الطلقاء

زياد الريسي - مدير الإدارة العلمية

2021-10-15 - 1443/03/09 2021-10-12 - 1443/03/06
عناصر الخطبة
1/مكانة النبي الكريم عند قومه قبل بعثته 2/تكذيب قريش للنبي صلى الله عليه وسلم وصدهم دعوته وصموده أمامهم 3/الإذن بالهجرة للمدينة وحزن النبي على فراق مكة وأمله بالعودة فاتحا 4/الخطوات التي اتخذها النبي القائد حال وصوله المدينة 5/البشرى بدخول مكة والاستعداد لها 6/النبي القائد يدخل مكة سلما ومشهد الشكر والفرح يملأ الأجواء 7/ذلة قريش وانكسارها والقائد يصدر عفوه العام للطلقاء رغم ما فعلوه 8/موقف الدول المتحضرة في حروبها من حقوق الإنسان.

اقتباس

نَعَمْ، أَصْدَرَ عَفْوَهُ عَلَى قَوْمِهِ رَغْمَ مَا أَلْحَقُوهُ بِهِ وَدَعْوَتِهِ مِنْ أَذًى، مُثْبِتًا لَهُمْ أَنَّ دَعْوَتَهُ رَحْمَةٌ، وَأَنَّهُ مَا جَاءَ مُنْتَقِمًا وَلَا مُعَاقِبًا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى إِنْزَالِ أَقْصَى الْعُقُوبَاتِ بِمَنْ تَلَطَّخَتْ أَيْدِيهِمْ بِدَمٍ وَظُلْمٍ، وَقَدْ تَرَتَّبَ عَلَى هَذَا الْعَفْوِ الْعَامِّ حِفْظُ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ...

الخطبة الأولى:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ أَعَزَّ الطَّائِعِينَ، وَأَوْرَثَهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَأَذَلَّ الْمُعْرِضِينَ وَأَوْرَدَهُمْ دَارَ الْجَحِيمِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى قَائِدِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ، وَصَاحِبِ اللِّوَاءِ يَوْمَ الدِّينِ، وَعَلَى صَحَابَتِهِ وَالتَّابِعِينَ.

 

أَيُّهَا النَّاسُ: عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ؛ فَفِي تَقْوَاهُ سَعَادَةُ الدُّنْيَا وَفَوْزُ الْأُخْرَى، وَاحْذَرُوا مَعْصِيَتَهُ فَلِأَصْحَابِهَا فِي الدُّنْيَا الْهَوَانُ وَفِي الْأُخْرَى الذِّلَّةُ الْخُسْرَانُ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]؛ أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: عَاشَ بَيْنَهُمْ مَعْرُوفٌ حَسَبُهُ وَنَسَبُهُ وَخَلْقُهُ وَخُلُقُهُ؛ فَبَهَرَهُمْ حُسْنُ سِيرَتِهِ، وَأَعْجَبَهُمْ لُطْفُ مَعْشَرِهِ، وَجَذَبَهُمْ صِدْقُ حَدِيثِهِ وَأَمَانَتُهُ؛ فَاسْتَحَقَّ بِجَدَارَةٍ لَقَبَ (الصَّادِقِ الْأَمِينِ)، وَأَجْمَعَ الْكُلُّ عَلَى وَصْفِهِ بِذَلِكَ، وَمَا إِنْ خَصَّهُ رَبُّهُ مِنْ بَيْنِهِمْ بِرِسَالَتِهِ وَاصْطَفَاهُ عَلَيْهِمْ بِنُبُوَّتِهِ (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ)[الْمُدَّثِّرِ: 1-2]؛ فَقَامَ فِيهِمْ بَشِيرًا وَنَذِيرًا يُبَلِّغُهُمْ مَا أُمِرَ بِهِ حَتَّى تَنَكَّرُوا لِصِدْقِهِ وَانْقَلَبُوا عَلَى أَمَانَتِهِ؛ فَقَالَ أَشْقَاهُمْ: "تَبًّا لَكَ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا" فَتَبَّتْ يَدَاهُ وَأُصْلِيَ وَامْرَأَتُهُ هَاوِيَةً، فَكَانَتْ أُمَّهُ وَمَثْوَاهُ.

 

وَمِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ الْفَاصِلَةِ حَمَلُوا عَلَى عَاتِقِهِمْ عَدَاءَهُ وَتَكْذِيبَهُ فَقَعَدُوا لَهُ بِكُلِّ صِرَاطٍ يَصُدُّونَ عَنْهُ مَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَ، وَيُنَكِّلُونَ مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ وَتَابَعَ، وَيُحَرِّضُونَ عَلَيْهِ كُلَّ سَفِيهٍ وَبَاغٍ، بَيْنَمَا اسْتَمَرَّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- بِمُهِمَّتِهِ دُونَ اكْتِرَاثٍ أَوْ تَرَدُّدٍ؛ فَزَادَ حَنَقُهُمْ وَجَاهَرُوا بِعَدَاوَتِهِمْ جُحُودًا مِنْهُمْ وَاسْتِكْبَارًا، بَعْدَ أَنِ اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ؛ بَيْنَمَا أَعْلَنَهَا مُدَوِّيَةً: "لَنْ أَتْرُكَهَا حَتَّى أُبَلِّغَهَا أَوْ أَهْلَكَ دُونَهَا".. فَمَا زَالُوا بِهِ تَكْذِيبًا وَإِعْرَاضًا وَتَعَنُّتًا وَاسْتِفْزَازًا وَتَهَكُّمًا وَازْدِرَاءً حَتَّى اضْطَرُّوهُ لِلْهِجْرَةِ وَمُغَادَرَةِ الدِّيَارِ وَتَرْكِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ.

 

عِبَادَ اللَّهِ: وَبَعْدَ صُنُوفِ الْإِعْرَاضِ وَالتَّكْذِيبِ وَأَلْوَانٍ مِنَ السُّخْرِيَةِ وَالْأَذَى لَهُ وَلِأَتْبَاعِهِ يَأْتِي إِذْنُ رَبِّهِ لَهُ بِالرَّحِيلِ لِيُهَاجِرَ عَنِ الْأَرْضِ الْمُبَارَكَةِ وَالْبَلْدَةِ الطَّيِّبَةِ؛ أَرْضِ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ وَتُرْبَةِ طُفُولَتِهِ وَرَيْعَانِ شَبَابِهِ وَمَهْبِطِ وَحْيِهِ وَاصْطِفَائِهِ، وَتَحِينُ سَاعَةُ الْفِرَاقِ وَمَوْعِدُ الْمُغَادَرَةِ فَيَلْتَفِتُ إِلَيْهَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا وَأَهْلُهَا الْتِفَاتَةَ الْمُوَدِّعِ الْأَسِيفِ، بِنَظْرَةِ الْمَكْلُومِ الْحَزِينِ، وَالْعَبْرَةُ تَخْنُقُهُ وَالْعِبَارَةُ تَغُصُّهُ؛ قَائِلًا: "وَاللَّه إِنَّكِ لَأَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَيَّ وَلَوْلَا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي مَا خَرَجْتُ".

 

وَيُفَارِقُهَا الرَّسُولُ الْأَمِينُ، وَقَلْبُهُ مَمْزُوجٌ بَيْنَ أَلَمِ الْفِرَاقِ وَأَمَلِ الرُّجُوعِ، وَبَيْنَ أَسَفِ الطَّرْدِ وَخُطَّةِ الِانْتِصَارِ وَالْفَتْحِ؛ وَلَمْ يَزَلْ مُتَشَوِّقًا لَهَا مُذْ فَارَقَهَا حَتَّى عَادَ إِلَيْهَا فَاتِحًا مُنْتَصِرًا؛ (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا)[الْفَتْحِ: 1].

 

وَيُكَفْكِفُ الْمُوَدِّعُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دُمُوعَهُ وَيُلَمْلِمُ أَحْزَانَهُ وَيُهَاجِرُ وَأَصْحَابُهُ، فَيَمَّمُوا يَثْرِبَ لِتُصْبِحَ بَعْدَهَا الْمَدِينَةَ النَّبَوِيَّةَ؛ فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ أَهْلِهَا الْأَنْصَارِ وَالْوَافِدِينَ إِلَيْهَا الْمُهَاجِرِينَ الْأَبْرَارِ.

 

مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ: وَمُنْذُ أَنْ حَطَّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- رِحَالَهُ حَتَّى اتَّخَذَ عِدَّةَ خُطُوَاتٍ عَاجِلَةٍ كَعَوَامِلَ مُهِمَّةٍ لِبِنَاءِ الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ النَّاشِئَةِ؛ لِتَكُونَ لَبِنَاتٍ مَتِينَةً لِخَلْقِ كِيَانٍ قَوِيٍّ مُتَمَاسِكٍ؛ فَبَنَى الْمَسْجِدَ، وَعَقَدَ التَّحَالُفَاتِ وَالْمُعَاهَدَاتِ مَعَ قَبَائِلِ الْيَهُودِ، وَآخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّرْتِيبَاتِ.

 

وَتَمْضِي الْأَيَّامُ سِرَاعًا وَتَزْدَادُ الدَّوْلَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ النَّاشِئَةُ قُوَّةً وَانْتِشَارًا وَعِزَّةً وَشَأْنًا؛ وَيُرْسِلُ الْقَائِدُ الْأَعْلَى سَرَايَاهُ لِعَدَدٍ مِنْ قَبَائِلِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ، كَمَا خَاضَ غَزَوَاتٍ عِدَّةً شَارَكَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي بَعْضِهَا بِنَفْسِهِ كَقَائِدٍ أَعْلَى، كَانَ مِنْهَا دِفَاعِيَّةٌ وَمِنْهَا اسْتِبَاقِيَّةٌ، الْتَحَمَ فِيهَا جَيْشُ الْإِسْلَامِ بِجَيْشِ الْكُفْرِ، تُمَثِّلُهُ قُرَيْشٌ رَأْسُ الْكُفْرِ وَعَمُودُهُ، يَنْتَصِرُ الْحَقُّ فِي أَكْثَرِهَا.

 

عِبَادَ اللَّهِ: وَمَعَ مُرُورِ الْأَيَّامِ تَزْدَادُ الْغَلَبَةُ لِلْإِسْلَامِ وَيَمْتَلِكُ شَرْعِيَّةً وَقُوَّةً، بَيْنَمَا تَضْعُفُ قُرَيْشٌ وَتَفْقِدُ سِيَادَتَهَا؛ مِمَّا اضْطَرَّهَا لِأَنْ تَعْقِدَ تَحَالُفَاتٍ مَعَ قَبَائِلَ أُخْرَى كَغَطَفَانَ وَثَقِيفٍ وَغَيْرِهَا، بَلْ دَفَعَهَا كِبْرُهَا أَنْ تَتَحَالَفَ مَعَ الْيَهُودِ عَلَى صَاحِبِهَا (النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ) الْمُنْتَسِبِ لَهَا، وَمَنْ عَاشَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهَا؛ بَيْنَمَا كَانَ الْمُفْتَرَضُ أَنْ يَجِدَ مِنْهَا اسْتِجَابَةً وَتَصْدِيقًا وَمَنَعَةً وَسَنَدًا؛ فَهُوَ مَنْ سَيَزِيدُهَا فَخْرًا إِلَى فَخْرِهَا وَشَأْنًا إِلَى شَأْنِهَا؛ لَكِنَّهَا تَنَكَّرَتْ لِهَذَا الْفَضْلِ وَتَوَلَّتْ، فَسَخَّرَ لَهُ الْمَدِينَةَ، وَتَبَوَّأَ مِنْهَا مَنْزِلًا وَاتَّخَذَهَا مُنْطَلَقًا لِدَعْوَتِهِ.

 

وَتَحِينُ سَاعَةُ الصِّفْرِ وَتَأْتِي الْبُشْرَى عَلَى صُورَةِ رُؤْيَا صَادِقَةٍ وَبُشْرَى حَقَّةٍ، يَرَاهَا النَّبِيُّ الْقَائِدُ فِي مَنَامِهِ بِدُخُولِهِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَأَصْحَابِهِ؛ (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ)[الْفَتْحِ: 27]؛ فَيُخْبِرُ النَّبِيُّ صَحَابَتَهُ الْمُتَشَوِّقِينَ أَنْ يَتَجَهَّزُوا لِمَعْرَكَةٍ لَمْ يُحَدِّدْ لَهُمْ وُجْهَتَهَا، وَجَهَّزَ الْقَائِدُ جَيْشَهُ وَوَزَّعَ كَتَائِبَهُ وَعَبَّأَ أَفْرَادَهُ وَيَمَّمَ مَكَّةَ الْبَلَدَ الْحَرَامَ الَّتِي تَعِيشُ تَحْتَ وَطْأَةِ الْوَثَنِيَّةِ وَرِجْسِ الْجَاهِلِيَّةِ؛ لِيُطَهِّرَهَا مِنْ وَثَنِيَّتِهَا وَيُحَرِّرَهَا مِنْ أَصْنَامِهَا وَيَفُكَّ عَنْهَا أَغْلَالَهَا، وَيُفَرِّجَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الْهِجْرَةِ عَنْهَا.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَيَسِيرُ الْجَيْشُ الْإِسْلَامِيُّ الْعَظِيمُ يَنْشُدُ الْفَتْحَ لَا الْحَرْبَ، وَيَدْخُلُ مَكَّةَ فِي مَنْظَرٍ مَهِيبٍ أَرْعَبَ مَنْ رَآهُ، وَمَشْهَدٍ عَظِيمٍ أَوْقَفَ مَنْ سَمِعَ بِهِ، وَهُنَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو سُفْيَانَ عَنْ عَجِيبِ مَا رَآهُ؛ فَبَعْدَ إِسْلَامِهِ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِلْعَبَّاسِ: "احْبِسْهُ بِمَضِيقِ الْوَادِي، حَتَّى تَمُرَّ بِهِ جُنُودُ اللَّهِ فَيَرَاهَا"، قَالَ: "فَخَرَجْتُ حَتَّى حَبَسْتُهُ حَيْثُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَمَرَّتِ الْقَبَائِلُ عَلَى رَايَاتِهَا، كُلَّمَا مَرَّتْ قَبِيلَةٌ قَالَ: "يَا عَبَّاسُ مَنْ هَذِهِ؟"، فَيُجِيبُهُ الْعَبَّاسُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: حَتَّى مَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ، فِيهَا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، لَا يُرَى مِنْهُمْ إِلَّا الْحَدَقُ مِنَ الْحَدِيدِ، قَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ يَا عَبَّاسُ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟"، قَالَ: قُلْتُ: "هَذَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ"، قَالَ: "مَا لِأَحَدٍ بِهَؤُلَاءِ قِبَلٌ وَلَا طَاقَةٌ"، ثُمَّ قَالَ: "وَاللَّهِ يَا أَبَا الْفَضْلِ لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابْنِ أَخِيكَ الْيَوْمَ عَظِيمًا"، قَالَ: قُلْتُ: "يَا أَبَا سُفْيَانَ: إِنَّهَا النُّبُوَّةُ"، قَالَ: "فَنَعَمْ إِذَنْ"، قَالَ: قُلْتُ: "النَّجَاءَ إِلَى قَوْمِكَ".

 

وَيَدْخُلُ جَيْشُ الْإِسْلَامِ مَكَّةَ مِنْ مَدَاخِلِهَا الْأَرْبَعَةِ سِلْمًا وَدُونَ مُوَاجَهَةٍ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا خَالِدٌ؛ حَيْثُ وَقَعَ عِنْدَهَا مُنَاوَشَاتٌ لَمْ تَطُلْ، وَيَسْبِقُ أَبُو سُفْيَانَ الْجَيْشَ لِيُنْذِرَ أَهْلَ مَكَّةَ بِأُمُورٍ ثَلَاثٍ صَوْنًا لِأَنْفُسِهِمْ، وَمَا دُونَهَا الْقَتْلُ؛ فَنَادَى فِي النَّاسِ: "أَنَّ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ دُونَهُ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ وَضَعَ سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ"، فَلَمْ تَجِدْ قُرَيْشٌ بُدًّا مِنْ هَذِهِ الْخِيَارَاتِ.

 

وَيَدْخُلُ النَّبِيُّ الْفَاتِحُ وَجَيْشُهُ الْبَيْتَ مُظَفَّرًا شَاكِرًا لِلَّهِ قَدْ عَلَتْهُ السَّكِينَةُ؛ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَجَعَلَ يَكْسِرُ الْأَصْنَامَ حَوْلَهُ وَهُوَ يُرَدِّدُ: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا)[الْإِسْرَاءِ: 81]، وَيَدْخُلُ الْكَعْبَةَ وَيُصَلِّي بِهَا شُكْرًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَعِشْرِينَ عَامًا مِنْ دَعْوَتِهِ، وَثَمَانِيَةِ أَعْوَامٍ بَعْدَ هِجْرَتِهِ.

 

عِبَادَ اللَّهِ: وَهُنَا يَأْمُرُ الْقَائِدُ الْأَعْلَى بِلَالًا أَنْ يَصْعَدَ عَلَى الْكَعْبَةِ لِيُؤَذِّنَ فِي الْجُمُوعِ؛ فَيُؤَذِّنُ وَيَجْتَمِعُ النَّاسُ وَفِيهِمْ عَتَاوِلَةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُ الشِّرْكِ قَدْ أَحْنَوْا رُؤُوسَهُمْ بَعْدَ بَطَرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَذَهَابِ شَرْعِيَّتِهِمْ؛ وَيَقِفُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ وَالْكُلُّ بَيْنَ يَدَيْهِ.

 

وَلَكُمْ -أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ- أَنْ تَتَخَيَّلُوا هَذَا الْمَوْقِفَ الْمَهِيبَ وَاللَّحْظَةَ الْفَارِقَةَ فِي تَارِيخِ الدَّعْوَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ؛ فَبِالْأَمْسِ الْقَرِيبِ لَمْ يَجِدْ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ مَوْضِعًا يَجْلِسُ فِيهِ، وَلَا مَأْمَنًا لِيُصَلِّيَ عِنْدَهُ، وَالْيَوْمَ مَنْ وَقَفَ فِي وَجْهِ دَعْوَتِهِ صِغَارٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، يَرْقُبُونَ الْحُكْمَ الصَّادِرَ بِحَقِّهِمْ!

 

أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ: (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ)[الْحَجِّ: 18].

 

قُلْتُ مَا قَدْ سَمِعْتُمْ، وَلِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ...

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ نَاصِرِ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى فَاتِحِ مَكَّةَ الْبَلَدِ الْأَمِينِ، وَعَلَى صَحَابَتِهِ أَجْمَعِينَ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَيَنْظُرُ النَّبِيُّ الْقَائِدُ إِلَى قُرَيْشٍ ذَلِيلَةً مُنْكَسِرَةً تَعِيشُ ذِكْرَيَاتِ ظُلْمِهَا وَتَفَاصِيلَ طُغْيَانِهَا سَنَوَاتٍ مِنَ الْإِيذَاءِ وَالتَّكْذِيبِ.. مِنَ الْعَدَاءِ وَالْحَرْبِ؛ (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ)[الْأَنْعَامِ: 66]، ثُمَّ الْيَوْمَ يُخْضِعُهَا اللَّهُ لَهُ وَيُسْلِمُهَا إِلَيْهِ؛ وَيُلْقِي النَّبِيُّ الْكَرِيمُ خِطَابَهُ التَّارِيخِيَّ عَلَيْهِمْ وَيَرْمِي عَلَيْهِمْ نَظَرَاتِهِ قَدْ كَسَاهُ اللَّهُ مَهَابَةً وَكَسَاهُمْ ذِلَّةً؛ فَيَسْأَلُهُمْ قَائِلًا: "مَا تَظُنُّونَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟"، فَيَقُولُونَ: "خَيْرًا أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ"؛ فَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ وَمُعَلِّمُ الْعَفْوِ وَأُسْتَاذُ الْمُرُوءَةِ، وَيُصْدِرُ عَفْوَهُ الْعَامَّ فِي اللَّحَظَاتِ الْأَخِيرَةِ قَائِلًا: "لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ".

 

نَعَمْ، أَصْدَرَ عَفْوَهُ عَلَى قَوْمِهِ رَغْمَ مَا أَلْحَقُوهُ بِهِ وَدَعْوَتِهِ مِنْ أَذًى، مُثْبِتًا لَهُمْ أَنَّ دَعْوَتَهُ رَحْمَةٌ، وَأَنَّهُ مَا جَاءَ مُنْتَقِمًا وَلَا مُعَاقِبًا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى إِنْزَالِ أَقْصَى الْعُقُوبَاتِ بِمَنْ تَلَطَّخَتْ أَيْدِيهِمْ بِدَمٍ وَظُلْمٍ، وَقَدْ تَرَتَّبَ عَلَى هَذَا الْعَفْوِ الْعَامِّ حِفْظُ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ، وَلَمْ يَفْرِضْ عَلَيْهَا خَرَاجًا كَالْمَنَاطِقِ الْأُخْرَى الَّتِي فَتَحَهَا عَنْوَةً؛ لِقُدْسِيَّتِهَا وَحُرْمَتِهَا.

 

أَيُّهَا النَّاسُ: ابْغُونِي قَائِدًا أَوْ حَاكِمًا كَمُحَمَّدٍ، مَثُلَ خُصُومُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ بَعْدَ أَعْوَامٍ مِنْ عَدَاوَتِهِ وَحَرْبِهِ وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِ؛ فَلَمَّا تَمَكَّنَ مِنْهُمْ أَصْدَرَ عَفْوَهُ الْعَامَّ عَلَيْهِمْ وَعَذَرَهُمْ فِيمَا فَعَلُوهُ بِهِ.

 

أَلَا فَلْتَسْأَلُوا قَادَةَ الْحُرُوبِ فِي عَالَمِنَا الْمُتَحَضِّرِ، سَلُوا الدُّوَلَ الَّتِي خَاضَتْ حُرُوبًا ضِدَّ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ تَعَامَلَتْ مَعَ الْأَسْرَى الْمُسْتَسْلِمِينَ وَالْعُزَّلِ الْمَدَنِيِّينَ وَالنِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ وَالْمُسِنِّينَ؟! اقْرَؤُوا التَّارِيخَ وَفَتِّشُوا فِي أَرْوِقَةِ الرِّوَايَاتِ سَتَجِدُونَ أَنَّ الْحُقُوقَ الَّتِي صَاغُوهَا عَنِ الطِّفْلِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمُسِنِّ وَالْأَعْزَلِ وَالْجَرِيحِ كُلُّهَا دِيسَتْ تَحْتَ جَنَازِيرِ الدَّبَّابَاتِ وَتَطَايَرَتْ مَعَ شَظَايَا الرَّاجِمَاتِ، وَاحْتَرَقَتْ مَعَ أَصْعِدَةِ لَهَبِ الْمُتَفَجِّرَاتِ، وَتَلَاشَتْ فِي الزَّنَازِينِ وَالْمُعْتَقَلَاتِ! اللَّهُمَّ فَاشْهَدْ.

 

أَلَّا هُبِّي يَا رِيَاحُ وَانْقُلِي يَا سَحَابُ، وَبُثِّي يَا وَسَائِلَ الْإِعْلَامِ كَيْفَ تَعَامَلَ قَائِدُنَا مُحَمَّدٌ مَعَ خُصُومِهِ بِرَحْمَةٍ وَمُرُوءَةٍ؛ "اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ"؛ فَهَلْ عَرَفْتُمْ مَنْ هُمُ الطُّلَقَاءُ الَّذِي أَطْلَقَهُمْ؟!

 

إِنَّهُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَدْمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ وَرَمَوْا سَلَا الْجَزُورِ عَلَيْهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فِي بَلَدِ اللَّهِ الْآمِنِ!

 

إِنَّهُمُ الَّذِينَ حَاصَرُوهُ فِي الشِّعْبِ ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ وَمَنَعُوا عَنْهُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا وَرَقَ الشَّجَرِ!

 

هُمُ الَّذِينَ بَصَقُوا فِي وَجْهِهِ الشَّرِيفِ بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي وَخَنَقُوهُ!

 

الطُّلَقَاءُ هُمُ الَّذِينَ سَامُوا أَصْحَابَهُ سُوءَ الْعَذَابِ قَتْلًا وَسَحْلًا وَسَجْنًا!

 

الطُّلَقَاءُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ وَسَخِرُوا مِنْهُ وَاتَّهَمُوهُ وَمَنَعُوا نَشْرَ دَعْوَتِهِ وَقَعَدُوا لَهُ كُلَّ مَرْصَدٍ!

 

الطُّلَقَاءُ الَّذِينَ أَهْدَرُوا دَمَهُ وَتَآمَرُوا عَلَى قَتْلِهِ فَتَرَقَّبُوهُ لَيْلًا يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَهُ مِنْ بَيْتِهِ!

 

هُمُ الَّذِينَ اضْطَرُّوا أَصْحَابَهُ لِلْهِجْرَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ وَاضْطَرُّوهُ وَأَصْحَابَهُ لِلْهِجْرَةِ لِلْمَدِينَةِ وَعَرَّضُوا حَيَاتَهُمْ لِلْمَهَالِكِ!

 

الطُّلَقَاءُ مَنْ وَعَدُوا مَنْ يُلْقِي الْقَبْضَ عَلَيْهِ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا بِـ (مِائَةٍ) مِنَ الْإِبِلِ!

 

الطُّلَقَاءُ مَنْ تَنَادَوْا لِبَدْرٍ بَطَرًا وَرِيَاءَ النَّاسِ لِحَرْبِهِ وَأَصْحَابِهِ!

 

الطُّلَقَاءُ مَنْ أَقَامُوا تَحَالُفَاتٍ لِحَرْبِهِ وَحَاصَرُوا الْمَدِينَةَ لِإِبَادَتِهَا مَعَ سَاكِنِيهَا!

 

نَعَمْ قَالَهَا "أَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ" لِهَؤُلَاءِ دُونَ مُجَازَاةٍ أَوْ عَتَبٍ؛ أَلَا فَلْيَتَعَلَّمْ قَادَةُ الْعَالَمِ وَتُجَّارُ الْحُرُوبِ، وَلْتَتَعَلَّمْ جِهَاتُ الضَّبْطِ الشَّرْعِيَّةُ وَالرَّسْمِيَّةُ وَالْقَبَلِيَّةُ الْعَفْوَ عِنْدَ الْمَقْدِرَةِ وَسَلَامَةَ الْقَلْبِ وَالْإِعْذَارَ خُصُوصًا لِأَصْحَابِ الْمَرُوءَاتِ.

 

أَلَا صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الرَّحْمَةِ الْمُهْدَاةِ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ مَا تَعَاقَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَمَا جَرَتْ سُحُبٌ بِالْغَيْثِ الْمِدْرَارِ.

 

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبَّ الْعَمَلِ الَّذِي يُقَرِّبُ إِلَى حُبِّكَ.

 

اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِهُدَاكَ، وَالْعَمَلِ فِي رِضَاكَ، وَجَنِّبْنَا سُخْطَكَ وَعِقَابَكَ.

 

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا.

 

وَأَقِمِ الصَّلَاةَ...

 

المرفقات

الطلقاء.pdf

الطلقاء.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات