها وبين روسيا أو اليابان.

 

ومن هنا ندرك لماذا هذه المعارضة الشديدة للحرب من ألمانيا وفرنسا اللتين تسعيان جاهدتين لإقامة أوروبا الموحدة بعيداً عن أمريكا، بل ربما يوماً ما في مواجهتها، وهما يدركان ماذا يعني سيطرة أمريكا على احتياطي النفط العالمي في القرن القادم، وبالذات أن الفريق الحاكم في أمريكا يسيطر عليه رجالات النفط ومديرو شركاته الكبرى في العالم.

 

خامساً: من أهداف هذه الحرب أيضاً: إثارة القلاقل في دول المنطقة بين الأنظمة من جهة، بإثارة بعضها ضد البعض الآخر وتخويف بعضها من بعض، وبين الأنظمة والشعوب من جهة أخرى، من خلال استفزاز الشعوب بالوجود الأمريكي في المنطقة، ومن خلال الأعباء الاقتصادية المترتبة على الحرب وعلى الوجود العسكري الأمريكي بعد الحرب، مما يؤثر على معيشة الناس وحياتهم.

 

وبعدها تتمكن الولايات المتحدة من إجراء تغييرات جوهرية في البناء السياسي والثقافي، وحتى الشرعي في منطقة الخليج.

 

سادساً: ضرب القوة الاقتصادية للدول الخليجية، والتي كان لها أبلغ الأثر في دعم البنية التحتية للصحوة الإسلامية على مستوى العالم من مساجد ومراكز ومدارس وجامعات ومجلات وكتاب وشريط، وغير ذلك، بالإضافة لما تمثله من دعم لدول المواجهة مع إسرائيل وللشعب الفلسطيني، ومن تنمية لشعوب المنطقة، ومن ثم ضرب الصحوة الإسلامية على امتداد الساحة العالمية والتي كان لمنطقة الخليج الدور الأكبر في دعمها ونشرها، مما سيؤدي إلى ردود فعل عنيفة واستهلاك للجهود في الصراع الداخلي.

 

سابعاً: فرض الصلح بين العرب وإسرائيل بما يحقق الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة، ويضمن لها الاستقرار المستقبلي، وتدشين ما سمي بالشرق الأوسط الجديد بديلاً للروابط الدينية والقومية.

 

ثامناً: من أهداف الحرب أيضاً: القضاء على جميع ألوان الاستقلال في المنطقة محاولة القضاء على كل قرار مستقل لا يقبل الضغط الأمريكي، فأمريكا لا تريد أن يكون هناك استقلال في العمل، أو استقلال في التخطيط، أو استقلال في الصناعة، أو استقلال في امتلاك الأسلحة أو غيرها من صور الاستقلال إلا بعد موافقتها ومباركتها.

 

(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)[الأنفال: 30].

 

(إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا)[الطارق:15-17].

 

نسأل الله -عز وجل- أن يكفينا شرهم، وأن يرد كيدهم في نحورهم.

 

نفعني الله وإياكم...

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه ...

 

أما بعد:

 

ومن أهداف هذه الحرب أيضاً إضافة إلى ما سبق:

 

تاسعاً: في الحرب تحقيق لبرنامج اليمين المتطرف الذي يحكم أمريكا اليوم، والذي يرى أن أمريكا يجب أن تسيطر على العالم وتحكمه وتفرض عليه القيم الأمريكية، وما سُمي بحرب الإرهاب وبعده العولمة، والآن حرب العراق وما سيلحق بها، إلا تعبير عن هذا التوجه اليميني العنصري المتطرف في السياسة الأمريكية الذي هو أشد عنصرية من النازية والفاشية.

 

والحرب العراقية تعتبر خطوة في هذا الطريق العنصري الظلامي، وفرصة لسدنة هذه الإيدلوجيا في السياسة الأمريكية لتحقيق طموحاتهم: أن الفئة المتنفذة في الحزب الجمهوري في أمريكا من أيام ريجان إلى اليوم هي طائفة "الإنجيليون" إحدى فرق البروتستانت، وأهم عقائد هذه الطائفة ذات الأثر البالغ في حكم أمريكا هي: عودة المسيح بعد قيام دولة إسرائيل والمعركة الكبرى الفاصلة، وتدمير أكثر العالم تمهيداً لتلك العودة المزعومة التي ستحكم العالم ألف عام -كما يزعمون- وهم بهذه الرؤى التوراتية الإنجيلية يقودون قوة أمريكا الغاشمة لتدمير العالم، ولتكن البداية من خلال العراق.

 

عاشراً: لقد أعلنت أمريكا حرباً عالمية على ما أسمته بالإرهاب، وقادت العالم وراءها رغباً ورهباً على رجل واحد معه بضع مئات من الشباب لم يدخل أحد منهم يوماً كلية عسكرية، ولم يَقُد بارجة حربية، وأعلن رئيس أكبر وأقوى دولة في العالم أنه يقود حرباً صليبية عالمية للحصول على هذا الرجل حياً أو ميتاً.

 

وها نحن بعد قرابة عامين نرى أن الرجل ما زال حياً ولم يقبض عليه، وفي كل يوم تعلن أمريكا لشعبها النذير والتحذير من احتمال ضربة جديدة، فيعيش الشعب الأمريكي في الرعب والخوف، أين الأقمار الصناعية والطائرات التي تصور كل شبر في أفغانستان؟ أين أجهزة الاستخبارات الرهيبة التي لا تخفى عليها خافية؟ أين مليارات الدولارات والجيوش الجرارة؟ أليس هذا هو الفشـل الذريع بعينه؟

 

إن الحكومة الأمريكية وآلة الحرب والعنجهية في أشد الحاجة إلى نصر سهل يحفظ ماء الوجه، ويعيد لأمريكا هيبتها عالمياً ولحكومتها مصداقيتها لدى الشعب الأمريكي، وفي تقديرهم أن حرباً خاطفة في العراق ستة أيام كما قال وزير دفاعهم كفيلة بتحقيق ذلك كله، ولعل تقدير رب العالمين غير تقدير الطاغية فرعون أمريكا وزبانيته، فتكون قاصمة الظهر لهم وما ذلك على الله بعزيز.

 

الحادي عشر: منذ الحادي عشر من سبتمبر والاقتصاد الأمريكي يتلقى الضربات تلو الضربات، فمن خسائر باهظة في سوق الأسهم الأمريكية، إلى إفلاس شركات الطيران والإلكترونيات، إلى تسريح مئات الآلاف من العاملين إلى فضائح شركات المحاسبة، وغيرها من الشركات ذات الصلة بالرئيس الأمريكي ونائبه، كل هذا أدخل الاقتصاد الأمريكي في تذبذبات سيكون لها أوخم العواقب في المستقبل -إن شاء الله- والحكومة في حاجة إلى ملهاة للشعب الأمريكي حتى تعيد ترتيب أوراقها في محاولة لسد العجز في الميزانية ومعالجة المشكلات، ولو كانت الأمور طبيعية لكان حساب الشعب لهم عسيراً، وفي الحرب العراقية تحقيق لهذا الإلهاء، بالإضافة لدغدغة المشاعر الصليبية والعواطف الاستعمارية الأمريكية، فلتكن الحرب هي المخرج إذاً في نظر صنّاع القرار الأمريكي، ولتكن دماء الشعوب ومصالحها وضرورات وجودها أوراقاً على طاولة القمار السياسي الأمريكي.

 

الثاني عشر: أيضاً من أهداف هذه الحرب: ما تصرح به المعلومات المتسربة في أمريكا من هنا وهناك بعزم أمريكا على السعي لتغيير العديد من أنظمة وحكومات المنطقة، أو على الأقل تغيير القائمين على تلك الحكومات من داخل النظام نفسه، وسيكون بالون الاختبار لهذه العملية هو العراق، ليكون مركز العمليات والمنصة التي ستدار منها العملية بعد ذلك في البلدان الأخرى.

 

أيها المسلمون: ما سبق من نقاط ما هو إلاّ تحليل بشري، هل تتمكن أمريكا من تحقيق أهدافها كله أو بعضه، أو لا يتحقق شيء؟

 

كل هذا علمه عند الله -عز وجل-، لكن نسأل الله -تعالى- أن لا يكون.

 

أيها المسلمون: وأما عن ما بوسعنا أن نفعله للعراق، فهو حديثنا -إنا شاء الله تعالى- الجمعة القادمة.

 

اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين.

 

اللهم أعز الإسلام، وانصر المسلمين، اللهم أعز الإسلام، وانصر المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، والكفرة الملحدين، واحم حوزة الدين.

 

اللهم منـزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اللهم إن النصارى واليهود قد طغوا وبغوا وأسرفوا، وأفسدوا واعتدوا، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، وألق الرعب في قلوبهم، واجعلهم غنيمة للمسلمين، وعبرة للمعتبرين.

 

اللهم عليك بهم وبمن شايعهم وعاونهم وحماهم، يا أكرم الأكرمين.

 

اللهم احقن دماء المسلمين، وصن أعراضهم، واحفظ أموالهم وديارهم من كل معتد ظلوم يا رب العالمين.

 

اللهم احقن دماء المسلمين في العراق وفلسطين، والشيشان وأفغانستان والفلبين وكشمير، وفي كل مكان يا رب العالمين.

 

ربنا إنك آتيت أمريكا وحلفائها زينة وأموالاً في الحياة الدنيا، ربنا ليضلوا عن سبيلك، ربنا اطمس على أموالهم، واشدد على قلوبهم، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم.

 

اللهم دمر دولهم، وأهلك أممهم، واكسر صليبهم، وأهلك خضراءهم، وأرنا فيهم ما أريت موسى وهارون في فرعون وقارون وهامان.

 

اللهم أرنا في فرعون أمريكا ما أريت محمداً -صلى الله عليه وسلم- وأبا بكر وعمر وعثمان وعلي في أبي جهل وأبي لهب وأمية بن خلف، إنك بالإجابة جدير وعلى ذلك قدير.

 

اللهم أرنا مصارع قادة النصارى، اللهم عليك بقادتهم وطواغيتهم يا رب العالمين.

 

اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الشرك والزيغ والشر والفساد والعناد، وانشر رحمتك على العباد والبلاد، يا من له الدنيا والآخرة وإليه المعاد.

 

اللهم ابعث في قلوب أبناء المسلمين حب الجهاد، وهيئ لهم أسبابه ليغزو في سبيلك ويضربوا أعناق النصارى، ويطؤون أراضيهم بعز الإسلام والمسلمين.

 

اللهم ما دعوناك في هذه الساعة فأجبنا، وما لم ندعك فأنت أعلم بحاجاتنا في صدورنا.

 

اللهم صل على محمد ...

 

 

المرفقات

الغزو الأمريكي للعراق

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات