السلبية

حسين بن علي بن محفوظ

2014-04-24 - 1435/06/24
التصنيفات: بناء المجتمع
عناصر الخطبة
1/ مفهوم قوله تعالى: (عليكم أنفسكم...) 2/ فشوّ السلبية تجاه إنكار المنكرات 3/ الحذر من العقوبة بسبب السلبية تجاه المنكرات 4/ وجوب التضافر والإيجابية لدفع الفساد 5/ صفات سلبية في سلوك الناس 6/ دروس من إيجابية نملة سليمان

اقتباس

إنَّ من أخطر ما نعانيه اليوم: السلبية، فيرى كثيرٌ منا المنكراتِ فلا يحركُ ساكناً، ويرى الاعتداءاتِ على حقوق الغير وعلى المصالحِ العامة فلا ينكرها، ولا ينصر مظلوماً، ولا يشهد بحق؛ يأتي بعضُ الناس أو الشباب فيعطِّلون مصالحَ الناس ويعملون على الإضرارِ بنا فنسكت كالشياطين الخرس، فإلى متى هذا الوهن؟ إلى متى هذه السلبية؟ إلى متى؟!.

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

يقول الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [المائدة:105].

 

هذه الآية المحكمة من سورة المائدة يحملها بعضُ الناس على غير مرادها، ويفسرونها على غير معناها؛ فيقول بعضهم: لا علاقة لي بالمنكرات، ولا يهمني إلا نفسي وهدايتُها، فلا يغير منكراً، ولا يصلح فساداً، ولا يسعى لخلاص مجتمعه من التردي والهلاك!.

 

يقَولَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَقْرَؤونَ هَذِهِ الْآيَةَ وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكِرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِالْعِقَابِ مِنْ عِنْدِهِ" رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني. فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ يَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا بفَهْمِهِمْ مِنْهَا خِلَافَ مَا أُرِيدَ بِهَا.

 

والِاهْتِدَاءُ يشَملُ جَمِيعَ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ اللَّهُ -تعالى-، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ: دَعْوَة النَّاسِ إِلَى الْخَيْرِ، وَالْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَلَوْ قَصَّرُوا فِي الدَّعْوَةِ إِلَى الْخَيْرِ وَالِاحْتِجَاجِ لَهُ وَسَكَتُوا عَنِ الْمُنْكَرِ لَضَرَّهُمْ مَنْ ضَلَّ؛ لِأَنَّ إِثْمَ ضَلَالِهِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِمْ.

 

فَلَا يُتَوَهَّمُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهَا رُخْصَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِي تَرْكِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْخَيْرِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ وَاجِبٌ بِأَدِلَّةٍ طَفَحَتْ بِهَا الشَّرِيعَةُ، فَكَانَ ذَلِكَ دَاخِلًا فِي شَرْطِ: إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، فلا يكون المسلم مهتدياً حتى يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

 

بل قال بعضُ السلفِ: إن هذه الآيةَ فيها التأكيدُ على الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول عبدُ الله بنُ المبارك: "هذه أوكدُ آيةٍ في وجوبِ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكر، فإنه قال: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْيعني عليكم أهلَ دينِكم ولا يضرُّكم من ضل من الكفار".

 

ويقول سعيدُ بنُ المسيب: "إذا أمرتَ بالمعروفِ ونهيتَ عن المنكر، فلا يضرُّك من ضل إذا اهتديت".

 

وروى أبوداود والترمذي وابن ماجه من حديث أَبي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ: يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ، كَيْفَ تَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ)؟ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: "بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ؛ فَعَلَيْكَ يَعْنِي بِنَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْر، الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ"، وَزَادَنِي غَيْرُهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: "أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ".

 

معشر المؤمنين: إنَّ من أخطر ما نعانيه اليوم: السلبية، فيرى كثيرٌ منا المنكراتِ فلا يحركُ ساكناً، ويرى الاعتداءاتِ على حقوق الغير وعلى المصالحِ العامة فلا ينكرها، ولا ينصر مظلوماً، ولا يشهد بحق؛ يأتي بعضُ الناس أو الشباب فيعطِّلون مصالحَ الناس ويعملون على الإضرارِ بنا فنسكت كالشياطين الخرس، فإلى متى هذا الوهن؟ إلى متى هذه السلبية؟ إلى متى؟!.

 

إننا -والله!- نخافُ أن يعمَّنا الله بعقابٍ من عنده؛ لأن السكوتَ إقرارٌ بالمنكر ورضا بالباطل، وقد حكى اللهُ عن أولئك القومِ من بني إسرائيل الذين سكتوا عمن اعتدى في السبت فعاقبهم الله جميعاً.

 

يقولُ ربنا -تبارك وتعالى-: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) [الأعراف:163-166].

 

فقد ذكر الله في هذه الآية ثلاثَ طوائف: فاعلي المنكر، والساكتين عليه، والناهين عنه؛ فأهلك الله الطائفتين الأولى والثانية الساكتةَ السلبية، وأنجى الثالثةَ التي نهت عن السوء. فيا تُرى! بأي طائفةٍ نقتدي نحن؟ وهل نرضى بأن نكون من الهالكين المقرِّين للمنكر والسوء؟.

 

يجب علينا أن نقفَ وقفةَ رجلٍ واحدٍ، ونسعى لدفع الفساد عن أنفسنا ومجتمعنا؛ وإلّا، فلا يلومَنَّ أحدٌ إلا نفسه عندما تحترقُ سفينة الجميع، وينتشرُ الورمُ السرطانيُ في جسد هذا المجتمع، إذ هنالك يتعذرُ استئصالُه أو علاجه.

 

فلنبادِرْ من الآن، ولنقم بواجبنا، ولنأخذ على أيدي السفهاء قبل أن يعم العذاب: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الأنفال:25].

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

 

 

الخطبة الثانية:

 

إخوة الإسلام والإيمان: إن أهمَّ الصفاتِ السلبية في سلوك بعض الناس: التكاسل، التوكل على الآخرين، التأمل في الماضي والحنين إليه، التذمر من الواقع، التشاؤم من المستقبل.

 

ومن الصفات السلبية أيضاً: العيشُ في بوتقة انعزال، فلا يذكر المرءُ إلا السيئ من الماضي، ومنها التعاسة والنكد، ومنها  التشاؤم قبل حدوث المشكلة،  والإصابةُ بالإحباط الذي ينعكس على التصرفات؛ فيحول بين العمل والإبداع والإنتاج؛ وبالتالي يبقى المرءُ سجينَ الماضي والأوهام والتوقعات، بلا أمل في الحاضر والمستقبل .

 

ومنها تضخيمُ وتكثيرُ المشاكلِ الطبيعيةِ التي تحصل للإنسانِ في حياته.

 

عباد الله: انظروا إلى تلك النملةِ التي خلَّد الله ذكرها عندما نفضت السلبية، وسعت في خلاصِ قومها، ولم تيأس قائلةً: كيف الخلاص من جيش سليمان الذي لم يجتمع مثله؟.

 

قال -تعالى-: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) [النمل:17]، فلما رأت ذلك الجيشَ قادماً ليحطم قومها؛ رفعت عقيرتَها وصاحت بأعلى صوتها: (يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) [النمل:18].

 

الله أكبر! الله أكبر! إنها الإيجابية، إنها الهمةُ العالية، واستنفادُ الوسعِ للنجاة بقومها، فكان أن ذكرها الله على سبيل المدحِ والعبرةِ لنا، فهل نقتدي بتلك النملة العظيمة؟ هل نكونُ من العظماءِ الذين يخلِّصون قومَهم من الهلاك؟ هل نقتدي بها فنسعى بقدر طاقتنا للنجاة بمجتمعنا وحارتنا الصغيرة ونسلك بهم طريقَ الرشد والصلاح؟.

 

أم أن نملةً صغيرةً أعظمُ شأناً منا، وأكبرُ همةً؟ هل نتخلصُ من الألفاظ السلبية: "ما سيبي، وما حولي، وما لي دخل"، وغيرِها من الألفاظ التي يحملها بعضُ الضعفاء؟!.

 

وقد صدق من قال:

إذَا مَا  طَمَحْـتُ  إلِـى  غَـايَةٍ   ***  رَكِبْتُ   الْمُنَى  وَنَسِيتُ   الحَذَرْ

وَلَمْ  أَتَجَنَّبْ  وُعُـورَ  الشِّعَـا *** بِ وَلا كُبَّـةَ  اللَّهَـبِ   المُسْتَعِـر

وَمَنْ  لا  يُحِبّ  صُعُودَ  الجِبَـا *** لِ  يَعِشْ  أَبَدَ  الدَّهْرِ  بَيْنَ   الحُفَـر

فَعَجَّتْ  بِقَلْبِي   دِمَاءُ   الشَّبَـا *** بِ  وَضَجَّتْ  بِصَدْرِي  رِيَاحٌ   أُخَر

وَأَطْرَقْتُ، أُصْغِي لِقَصْفِ  الرُّعُو *** دِ وَعَزْفِ  الرِّيَاح  وَوَقْعِ  المَطَـر

وَقَالَتْ لِيَ الأَرْضُ - لَمَّا  سَأَلْـــ *** ــتُ: " أَيَـا أُمّ  هَلْ تَكْرَهِينَ  البَشَر؟"

"أُبَارِكُ  في  النَّاسِ  أَهْلَ  الطُّمُو*** حِ وَمَنْ  يَسْتَلِـذُّ رُكُوبَ  الخَطَـر"

هُوَ الكَوْنُ  حَيٌّ، يُحِـبُّ  الحَيَا *** ةَ وَيَحْتَقِرُ  الْمَيْتَ  مَهْمَا  كَـبُر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المرفقات
إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات