السمع والطاعة لأوامر الله تعالى

د عبدالحميد بن سعد السعودي

2019-10-04 - 1441/02/05 2022-10-11 - 1444/03/15
عناصر الخطبة
1/وجوب السمع والانقياد لأوامر الله تعالى 2/خطأ من لا ينقادون لأوامر الله تعالى 3/في الاستجابة لأوامر الله تعالى حياة القلوب وسعادتها 4/الوعيد الشديد لمن لا يستجيب لأوامر الله تعالى 5/بعض الموانع التي تحجز العبد عن طاعة الله.

اقتباس

إنه مطلوب من المسلم أن يستمع إلى كلام الله إذا يُتلى، وأن يستمع إلى أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا تُروى، استماعَ تفهُّم وإدراك، ثم بعد الاستماع والفهم يتَّجه إلى العمل والاستجابة لمطالبها...

من اختيارات الشيخ رحمه الله

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله ربِّ العالمين، منَّ على المؤمنين ببعثة النبي الأمين، وأشهد ألَّا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له مخلِصًا له الدينَ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، المبعوث رحمةً للعالمينَ، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وأصحابه ومَنْ تَبِعَهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعدُ: فاتقوا الله عباد الله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].

 

أيها الإخوة في الله: يقول الحق -تبارك وتعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)[الأنفال: 20: 24].

 

يأمرنا ربُّنا -تبارك وتعالى- في هذه الآيات الكريمات بطاعته وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، والاستجابة لرسوله عند سماع الأوامر والنواهي الصادرة عنه وعن رسوله، وينهانا عن التشبُّه بالكافرين والمنافقين في عدم الطاعة وعدم الاستجابة لله ولرسوله.

 

فإن الكفار أَبَوْا أن يسمعوا كلام الله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)[فصلت: 26]، واليهود (قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا)[البقرة: 93]، والمنافقون (قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ)[الأنفال: 21].

 

فهم يُظهِرون أنهم قد سمعوا واستجابوا، وهم ليسوا كذلك، فهم يسمعون بآذانهم ولا يسمعون بقلوبهم، فهؤلاء شر الخَلْق والخليقة (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ)[الأنفال: 22] أي: صمٌّ عن سماع الحق، بكمٌّ عن فهمه والنطق به، ثم وصَفَهم بأنهم لا يعقلون؛ أي ليست لهم عقول صحيحة، يفكِّرون بها في العواقب، وإنما عقولهم لا تعدو التفكيرَ بحاضرهم الدنيوي، وملاذِّهم العاجلة فهم كالبهائم التي لا همَّ لها إلا فيما تأكل في بطونها، ولا تفكِّر في مستقبل، ولا تستعدُّ لحياة أخرى، بل هم شر من البهائم، فالبهائم لها آذانٌ، لكنها لا تسمع إلا كلمات مبهَمة، ولها ألسنة لكنها لا تنطق أصواتًا مفهومةً، وهي مع ذلك مطيعة لله فيما خلَقَها له، وهؤلاء خُلِقُوا للعبادة فكَفَروا (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا)[الفرقان: 44].

 

أيها الإخوة في الله: إنه مطلوب من المسلم أن يستمع إلى كلام الله إذا يُتلى، وأن يستمع إلى أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا تُروى، استماعَ تفهُّم وإدراك، ثم بعد الاستماع والفهم يتَّجه إلى العمل والاستجابة لمطالبهما، وإلا فإن الاستماع والفهم من غير عمل يكونانِ حُجَّةً على صاحبهما يومَ القيامة، كما قال تعالى: (أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ)[المؤمنون: 105]، وكما قال عز وجل: (بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آَيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ)[الزمر: 59].

 

واليوم كم نسمع وكم نقرأ من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، ثم نُعرِض عن العمل بما نسمع، ونحن نعلم أن ما نسمعه ولا نعمل به سيكون حجةً علينا يوم القيامة.

 

لننظر مدى استجابتنا لنداءات الله المتكررة والمتنوعة في كتابه: يا أيها الناس، يا بني آدم، يا أيها الذين آمنوا، يا عباد.

 

قال بعض السلف: "إذا سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا فاصغِ لها سمعَكَ، فإنه خيرٌ تُؤمَر به، أو شرٌّ تُحذَّر منه".

 

وقد أخبرنا ربنا -تبارك وتعالى- أن ما يأمرنا به ويدعونا إليه فيه حياة القلوب، التي تترتب عليها الحياة الكاملة السعيدة للأبدان في الدنيا والآخرة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)[الأنفال: 24].

 

إنها دعوة إلى الحياة الكاملة بكل صورها وبكل معانيها، إنها دعوة إلى عقيدة صافية، تحيي القلوب والعقول، وتُطلِقها من أَسْرِ الجهل والخرافة، ومن ضغط الوهم والأسطورة، ومن الخضوع الْمُذِلِّ للأسباب الظاهرة، والحتميات القاهرة، ومن عبادة غير الله إلى عبادة الله.

 

إنها دعوة إلى شريعة سماوية تحرر الإنسان وتكرمه بصدورها عن الله وحدَه، تجعل البشر كلَّهم صفًّا متساوين في مواجهتها، لا يتحكَّم فردٌ في شَعب، ولا طبقة في أمة، ولا جنس في جنس، ولا قوم في قوم، ولكنهم ينطلقون كلهم أحرارًا متساوينَ في ظل شريعة صاحبُها الله رب العالمين.

 

إنها دعوة إلى منهج للحياة تُطلِق الإنسانَ من كل قيد إلا قيود الفطرة المتمثِّلة في الضوابط التي وضَعَها خالقُ الإنسانِ العليمُ بما خلَق.

 

إنها دعوة إلى القوة والعزة والاستعلاء بالعقيدة والمنهج، والثقة بالله، وتحقيق الإنسانية العليا التي وهبَها اللهُ للإنسان، إنها دعوة للجهاد في سبيل الله؛ لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادةِ ربِّ العالمينَ، ومطارَدة المعتدينَ على ألوهية الله رب العالمينَ، وعندئذ يكون الدين كلُّه لله، حتى إذا أصابهم الموت في هذا الجهاد كان لهم في الشهادة حياة أخرى.

 

أيها الإخوة في الله: لقد توعَّد الله -سبحانه- مَنْ لم يستجب لما دعا إليه فقال: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ)[الأنفال: 24]. ويا له من وعيد رهيب مخيف، يحول بين المرء وقلبه، يفصل بينَه وبين قلبه، يستحوذ على هذا القلب ويحتجزه، ويصرفه كيف يشاء، ويقلبه كما يريد، وصاحبُه لا يملك منه شيئًا، وهو قلبه الذي بين جنبيه.

 

إنه وعيد يستوجِب اليقظةَ الدائمةَ، والاحتياطَ المستمرَّ، والحذرَ الذي لا يفتر، والتعلق الدائم بالله -عز وجل- مخافةَ أن يقلب هذا القلب في سهوة من السهوات، أو في غفلة من الغفلات، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو المعصوم كان يُكثِر من دعاء ربه: "يا مقلبَّ القلوب ثبِّت قلبي على دينك"، فكيف بالناس وهم غير مرسَلين ولا معصومين؟

 

فمن لم يستجب لله ولرسوله عاقبَه الله بصرف قلبه، فلا يقبل الحقَّ بعد ذلك، كما قال تعالى: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)[الأنعام: 110].

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

 

أيها الإخوة في الله: إنه مطلوبٌ منا الاستماع والاتباع، مطلوبٌ منا استماع كلام الله وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فإنَّ مَنْ لم يسمع اليومَ سيندم غدًا، حين يقول الكفارُ: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ)[الملك: 10]، مطلوبٌ منَّا استماع الخطب والمحاضرات، مطلوبٌ منا حضور الدروس والندوات؛ لنستمع ما يفيدنا، ونتفق في ديننا، مطلوبٌ منَّا استماع البرامج المفيدة التي تذاع وتصل إلى كل بيت وفي كل مكان.

 

إذا كان الإنسان لا يحضر خطبةً، ولا يسمع موعظةً، ولا يتلو قرآنًا، ولا يقرأ حديثًا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فماذا ستكون حالُه؟ ومن أين يفقه دينَه؟ وكيف يستجيب لله ولرسوله؟

 

إن الاستجابة لا تكون إلا بعدَ سماع دعوة، ومَنْ سَمِعَ دعوةَ اللهِ وجَب عليه أن يجيب (وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)[الأحقاف: 32]، مِنَ الناس مَنْ يرفض إجابة داعي الله بالكلية، وهؤلاء هم الكفار والمنافقون الذين قالوا: سمعنا وعصينا، ومِنَ الناسِ مَنْ يقبَل ما يوافق هواه، ويرفض ما يخالفه وهذا عبدٌ لهواه، وليس عبدًا لله، وليس مُتَّبِعًا لنداء مولاه (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)[القصص: 50]، وهذا شبيهٌ بالذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فإن سَلِمَ من الكفر لم يَسْلَمْ من الفسق والنفاق وسوء الأخلاق.

 

أيها الإخوة في الله: إن هناك موانع تحول بين العبد وبين الاستجابة لله ورسوله، وإن من أعظمها وأظهرها:

 

التكبُّر عن قبول الحق، كما حصَل من إبليس، لَمَّا أمرَه اللهُ -سبحانه وتعالى- بالسجود لأبينا آدم، أبى واستكبر، وقال: أنا خير منه، وقد قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: "الكبر بطر الحق وغمط الناس"، وبطر الحق أي: دفعُه وعدم قبوله.

 

ومن موانع الاستجابة لله ولرسوله: الحسد، كما حصل من اليهود لما دعاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الإيمان لم يستجيبوا له، وكفروا به، حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبيَّن لهم الحقُّ.

 

ومن موانع الاستجابة لله ولرسوله: التعصب للآراء والمذاهب، كما حصَل من اليهود، قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ)[البقرة: 91].

 

ومن موانع الاستجابة لله ولرسوله: اتباع العادات، والتقيُّد بالأعراف والتقليد الأعمى لِمَا عليه الآباء، كما حصَل من المشركين، يقول -تعالى-: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ)[البقرة: 170].

 

ومن موانع الاستجابة لله ولرسوله: الخوف من الناس، وعدم الصبر على أذاهم، كما قال تعالى عن كفار قريش: (وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا)[القصص: 75]؛ فهم معترِفون أن ما جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم- هو الهدى، وأن ما هم عليه ضلال، لكنهم اعتذروا عن اتباعه بما يخشونه من أذى الناس، وبخوفهم على أمنهم أن يتزعزع، ومُلكِهم أن ينهار، وهذا من فساد التصور وانتكاس الفِطَر، فإن الأمن لا يحصل إلا باتباع الهدى، والخوف إنما يحصل باتباع الضلال.

 

وما قاله الكفار بالأمس هو ما يقوله بعضُ المعاصِرينَ اليوم، حيث يقولون: نحن نعلم أن الإسلام هو الدين الصحيح، وأن ما عداه باطل، لكن يمنعنا من اتباعه وتحكيمه خوف الدول الكافرة أن تنالنا بسوء، وما علموا أن فعلهم هذا يزيدهم خوفًا وضعفًا وسقوطًا حتى من أعين أعدائهم، كما قال تعالى: (فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)[آل عمران: 175].

 

فاتقوا الله -عباد الله-، وأطيعوا الله ورسوله، واستجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لِمَا يحييكم، وإياكم أن تردُّوا أمرَ الله أولَ ما يأتيكم، فيُحال بينَكم وبين قَبوله، فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يصرِّفها كيف يشاء؛ اللهم يا مقلبَّ القلوب ثبِّت قلوبَنا على دينكَ.

المرفقات

السمع والطاعة لأوامر الله تعالى.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات