العارض الممطر

صالح بن عبدالله بن حمد العصيمي

2017-01-28 - 1438/04/30
عناصر الخطبة
1/ إنزال الله تعالى الأمطار إنعاما أو انتقاما 2/ الهدي النبوي في مخافة نزول الأمطار عذابا 3/ ضرورة اليقين بأن المطر من الله وحده 4/ الهدي النبوي عند نزول المطر

اقتباس

فحقيق بالعبد إذا شهد هذه الآية أن يعظم قدرها، وأن يعرف عند الله رتبتها، وأن الله -سبحانه وتعالى- تارة يفيض بها إنعاما وإحسانا، وتارة يجعلها -سبحانه وتعالى- سوط عذاب إخضاعا وانتقاما؛ فتمتلئ القلوب بتعظيم علام الغيوب، ومعرفة قدره -سبحانه وتعالى- في تدبير الأقدار، وإحسان الاختيار، وأنه ينعم بحكمة ويعذب بحكمة، فيرجو العبد نعمته ويخاف عذابه.

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

 

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

أيها المؤمنون: اتقوا الله وتوبوا إليه واستغفروه؛ (يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا) [نوح:11-12].

 

ثم اعلموا -رحمكم الله- أن المطر آية من آيات الله العظيمة، يجعلها الله -عز وجل- تارة فضلا وإنعاما، ويجعلها الله -عز وجل- تارة عذابا وانتقاما، قال الله -تعالى-: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) [الأحقاف:24-25].

 

وقال -تعالى- (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ) [ق:9]، وقال -تعالى-: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا) [الفرقان:48-49].

 

الله -سبحانه وتعالى- ينزل المطر تارة إنعاما منه وتفضلا على خلقه، وتارة يجعله الله -عز وجل- سوط عذاب.

 

ولما عرف النبي -صلى الله عليه وسلم- حقيقة التدبير الإلهي للمطر كان إذا رأى سحابا أقبل وأدبر، وتغير وجهه، وعرفت في وجهه الكراهية، فسألته عائشة فقالت: "يا رسول الله، إن الناس إذا رأوا الغيم استبشروا، وإنك إذا رأيت الغيم عرفت في وجهك الكراهية"، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "يَا عَائِشَةُ، مَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ؟ قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا هذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا!".

 

فحقيق بالعبد إذا شهد هذه الآية أن يعظم قدرها، وأن يعرف عند الله رتبتها، وأن الله -سبحانه وتعالى- تارة يفيض بها إنعاما وإحسانا، وتارة يجعلها -سبحانه وتعالى- سوط عذاب إخضاعا وانتقاما؛ فتمتلئ القلوب بتعظيم علام الغيوب، ومعرفة قدره -سبحانه وتعالى- في تدبير الأقدار، وإحسان الاختيار، وأنه ينعم بحكمة ويعذب بحكمة، فيرجو العبد نعمته ويخاف عذابه. فنسأله -سبحانه وتعالى- أن يكون الغيث إنعاما وإحسانا، وأن لا يكون عذابا وانتقاما.

 

أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، رب السماوات ورب الأرض رب العرش العظيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أيها المؤمنون: إن نزول المطر فرقان بين المؤمنين والكافرين، ففي الصحيحين أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- صَلاَةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟"، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ".

 

وإن مما ملئت به قلوب الناس وتتبعته نفوسهم تلك التقارير الصادرة عن مراكز المناخ والطقس، وإنها وإن كانت ترجع إلى أسباب معلومة مدركة هي كلها بتدبير الله -سبحانه وتعالى-، لكن ينبغي أن تمتلئ القلوب باليقين بأن المطر من الله -سبحانه وتعالى-؛ فإنه قد تنعقد الأسباب ثم يسلبها الله -سبحانه وتعالى- ما جعل لها من التأثير، فإن الله -عز وجل- لما ألقي إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- في نار تتلظى وتحرق سلبها الله -تعالى- تأثير الإحراق وقال: (يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) [الأنبياء:69].

 

فتلك التقارير الصادرة من تلك المراكز إنما هي شيء يعلمه الإنسان، لكن لا ينبغي أن يعقد عليه آمال قلبه حتى ترى الناس وهم يتنادون بنزول المطر قطعا، وحصول الخير جزما، وهم لا يعلمون أن الأمر أمر الله -سبحانه وتعالى- فما أراده الله -سبحانه وتعالى- كان...

 

فاملؤوا -أيها المؤمنون- قلوبكم بالإقبال على الله -سبحانه وتعالى-، والثقة به، وانتظار الفرج والخير منه -سبحانه وتعالى-، وأنما يعلم من الأسباب المعلومة فهي من جملة قدر الله -عز وجل- الذي يصرفه -سبحانه وتعالى- كيفما شاء.

 

ثم ادعوا -رحمكم الله- بما كان يدعو به نبيكم -صلى الله عليه وسلم-، فإنه إذا كان نزل المطر قال "اللهم صيبا نافعا"، ومن سنته -صلى الله عليه وسلم- أن يقول العبد: "مطرنا بفضل الله ورحمته"، فإذا كثر المطر دعا بقوله: "اللهم حوالينا ولا علينا"، فاقتدوا بنبيكم -صلى الله عليه وسلم-، علقوا قلوبكم بربكم -سبحانه وتعالى-.

 

اللهم أنزل علينا الغيث، اللهم أنزل علينا الغيث، اللهم أنزل علينا الغيث.

 

 

المرفقات

الممطر

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات