الطاعات

الشيخ د عبدالرحمن السديس

2013-08-08 - 1434/10/01
التصنيفات: رمضان الفطر
عناصر الخطبة
1/ وفقه محاسبة عند نهاية شهر رمضان 2/ المحافظة على الصلاة الزكاة وأهميتها 3/ فضل بر الوالدين 4/الحث على صلاة الأرحام 5/أخلاق يجب الحذر منها 6/من سنن العيد وآدابه

اقتباس

عباد الله: لقد تلونا القرآن في رمضان كثيراً فهل ترك فينا أثراً؟ أو قوم منا عوجاً؟ أو أصلح فينا منهجاً؟ أو قوى فينا مبدأ؟ أو رسخ فينا علماً؟ أو جدد فينا عزماً؟ تالله إن لم يكن أحدث فينا ذلك فما تلوناه حق تلاوته وإن قومنا حروفه وأحسنا نطق آياته، فإنما أنزل القرآن للتدبر، و...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

أما بعد:

 

فيا عباد الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71].

 

عباد الله: لقد انقضى شهر الصيام فلله من المقبول منا فنهنيه، ومن المطرود المحروم منا فنعزيه، من المصطبغ منا بصبغ القرآن ومن أحسن من الله صبغة، ومن المستمع منا لهذا القول فالمتبع أحسنه، ومن التالي منا لهذا الذكر فالمقشعر منه جلده: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) [الزمر: 23].

 

من المتدبر منا لهذا القرآن فالساكب دمعته: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا)[الإسراء:107-109].

 

كم آية عقلناها: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) [مريم: 58].

 

كم سورة وعيناها: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الْأَوَّلِينَ)[المؤمنون: 68].

 

(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد: 24].

 

كم دعوة لبيناها: (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ)[غافر: 41].

 

(يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) [الأحقاف: 31].

 

كم حكمة أوتيناها: (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ) [البقرة: 269].

 

كم نعمة ذكرناها فشكرناها: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ: 13].

 

(إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) [الزمر: 7].

 

(وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا)[النحل: 18].

 

(إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) [إبراهيم: 34].

 

(وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ)[النحل: 53].

 

كم معصية حذرناها فتركناها: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ)[الذاريات: 50-51].

 

(وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النــور:31].

 

عباد الله: لقد تلونا القرآن في رمضان كثيراً فهل ترك فينا أثراً؟ أو قوم منا عوجاً؟ أو أصلح فينا منهجاً؟ أو قوى فينا مبدأ؟ أو رسخ فينا علماً؟ أو جدد فينا عزماً؟ تالله إن لم يكن أحدث فينا ذلك فما تلوناه حق تلاوته وإن قومنا حروفه وأحسنا نطق آياته، فإنما أنزل القرآن للتدبر والعمل لا للتغني به مع الكسل، وتنغيمه مع ترك العمل: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ)[ص: 29].

 

فما أعظم هجران التالين له من المسلمين اليوم، يمرون على القوارع فيه فلا تهتز قلوبهم ولا تقشعر جلودهم ولا تدمع عيونهم ويسمعون أمره فلا يأتمرون وزاجره فلا ينتهون، فبالله متى يصدق من لم يصدق أحسن الحديث وأفضل القول؟ ومتى يكف من لم يكف عن غيه عند سماع زواجر القرآن؟ ومتى يمتثل لله في أمره من لم يمتثل لأمر القرآن؟ فالله -تعالى- يقول: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ) [ق: 45].

 

ويقول: (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [الأنعام: 51].

 

ويقول: (وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) [الفرقان: 52].

 

من لم يلن قلبه للقرآن فما هو بلين، ومن لم يعتبر بالقرآن فما هو بمعتبر، ومن لم يصدق بالقرآن فما هو بمؤمن.

 

عباد الله: إن أول أمر في المصحف الكريم هو الأمر بعبادة الله وحده، وأول نهي هو النهي عن الشرك بالله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 21- 22].

 

فاعرفوا لله حقه واعبدوه واشكروه.

 

اجتنبوا الرجز من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به: (وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) [الحـج: 31].

 

(إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) [المائدة: 72].

 

(لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الزمر: 65].

 

(وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [الأنعام: 88].

 

فالحذر الحذر -يا عباد الله- من الشرك كبيره وصغيره، من سجد لصنم فقد أشرك ومن أحب غير الله كحب الله فقد أشرك، ومن رضي بغير الله حكماً فقد أشرك، ومن أطاع غير الله فيما يحاد شرع الله فقد أشرك: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) [الأنعام: 121].

 

عباد الله: الصلاة الصلاة، وصية رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وهو في سكرات الموت.

 

"لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة".

 

"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر".

 

"بين الرجل والشرك ترك الصلاة".

 

قال الله -سبحانه-: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)[مريم: 59].

 

يا تارك الصلاة: عد إلى رشدك، وأقلع عن غيك، يا تارك الصلاة: تب مادامت الروح في الجسد قبل أن تغرغر، يا تارك الصلاة: اعلم أن أول ما يحاسب عليه العبد من عمله الصلاة فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله.

 

يا مفرطاً في حقها يا مؤخراً لها عن وقتها: اسمع خبر خالقك: (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) [الماعون: 4 - 5].

 

يا مؤديها في بيتك مع النساء: اسمع قول نبيك -صلى الله عليه وسلم-: "من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر".

 

ثم تدبر -رعاك الله- لمن بنيت هذه المساجد إن صليت أنت في بيتك وأنا في بيتي ولزم كل منا منزله، فمن لبيوت الله التي أذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه؟

 

(فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ)[النــور: 36- 38].

 

إن من العار وأسباب دخول النار أن تبقى مساجدنا خاوية إلا من قلة قليلة ممن نور الله بصائرهم، فلله كم حسنة ربحوها وخسرها المصلي في بيته، وكم سيئة محيت عنهم وبقيت في صحيفة المصلي في بيته، صح عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم مشى إلى المسجد كتب له بكل خطوة يخطوها إلى المسجد حسنة ومحي عنه سيئة ورفع بها درجة".

 

عباد الله: أدوا زكاة أموالكم، وطيبوا بها نفساً، فقد صح عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا جاء بها يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي بها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى إلى العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار".

 

قال الله -سبحانه-: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ)[التوبة: 34- 35].

 

أحصوا أموالكم وأخرجوا زكاتها، وتوبوا مما كان منكم من تفريط، فما نقص مال من صدقة.

 

عباد الله: بروا أباءكم وأمهاتكم، فقد صح عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه سئل: أي العمل أفضل؟ قال: "الصلاة على وقتها"، قال: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين"، قال: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله".

 

وسئل صلى الله عليه وعلى آله وسلم: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: "أمك"، قيل: ثم من؟ قال: "أمك"، قيل: ثم من؟ قال: "أمك"، قيل: ثم من؟ قال: "أبوك".

 

وقال الله -سبحانه-: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ)[لقمان: 14].

 

وقال جل شأنه: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا)[الأحقاف: 15].

 

ربنا أوزعنا أن نشكر نعمتك التي أنعمت علينا وعلى والدينا وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

 

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلي وسلم عليه وعلى آله أجمعين.

 

أما بعد:

 

فيا عباد الله: فاحذروا أن تقطعوا الأرحام: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) [محمد: 22].

 

صح عنه صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة قاطع رحم".

 

وصح عنه صلى الله عليه وسلم: "الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله".

 

عباد الله: ردوا الحقوق لأصحابها وأدوا الأمانات إلى أهلها فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب ويقول له الله: "لأنصرنك ولو بعد حين".

 

والدين فاحذروا التهاون به، طهروا قلوبكم من الغل والحسد والبغضاء: "ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، ولا تناجشوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله".

 

ويل لكل همزة لمزة، إياكم والغيبة والنميمة: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ) القلم: 10-11].

 

(وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ) [الحجرات: 12].

 

احذروا الكذب وقول الزور فلعنة الله على الكاذبين: "ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً".

 

عليكم بمعالي الأخلاق، واجتنبوا سفاسفها، اسعوا في قضاء حوائج إخوانكم فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم: "أحب الناس لله أنفعهم".

 

وصح عنه صلى الله عليه وسلم: "أحب الأعمال لله -عز وجل- سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً".

 

وصح عنه صلى الله عليه وسلم: "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة".

 

يا أصحاب الديون: انظروا المعسرين إلى ميسرة، فقد دخل رجل الجنة بإنظاره المعسرين.

 

قال الله -تعالى-: (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ)[البقرة: 280].

 

عباد الله: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، وتناصحوا فيما بينكم، ولينوا لبعضكم وتسامحوا: (وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ)[الأنفال: 1] فلن تعدموا من ذلك خيراً: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)[آل عمران: 110].

 

(وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران: 104].

 

"كلكم راعي وكلكم مسئول عن رعيته".

 

عباد الله: هذا يوم عيد من الله به علينا بعد صيام رمضان وقيامه كما نفرح بالأضحى بعد الوقوف بعرفات وصيامه، وإن من سنن نبيكم -صلى الله عليه وسلم- التوسعة على الأهل والعيال بالتسامح في المباحات، وجلب أنواع المسرات إليهم، وما أكثر ما يدخل السرور مما أباح الله: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[الأعراف: 32].

 

(وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف: 31].

 

وتذكروا وأنتم تفرحون بالعيد إخوان لكم في بقاع كثيرة من بلاد الله شردوا وطردوا، وأوذوا واضطهدوا، وقتلوا تقتيلاً، فلا تنسوهم من صالح دعائكم وتبرعاتكم في البوسنة والصومال والفلبين وكشمير وفلسطين وبقاع كثيرة من أرض الله.

 

عباد الله: اعلموا أن دينكم منصور، وعدوكم مدحور، بنص الكتاب والسنة: (وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ) [غافر: 37].

 

(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [النــور: 55].

 

(وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم: 47].

 

(وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحـج: 40].

 

(إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر: 51].

 

ولئن علا الباطل فإن علوه في سفول ونجمه في أفول وقوته زائلة: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ)[الرعد: 17].

 

اعتبروا بفرعون وجنوده كيف أهلكهم الله وهم في قوة سطوتهم، وكثرة ناسهم، وقلة عدوهم، وكثرة نصيرهم: (فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ)[غافر: 21].

 

دعوا المظاهر وانظروا للجواهر، فقد غر قارون كثرة ماله وخدمه وحشمه فخسف الله به الأرض: (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) [القصص: 82].

 

يا نساء المسلمين: اتقين الله في نفوسكن وأزواجكن وأولادكن، سألت امرأة النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله إنكم يا معاشر الرجال تجاهدون ولا نجاهد، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن حسن تبعل إحداكن لزوجها يعدل ذلك كله".

 

تحرين الحلال في أفعالكن وأقوالكن، واحذرن أن تفتن أو تُفتن، والزمن الحجاب الذي شرعه الله لكن حماية وصوناً لأعراضكن، وربين أولادكن التربية الصالحة ونشئوهن على حب المساجد ومجالسة الصالحين، ومجالسة الأخيار، وربين بناتكن على الحشمة والعفاف، ولبس الساتر من اللباس.

 

 

 

المرفقات
إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات