الطريقة المثلى في فهم القرآن والسنة

علي باوزير

2016-05-31 - 1437/08/24
عناصر الخطبة
1/ ضوابط فهم القرآن والسنة 2/ خطورة التفرق في الدين والاختلاف فيه 3/ مفاسد سوء الفهم لكتاب الله ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم 4/ الطريقة المثلى في فهم القرآن والسنة 5/ عواقب سوء الفهم لكتاب الله ولسنة رسوله وآثاره 6/ مناظرة ابن عباس للخوارج ودلالات فقه النصوص الشرعية.

اقتباس

نظر الصحابة في أدلة القرآن والسنة فعظَّموها وقدَّموها وجعلوها قائدًا لهم إلى الحق، وصاروا من ورائها، نظروا في هذه الأدلة، فجمعوا بينها وألفوا ولم يضربوا بعضها ببعض ولم يعارضوا بعضها ببعض، بل جمعوا بين هذه النصوص والأدلة كلها، وفهموا مراد الله -عز وجل- ومراد رسوله منها.. فسَّروا القرآن بالقرآن، وفسَّروا السنة بالسنة، وفسَّروا القرآن بالسنة، وفسَّروا السنة بالقرآن، فجعلوا منها كلها جسدًا واحدًا متكاملاً، فلم يكن عندهم تعارض بين قرآن وسنة، ولم يكن بينهم تعارض بين آية وأخرى، ولا بين حديث وآخر، فقدموا هذا الدين في صورته الكاملة التي ليس فيها خلل ولا ذلل...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وتابعيهم وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

 

أما بعد: فإنَّ خير الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هديُ محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

وبعد أيها المسلمون عباد الله: تحدثنا في الخطبة الماضية عن كتاب الله وسُنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وأنهما مصدر هذا الدين، ومنهما تأخذ العقيدة والشريعة، وهما مرجع الأمة في جميع قضاياها وفي نزاعاتها وخلافاتها، وهما المصدر الباقي المحفوظ الذي تكفل الله -عز وجل- بحفظه فقال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9].

 

وببقائهما يبقى الدين محفوظًا، وبدوامهما ما زال هذا الدين موجودًا، ولكن ينبغي أن يعرف كل مسلم أن الكتاب والسنة ليسا كلأ مباح لأيّ أحد ليخوض فيهما؛ ففهمهما ينبغي أن يكون مضبوطًا بضوابط واضحة، والاستنباط منهما لا يكون لأي أحد من الناس فليس لأي أحد أن يأتي ويقول: أنا فهمت من القرآن كذا، أو فهمت من السن كذا، ثم يعمل ذلك بفهمه فيصير لكل واحد من المسلمين فهم مستقبل، ولكل فئة فهمها وطريقتها، ولكل مجموعة فهمها وطريقتها، فإن هذا نتيجته التفرق في الدين والاختلاف فيه، وهذا الذي حذَّر الله -سبحانه وتعالى- منه فقال: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)، وقال سبحانه: (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) [الروم: 31- 32].

 

ولما وجد مثل هذا في الأمة، وصارت كل فئة تتخذ لها منهجًا، وطريقة في فهم القرآن والسنة لوحدها لما وجد هذا حصل الافتراق الذي أخبر عنه الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فقال: "وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار"، أي كلها على ضلال "إلا واحدة"، قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: "الجماعة".

 

ما سبب هذا الافتراق معظم هذا الافتراق حين تتأمل وتتدبر فيه تجد أنه يرجع إلى سوء الفهم لكتاب الله ولسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

يرجع إلى أن كل طائفة وفئة جعلت لها طريقة في الفهم وصارت عليها، فحصل الافتراق ولم يسلم من هذا إلا الجماعة التي ذكرها النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهي جماعة المسلمين والسواد الأعظم منهم، وأولهم سلَف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن صار على طريقتهم من العلماء وأئمة الدين المعروفين كأئمة المذاهب الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم من علماء الأمة.

 

هم الذين سلموا من هذا الافتراق ومن هذا الخلل الذي وقعت فيه بقية الطوائف، الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم- الذين هم مرجع الأمة في فهم كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هم الذين عايشوا نزول الوحي، وعرفوا كل آية فيما نزلت وفيمن نزلت، وما المقصود بها، وما المراد منها.

 

هم أعلم الناس بمراد الله ومراد رسوله -صلى الله عليه وسلم-، يقول ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَأَسِّيًا فَلْيَتَأَسَّ بِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، وَأَقْوَمَهَا هَدْيًا، وَأَحْسَنَهَا حَالاً، قَوْم اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ وَاتَّبِعُوهُمْ فِي آثَارِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ".

 

وقد أحسن من قال:

وليس في الأمة كالصحابة *** في الفضل والمعروف والإصابة

فإنهم قد شاهدوا المختارا *** وعاينوا الأسرار والأنوارا

وجاهدوا في الله حتى بانا *** دين الهدي وقد سمي الأديانا

 

فطريقة الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم- في فهم القرآن والسنة هي الطريقة المثلى وهي السبيل القويم الذي من صار عليه اهتدى كما قال الله -عز وجل-: (فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا) [البقرة: 137].

 

وهم المؤمنون الذين من سلك غير سبيله ضل، كما قال الله -عز وجل-: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا) [النساء:115].

 

نظر الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم- في أدلة القرآن والسنة فعظَّموها وقدموها وجعلوها قائدًا لهم إلى الحق، وصاروا من ورائها، نظروا في هذه الأدلة، فجمعوا بينها وألفوا ولم يضربوا بعضها ببعض ولم يعارضوا بعضها ببعض، بل جمعوا بين هذه النصوص والأدلة كلها، وفهموا مراد الله -عز وجل- ومراد رسوله منها، وهم أهل اللسان العربي الفصيح الذي يعرف معاني القرآن ومعاني السنة حق المعرفة.

 

فسَّروا القرآن بالقرآن، وفسَّروا السنة بالسنة، وفسَّروا القرآن بالسنة، وفسَّروا السنة بالقرآن، فجعلوا منها كلها جسدًا واحدًا متكاملاً، فلم يكن عندهم تعارض بين قرآن وسنة، ولم يكن بينهم تعارض بين آية وأخرى، ولا بين حديث وآخر، فقدموا هذا الدين في صورته الكاملة التي ليس فيها خلل ولا ذلل، ليس فيها غلو ولا جفاء، ليس فيها إفراط ولا تفريط.

 

لم نسمع عن صحابي أنه كان عنده غلو في الدين، ولم نسمع كذلك عن صحابي أنه كان عنده تمييع للدين، بل كانوا على المنهج الحق الوسط، وعلى الصراط المستقيم، وصار من بعدهم التابعون وأتباعهم وعلماء الأمة على هذا الطريق الصحيح وعلى هذا الهدي القويم وعلى هذه الطريقة لفهم كتاب الله وفهم سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

 

ووُجد في الأمة من أخذ طرق أخرى غير هذه الطريقة الصحيحة وغير هذه الطريقة القويمة، وُجد في الأمة من يأخذ ببعض الكتاب دون بعض، من يأخذ ببعض أدلة الوحي دون بعض، يأخذ ما يريد ويترك ما لا يريد يأخذ ما يوافق هواه ويترك ما لا يوافق هواه ويقدمه على أنه دين الله -عز وجل- وليس إلا هوى متبع.

 

يقرأ قول الله -عز وجل-: (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ) [الماعون:4]، ولا يكمل الآية بعدها ولا يقرأ (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ)[الماعون:5]، حتى قال قائلهم:

دع المساجد للعباد تسكنها *** وطف بنا حول خمار ليسقينا

ما قال ربك ويل للذين سكروا *** ولكن قال ويل للمصلينا

 

وهكذا حال كثير من المنحرفين يأخذون جزء من الكتاب ويتركون جزءًا آخر كما قال -عز وجل- في شأن اليهود: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) [البقرة: 85].

 

يقرأ قول الله -عز وجل-: (نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الحجر:49]، ثم لا يقرأ بعدها (وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ) [الحجر:50].

 

يقرأ قول الله -عز وجل- (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، ولا يقرأ قبلها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ). [الحج: 77- 78].

 

فبسبب هذه الطريقة المنحرفة اجتزأ الدين اجتزأ، وجعل هذا الدين أقسامًا وفرَّقه الناس تفريقًا، وكل فئة وطائفة أخذت منه بما تريد، ولم يعد ذاك الدين الذي كان في عهد محمد -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه بسبب هذه الطريقة المنحرفة.

 

ومن طرائق المنحرفين كذلك: أنهم يأخذون بالآيات التي تحتمل عدة معاني مشتبهات ويتركون الآيات الواضحات البينات التي لا خلاف فيها ولا نزاع، وهؤلاء الذين قال الله فيهم -عز وجل- عنهم في سورة آل عمران: (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) أي أصل الكتاب مرجعه (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ).

 

الذين في قلوبهم مرض وانحراف (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) لا يأخذون بالآيات الواضحات لا يؤخذون بالأدلة المحكمات إنما يأخذون بالآيات المتشابهات التي يستطيعون أن يفسروها ويوجهوها على وفق أهوائهم وما يريدون (ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ) يريدون بذلك فتنة الناس عن دينهم، وإيهامهم أنهم يستدلون بالقرآن، فالمسلمون بفطرتهم لا يقبلون أن يأتيهم أحد ويقول عن شيء: إن هذا هو دين الله إلا إذا كان معه حجة من كتاب الله فيأتي هؤلاء الزائغون ببعض الآيات المتشابهات، ويقول: هذه حجتنا على ما نقول وما هو إلا تأويل وتحريف لكتاب الله -عز وجل-: (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ).

 

وأما أهل العلم ومن صار على طريقتهم فإنهم يأخذون بالآيات الواضحات يأخذون بالأحكام البينات (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا) [آل عمران: 7]، فإذا لم يفقهوا ما المراد من هذه الآية وكلوا علمها إلى الله -عز وجل- ولم يخوضوا فيما لا يعلمون.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارًا به وتوحيدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا مزيدًا.

 

وبعد: أيها الأحبة الكرام: إن سوء الفهم لكتاب الله ولسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- كان سببًا رئيسًا لظهور الفرق والطوائف والمذاهب المنحرفة، وكان سببًا رئيسًا لانحراف المفاهيم فأول طائفة نشأت في هذه الأمة التي هي طائفة الخوارج التي استباحت دماء المسلمين وكفرتهم لمجرد الوقوع في المعاصي التي لا تخرج الإنسان من دين الله -عز وجل-، كان سبب انحرافهم سوء فهمهم لكتاب الله -عز وجل-.

 

وقد جرت بينهم وبين ابن عباس -رضي الله عنه وأرضاه- مناظرة مشهورة تبيِّن هذا بجلاء، تبيِّن أن سبب انحرافهم سوء الفهم لكتاب الله.

 

هذه المناظرة ذكرها كثير من أئمة الحديث ورواها الإمام النسائي والحاكم وغيرهما، لما خرجت الخوارج اجتمعوا في منطقة، وكانوا ستة آلاف فجاءهم ابن عباس -رضي الله عنه وأرضاه- ليناظرهم فدخل عليهم وقال لهم: ماذا تنقمون على ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصهره والمهاجرين والأنصار؟

كان الخوارج قد كفروا علي رضي الله عنه وأرضاه وكفروا عامة المهاجرين والأنصار، فيقول لهم ابن عباس ماذا تنقمون عليهم؟ وما الذي تنتقدونه عليهم؟

فقالوا: نَنْقِمُ عَلَيْهِ ثَلاثًا، قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالُوا:

أَوَّلُهُنَّ أَنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: (إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ)[الأنعام: 57]، قَالَ: قُلْتُ: وَمَاذَا؟

قَالُوا: وَقَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، لَئِنْ كَانُوا كُفَّارًا لَقَدْ حَلَّتْ لَهُ أَمْوَالُهُمْ، وَلَئِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ لَقَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ دِمَاؤُهُمْ.

 قَالَ: قُلْتُ: وَمَاذَا؟ قَالُوا: وَمَحَا نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ أَمِيرُ الْكَافِرِينَ.

قَالَ: قُلْتُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَرَأْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الْمُحْكَمِ، وَحَدَّثْتُكُمْ مِنْ سُنَّةِ نَبِيِّكُمْ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا لا تُنْكِرُونَ، أَتَرْجِعُونَ؟ قَالُوا: نَعَمْ.

 قَالَ: قُلْتُ: أَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) [المائدة آية 95] إِلَى قَوْلِهِ: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) [المائدة آية 95] ، وَقَالَ فِي الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنَهُمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا) [النساء آية 35].

 

أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ أَحُكْمُ الرِّجَالِ فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَصَلاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ أَحَقُّ أَمْ فِي أَرْنَبٍ ثَمَنُهَا رُبْعُ دِرْهَمٍ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ وَصَلاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ. قَالَ: خَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.

 

وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ قَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، أَتَسْبُونَ أُمَّكُمْ، أَمْ تَسْتَحِلُّونَ مِنْهَا مَا تَسْتَحِلُّونَ مِنْ غَيْرِهَا؟ فَقَدْ كَفَرْتُمْ، وَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِأُمِّكُمْ فَقَدْ كَفَرْتُمْ وَخَرَجْتُمْ مِنَ الإِسْلامِ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) [الأحزاب آية 6] ، فَأَنْتُمْ تَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ ضَلالَتَيْنِ، فَاخْتَارُوا أَيَّهُمَا شِئْتُمْ؟

 

علي -رضي الله عنه- وقع بينه وبين بعض الصحابة خلاف، وحصلت موقعة الجمل التي كان طرفها الثاني في قيادته الزبير وطلحة، ومعهم عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها وأرضاها-، فعلي لم يسبِ منهم أحدًا، أتريدون أن تسبَى أمكم فتكون لكم أمَة تستحلون منها ما تستحلون من غيرها، قال: إن فعلتم ذلك كفرتم، وإن قلتم ليست بأمنا كفرتم؛ لأن الله -عز وجل- يقول: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)، فهي أمكم بنص القرآن، فأنتم بين ضلالتين، فماذا تفعلون تختارون هذا أم هذا؟ أم أن الصواب هو فعل علي -رضي الله عنه وأرضاه-؟ فنظر بعضهم إلى بعض، فقال ابن عباس: أخرجت من هذه؟ قالوا : نعم. أي: غلبهم بالحجة الثانية.

 

وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: "إِنَّهُ مَحَا نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دَعَا قُرَيْشًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ يَكْتُبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ كِتَابًا، فَقَالَ: اكْتُبْ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ، وَلا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بن عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لِرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ يَا عَلِيُّ: مُحَمَّدَ بن عَبْدِ اللَّهِ، فَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ أَفْضَلَ مِنْ عَلِيٍّ، أَخَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَرَجَعَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ أَلْفًا، وَبَقِيَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلافٍ، فَقُتِلُوا.

 

فانظروا يا رعاكم الله هذه الفئة هؤلاء الخوارج استدلوا بأدلة من القرآن، لكن ما فهموها حق الفهم ولم يفقهوها حق الفقه، حتى جاءهم ابن عباس فبيَّن لهم معناها، وبيَّن لهم المراد منها، وبيَّن لهم الأدلة الأخرى التي أغفلوها، ولم ينظروا إليها، ولم يلتفتوا إليها، وأعطاهم الطريقة الصحيحة في فهم كلام الله -عز وجل- وصدق ابن القيم -رحمه الله- حين قال: "سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام قديمًا وحديثًا".

 

فالمفاهيم الصحيحة لا تُؤخَذ إلا من كتاب الله ومن سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، والمفاهيم الصحيحة لا تُؤخَذ إلا بفهم صحيح لكتاب الله ولسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو الذي كان عليه الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم- ومن صار على طريقتهم، وقد أحسن من قال:

فَكُنْ كَمَا كَانَ خِيَارُ الخَلْقِ *** حَلِيفَ عِلْمٍ تَابِعاً لِلْحَقِّ

وَكُلُ خَيْرٍ فِي إِتِّبَاعِ مَنْ سَلَفْ *** وَكُلُّ شَرٍّ فِي ابْتِدَاعِ مَنْ خَلَفْ

 

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في الدين..

 

 

 

المرفقات

المثلى في فهم القرآن والسنة

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات